تسريبات

الكتائب العقائدية وصراع النفوذ.. هل يدخل السودان مرحلة الدولة الموازية؟


يتغير المشهد السوداني بسرعة تفوق قدرة القوى السياسية على استيعابه. فالحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى مساحة مفتوحة لإعادة بناء التحالفات القديمة وصناعة مراكز قوة جديدة داخل الدولة. وبينما تتواصل المعارك في الخرطوم وولايات الوسط ودارفور، تظهر على الأرض قوى وتنظيمات باتت تتحرك بثقة متزايدة داخل الفراغ الذي خلفه انهيار المؤسسات الرسمية.

في قلب هذه التحولات يبرز تصاعد نفوذ الجماعات العقائدية والتشكيلات المسلحة المساندة للجيش، والتي تحولت خلال فترة قصيرة من مجموعات داعمة إلى أطراف تمتلك تأثيراً مباشراً في المشهد الأمني والسياسي. هذه الجماعات لا تتحرك فقط باعتبارها قوات قتالية، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل النفوذ داخل السودان، مستفيدة من الحرب كغطاء لإعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة.

المشهد الحالي يكشف أن السودان لم يعد يواجه فقط خطر الانقسام العسكري، بل يقترب تدريجياً من نموذج “الدولة الموازية”، حيث تتوزع السلطة بين مراكز نفوذ متعددة تمتلك السلاح والقدرة على فرض القرار خارج الإطار التقليدي للدولة.

منذ سقوط نظام عمر البشير، اعتقد كثيرون أن نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة تعرض لضربة يصعب تجاوزها. لكن ما حدث خلال السنوات اللاحقة أثبت أن الشبكات التي بُنيت طوال عقود لم تختفِ بالكامل، بل احتفظت بقدرتها على إعادة التموضع والانتظار حتى تتغير الظروف السياسية والأمنية.

الحرب الحالية وفرت لهذه الشبكات فرصة نادرة للعودة. فمع توسع المعارك وتراجع قدرة الجيش على إدارة كل الجبهات بقواته النظامية وحدها، بدأت المؤسسة العسكرية في الاعتماد على مجموعات مسلحة متنوعة، بعضها قبلي وبعضها يحمل خلفيات دينية وعقائدية واضحة.

هذه المجموعات قدمت نفسها باعتبارها جزءاً من “المعركة الوطنية”، لكنها في الوقت نفسه أعادت فتح الباب أمام عودة النفوذ الأيديولوجي إلى قلب المؤسسة العسكرية.

ومع مرور الوقت، بدأ دور هذه الجماعات يتجاوز حدود المشاركة القتالية. فقد أصبحت بعض التشكيلات تمتلك نفوذاً في إدارة مناطق ميدانية، والمشاركة في ترتيبات أمنية، وحتى التأثير في بعض القرارات المرتبطة بالحرب.

هذا التحول خلق واقعاً جديداً داخل السودان، حيث لم تعد الدولة وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري، بل أصبحت هناك قوى موازية تتحرك على الأرض بقدرات مستقلة نسبياً.

الأخطر أن هذه الجماعات باتت تستفيد من الغطاء الرسمي الذي توفره الحرب. فوجودها داخل المعركة يمنحها شرعية ميدانية، بينما يتيح لها الاندماج في تحالفات عسكرية واسعة يصعب معها التمييز بين ما هو نظامي وما هو عقائدي أو سياسي.

في هذا السياق، ظهرت تشكيلات جديدة تحمل أسماء مختلفة وتعمل تحت مظلات عسكرية مرتبطة بالجيش، ما سمح بإعادة دمج عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية داخل بنية تبدو في ظاهرها جزءاً من القوات المساندة للدولة.

هذه الاستراتيجية منحت الجماعات العقائدية فرصة للتحرك بعيداً عن الضغوط السياسية المباشرة، خصوصاً في ظل تراجع الرقابة الداخلية وانشغال المجتمع الدولي بالحرب نفسها.

لكن في المقابل، خلقت هذه التحالفات مخاوف واسعة داخل السودان، لأن توسيع نفوذ الجماعات الأيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التجربة التي عاشتها البلاد خلال سنوات حكم الإسلاميين.

ففي عهد البشير، تحولت مؤسسات الدولة تدريجياً إلى امتداد لشبكات سياسية وعقائدية مرتبطة بالحركة الإسلامية، وهو ما أدى إلى تآكل استقلالية الأجهزة الرسمية وإضعاف الطابع المهني للمؤسسة العسكرية.

اليوم، يرى كثيرون أن الحرب تعيد إنتاج الظروف نفسها ولكن في بيئة أكثر هشاشة، حيث تتداخل التشكيلات المسلحة مع شبكات النفوذ السياسي والأمني بصورة يصعب ضبطها.

المشكلة لا تكمن فقط في وجود جماعات عقائدية داخل المعركة، بل في تحول هذه الجماعات إلى مراكز قوة مستقلة تمتلك موارد بشرية وتسليحية ونفوذاً ميدانياً متزايداً.

فكلما طالت الحرب، ازدادت قدرة هذه القوى على ترسيخ وجودها داخل الدولة، سواء عبر السيطرة على مناطق نفوذ أو عبر بناء علاقات مباشرة مع مراكز القرار العسكري.

هذا الواقع يهدد بتحويل السودان إلى نموذج مشابه لدول أخرى انهارت فيها الحدود بين الدولة والجماعات المسلحة، حيث أصبحت السلطة موزعة بين مؤسسات رسمية وقوى موازية تتحكم فعلياً في القرار على الأرض.

كما أن استمرار هذا المسار يعقّد أي محاولة مستقبلية لإعادة بناء جيش وطني موحد، لأن دمج التشكيلات العقائدية والمسلحة داخل المؤسسة العسكرية سيخلق انقسامات عميقة يصعب تجاوزها لاحقاً.

وفي الوقت الذي تتوسع فيه هذه الجماعات، تبدو القوى المدنية أكثر ضعفاً من أي وقت مضى. فالأحزاب السياسية تعاني من الانقسام وفقدان التأثير، بينما أصبح الصوت الأعلى داخل السودان هو صوت السلاح والتحالفات العسكرية.

هذا الفراغ السياسي منح الجماعات المسلحة مساحة هائلة لإعادة تشكيل المشهد بعيداً عن أي رقابة حقيقية، خصوصاً أن الأولوية لدى معظم الأطراف الدولية أصبحت تتركز على وقف القتال وليس على معالجة جذور الأزمة السياسية.

المجتمع الدولي يدرك خطورة التحولات الجارية، لكنه يواجه معضلة حقيقية. فمن جهة، يخشى من انهيار الجيش السوداني بشكل كامل وما قد يترتب على ذلك من فوضى إقليمية، ومن جهة أخرى، يدرك أن تصاعد نفوذ الجماعات العقائدية داخل المؤسسة العسكرية قد يؤدي إلى خلق واقع أكثر خطورة على المدى الطويل.

لكن غياب استراتيجية دولية واضحة يمنح القوى المتحالفة مع المؤسسة العسكرية فرصة أكبر لترسيخ نفوذها وإعادة بناء شبكاتها داخل الدولة.

الحرب أيضاً ساهمت في إعادة تعريف مفهوم السلطة داخل السودان. فبدلاً من الاعتماد على المؤسسات الرسمية، أصبحت القوة الفعلية مرتبطة بالقدرة على الحشد والتسليح والسيطرة الميدانية. وهذا التحول يفتح الباب أمام مرحلة قد يصبح فيها النفوذ العسكري هو العامل الحاسم في تشكيل مستقبل البلاد.

السودان اليوم لا يواجه فقط معركة عسكرية، بل يعيش تحولاً جذرياً في طبيعة الدولة نفسها. فكل يوم تستمر فيه الحرب يمنح الجماعات المسلحة مزيداً من الوقت لتوسيع نفوذها، ويضعف في المقابل فرص استعادة نموذج الدولة المركزية التقليدية.

وفي ظل غياب مشروع سياسي جامع، تبدو البلاد مهددة بالانتقال من دولة تعاني أزمة سلطة إلى دولة تتقاسمها مراكز نفوذ عسكرية وعقائدية متعددة، لكل منها مشروعها الخاص وتحالفاتها ومصالحها.

هذه هي المعركة الأخطر التي تدور اليوم في السودان، لأنها لا تتعلق فقط بمن ينتصر في الحرب، بل بمن سيملك حق السيطرة على الدولة نفسها بعد انتهاء القتال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى