تسريبات

السودان والحرب الخفية داخل الدولة


في الوقت الذي يتركز فيه اهتمام الرأي العام على المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تتشكل في العمق معركة أخرى أكثر خطورة وتعقيداً، تتعلق بإعادة ترتيب السلطة داخل الدولة السودانية. فالحرب التي اندلعت تحت عنوان الصراع العسكري تحولت تدريجياً إلى فرصة لإعادة بناء شبكات النفوذ القديمة، وخصوصاً تلك المرتبطة بالتيار الإسلامي الذي فقد سيطرته السياسية بعد سقوط نظام عمر البشير.

المشهد الحالي لم يعد يشبه مجرد حرب تقليدية بين قوتين عسكريتين، بل أصبح عملية واسعة لإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية، وسط غياب شبه كامل للقوى المدنية، وانهيار تدريجي لهياكل الدولة التقليدية. وفي ظل هذا الفراغ، تتحرك جماعات وتنظيمات كانت تعمل في الظل لإعادة تثبيت حضورها داخل المشهد الوطني، مستفيدة من حاجة الجيش إلى الحلفاء الميدانيين، ومن حالة التعبئة العامة التي فرضتها الحرب.

خلال الأشهر الماضية، برزت تشكيلات عسكرية جديدة وأسماء لم تكن حاضرة بهذا الشكل قبل الحرب، بعضها يقدم نفسه باعتباره جزءاً من “المقاومة الوطنية”، بينما يحمل في الواقع امتدادات سياسية وأيديولوجية واضحة. هذه التشكيلات أصبحت لاعباً أساسياً داخل المعركة، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل من حيث التأثير في توازنات السلطة داخل الدولة.

التحول الأخطر أن المؤسسة العسكرية نفسها بدأت تعتمد بصورة متزايدة على هذه القوى، سواء بسبب الحاجة إلى المقاتلين أو نتيجة وجود تيارات داخل الجيش ترى في الجماعات العقائدية حليفاً قادراً على توفير التعبئة والتنظيم والانضباط. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الجماعات مجرد أطراف مساندة، بل تحولت إلى جزء من المشهد الأمني والسياسي الذي يتشكل في السودان الجديد.

الحرب الحالية أعادت إنتاج تحالفات قديمة كان يُعتقد أنها انتهت بسقوط النظام السابق. فالعلاقة التاريخية بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية لم تختفِ تماماً خلال السنوات الماضية، بل تراجعت إلى الخلفية في انتظار اللحظة المناسبة للعودة. واليوم، تبدو هذه اللحظة قد جاءت مع اتساع الفوضى الأمنية وتراجع قدرة الدولة المدنية على التأثير.

الأخطر أن هذه العودة لا تتم عبر الأحزاب أو المؤسسات السياسية التقليدية، بل عبر البوابة العسكرية والأمنية. فبدلاً من خوض مواجهة سياسية مباشرة مع الشارع السوداني، اختارت الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية التسلل مجدداً من داخل الحرب، مستفيدة من الخطاب الوطني والتعبئة العسكرية لإعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة.

هذا الواقع يفسر الصعود السريع لبعض التشكيلات المسلحة التي باتت تحظى بنفوذ واسع داخل المعركة، رغم حداثة ظهورها النسبي. كما يفسر عودة شخصيات محسوبة على النظام السابق إلى مواقع التأثير الإداري والأمني، في ظل حالة الطوارئ غير المعلنة التي تعيشها البلاد.

ومع تزايد اعتماد الجيش على هذه الجماعات، بدأت الحدود الفاصلة بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات العقائدية تصبح أكثر ضبابية. وهذا التطور يثير مخاوف واسعة داخل السودان وخارجه، لأن إدخال الولاءات الأيديولوجية إلى قلب الجيش يعني عملياً إعادة إنتاج الأزمة التي عاشتها البلاد لعقود طويلة.

فخلال فترة حكم البشير، تعرضت المؤسسة العسكرية لاختراق سياسي واسع أدى إلى تراجع استقلاليتها وتحويلها إلى جزء من مشروع أيديولوجي مرتبط بالحركة الإسلامية. واليوم، يخشى كثيرون من أن تعيد الحرب إنتاج السيناريو نفسه ولكن في ظروف أكثر هشاشة وتعقيداً.

الفرق هذه المرة أن السودان يعيش حالة انهيار مؤسسي غير مسبوقة. الاقتصاد منهار، والإدارة المدنية ضعيفة، والسلطة الحقيقية باتت موزعة بين مراكز عسكرية وأمنية متعددة. وفي مثل هذا الواقع، تصبح الجماعات الأكثر تنظيماً وقدرة على التعبئة هي الأقدر على فرض نفوذها.

الحرب أيضاً خلقت بيئة مناسبة لظهور مراكز قوة جديدة خارج الإطار التقليدي للدولة. فبعض التشكيلات المسلحة لم تعد مجرد مجموعات تقاتل إلى جانب الجيش، بل أصبحت تمتلك نفوذاً ميدانياً وشبكات تمويل وتأثيراً سياسياً متزايداً، ما يمنحها قدرة على فرض شروطها داخل المعادلة الوطنية.

هذا التحول يهدد مستقبل الدولة السودانية نفسها، لأن تعدد مراكز القوة يعني عملياً إضعاف السلطة المركزية وتحويل البلاد إلى ساحة نفوذ متداخلة بين جماعات مسلحة وقوى سياسية وعقائدية مختلفة.

وفي الوقت الذي تتوسع فيه هذه الشبكات على الأرض، تبدو القوى المدنية عاجزة عن استعادة موقعها داخل المشهد. فالأحزاب السياسية تعاني من الانقسام والتراجع، بينما أصبحت الأولوية لدى معظم الأطراف الدولية تتركز على وقف الحرب ومنع الانهيار الكامل، وليس على إعادة بناء مشروع سياسي وطني متكامل.

هذا الفراغ السياسي يمنح القوى المسلحة مساحة أوسع للتحرك وإعادة ترتيب مواقعها، خصوصاً أن السلاح أصبح العامل الحاسم في تحديد موازين القوة داخل السودان. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت قدرة الجماعات العقائدية على ترسيخ وجودها داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.

المجتمع الدولي بدوره يراقب هذه التحولات بقلق واضح، خاصة مع تصاعد المؤشرات المتعلقة بعودة الإسلاميين إلى الواجهة عبر الحرب. فالكثير من العواصم الغربية والإقليمية تدرك أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نموذج الحكم القديم بصورة جديدة، وهو ما قد يعقّد أي جهود مستقبلية لتحقيق الاستقرار في السودان.

لكن في المقابل، تبدو الخيارات الدولية محدودة. فإضعاف الجيش بشكل كامل قد يؤدي إلى انهيار الدولة، بينما تجاهل التمدد العقائدي داخل المؤسسة العسكرية يحمل مخاطر طويلة المدى تتعلق بطبيعة السلطة التي ستخرج من تحت أنقاض الحرب.

الواقع أن السودان يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث. فالمعركة لم تعد فقط حول من يسيطر على الخرطوم أو من يحقق تقدماً عسكرياً في الميدان، بل حول طبيعة الدولة التي ستتشكل بعد انتهاء الحرب.

هناك قوى تسعى إلى إعادة بناء دولة مدنية حديثة، بينما تتحرك في المقابل شبكات أخرى لإعادة إنتاج السلطة القديمة ولكن بأدوات جديدة تعتمد على التحالفات العسكرية والتعبئة العقائدية.

وفي ظل استمرار الحرب وغياب أي تسوية سياسية حقيقية، يبدو أن موازين القوة تميل تدريجياً لصالح الأطراف الأكثر تنظيماً وتسليحاً، وهو ما يمنح الجماعات العقائدية فرصة تاريخية لإعادة التموضع داخل الدولة السودانية.

السودان اليوم لا يواجه فقط خطر الانقسام العسكري، بل يواجه أيضاً معركة صامتة حول هوية الدولة ومستقبل مؤسساتها. ومع كل يوم تستمر فيه الحرب، تتعمق التحولات التي قد تجعل من مرحلة ما بعد الحرب مختلفة بالكامل عن كل ما عرفته البلاد خلال العقود الماضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى