وثائق سرية وذخائر مشبوهة.. هل تكشف التحقيقات الجديدة الوجه الخفي لملف الكيماوي السوداني؟
أحياناً تبدأ قصة الحرب من صورة صغيرة. مقطع فيديو قصير، رسالة هاتف، صورة لذخيرة، أو شهادة شخص كان في المكان ثم اختفى من المشهد. لكن عندما تتجمع هذه الأشياء، يمكن أن تتحول إلى خيوط تقود إلى قصة أكبر. هذا ما يحدث تقريباً في ملف الأسلحة الكيميائية في السودان. فبعد أكثر من عام على الاتهامات الأميركية باستخدام مواد كيميائية خلال الحرب، جاءت تحقيقات صحفية جديدة لتقدم وثائق ومقاطع ورسائل قالت إنها تكشف عن نشاط منظم مرتبط بإنتاج أو تخزين ذخائر كيميائية. وبينما تنفي الخرطوم هذه الاتهامات، تطرح المواد الجديدة أسئلة تتجاوز حادثة واحدة: هل كانت هناك بالفعل محاولة لبناء قدرة كيميائية عسكرية داخل السودان؟
في الخامس من سبتمبر/أيلول 2026، نشرت واشنطن بوست تحقيقاً قالت فيه إنها حصلت على مجموعة كبيرة من الوثائق ومقاطع الفيديو والصور والرسائل من مصادر أمنية في الشرق الأوسط. الصحيفة قالت إنها عرضت هذه المواد على أكثر من عشرين مسؤولاً سابقاً وخبيراً في الاستخبارات والأسلحة الكيميائية وحقوق الإنسان، وإن معظم من راجعوا المواد وصفوها بأنها أدلة ذات مصداقية على برنامج للأسلحة الكيميائية، مع تحذيرهم في الوقت نفسه من أن التحقق النهائي يحتاج إلى الوصول المباشر إلى المواقع والأسلحة والشهود. هذه النقطة أساسية، لأن التحقيق الصحفي مهما كان واسعاً لا يستطيع وحده أن يحل محل التفتيش والتحقيق الدولي الميداني.
الوثائق التي تحدثت عنها الصحيفة تتضمن، بحسب روايتها، إشارات إلى ذخائر ذات تأثير مزدوج تحتوي على غاز خانق ومتفجرات، وصوراً لذخائر بدائية الصنع، ومقاطع فيديو لاختبارات في مناطق صحراوية ظهرت فيها سحب صفراء مخضرة. كما تحدثت الرسائل التي حصلت عليها الصحيفة عن تخزين أعداد كبيرة من الذخائر الكيميائية في منشآت عسكرية، وعن عمليات تصنيع وتجميع واختبار. وقال خبراء في الأدلة الرقمية إنهم لم يجدوا مؤشرات على التلاعب ببعض المواد المرئية والصوتية التي فحصوها، لكن ذلك لا يعني أن كل الادعاءات المرتبطة بالصور والرسائل أصبحت مثبتة بشكل مستقل؛ فسلامة الملف الرقمي شيء، وصحة الرواية المتعلقة به شيء آخر.
ومن بين أكثر التفاصيل إثارة للقلق في التحقيق الحديث الحديث عن تصميمات لذخائر تحتوي على الكلور، وعن محاولات لإخفاء آثار استخدام المواد الكيميائية. وقالت الصحيفة إن بعض الوثائق تتحدث عن تصميمات جديدة للذخائر، بينما تظهر مقاطع أخرى اختبارات في مناطق صحراوية. كما ذكرت أن بعض الرسائل تتحدث عن مخزون يصل إلى مئات الذخائر. وإذا أمكن إثبات صحة هذه المواد وربطها بشكل مستقل بالمؤسسات العسكرية السودانية، فإن القضية ستنتقل من مستوى الاتهام باستخدام مادة كيميائية في ظروف حرب إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بوجود منظومة لإنتاج وتخزين الأسلحة المحظورة.
لكن الملف يحتوي أيضاً على تفاصيل يجب التعامل معها بحذر. فحتى التحقيق الصحفي نفسه يقول إن المخزون المزعوم لا يمكن التحقق منه بصورة نهائية اعتماداً على الأدلة البصرية وحدها. كما أن بعض المعلومات الواردة في الوثائق مصدرها مسؤولون أمنيون لم يكشفوا عن هويتهم، ما يجعل الوصول إلى المواقع والشهود والتحقق المستقل من الأسماء والعمليات أمراً بالغ الأهمية. وفي قضية بهذه الخطورة، لا يكفي أن تكون الوثيقة أصلية؛ يجب أيضاً إثبات من كتبها، ومتى كتبت، ولماذا، وهل تصف فعلاً عملية تمت على الأرض أم مجرد خطة أو مقترح لم ينفذ.
القصة تصبح أكثر حساسية عندما نعود إلى عام 2024. فقد قالت الولايات المتحدة إن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال ذلك العام، بينما قدم تحقيق فرانس 24 الذي أشارت إليه هيومن رايتس ووتش أدلة علنية على احتمال استخدام الكلور في حادثتين في سبتمبر/أيلول بالقرب من قاعدة كرري ومصفاة الجيلي. وتحدث التحقيق عن صور ومقاطع جرى تحديد مواقعها جغرافياً، وعن حاويات للكلور وسحابة صفراء مخضرة. وقالت هيومن رايتس ووتش إنها تحققت بشكل مستقل من مواقع المقاطع.
هذه التطورات تفسر لماذا أصبحت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية طرفاً مهماً في القضية. فالسودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وهي اتفاقية تفرض التزامات واضحة على الدول بشأن عدم تطوير أو إنتاج أو تخزين أو استخدام الأسلحة الكيميائية. وتقول المنظمة إن الاتفاقية تضم 193 دولة، وإن هدفها هو القضاء على الأسلحة الكيميائية ومنع ظهورها من جديد. ولذلك فإن وجود اتهام موثق بما يكفي يفرض سؤالاً حول آليات التحقق، لا حول المواقف السياسية فقط.
الحكومة السودانية، من جهتها، تقول إن الاتهامات غير صحيحة. وفي ردها على تحقيق واشنطن بوست، أكدت أنها ملتزمة باتفاقية الأسلحة الكيميائية، وقالت إن مخزون الكلور في البلاد مخصص لأغراض مدنية وصناعية ومعالجة المياه. كما أشارت إلى استعدادها للسماح بالتحقق الدولي من هذه المخزونات. وكانت لجنة سودانية قد أعلنت في وقت سابق أنها لم تجد أدلة على تلوث كيميائي أو إشعاعي في المواقع التي فحصتها. وهذه الرواية يجب أن تكون جزءاً من أي معالجة صحفية مسؤولة للملف، لأن وجود اتهامات قوية لا يعني أن كل تفاصيلها ثبتت نهائياً.
لكن المشكلة أن الحرب تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة كل يوم. الموقع الذي قيل إن هجوماً وقع فيه قد يتعرض للقصف مرة أخرى. الشاهد قد ينزح أو يموت أو يختفي. الذخيرة قد تُنقل. المبنى قد ينهار. والصور التي كانت متاحة على الهاتف قد تختفي. لهذا فإن أي تحقيق في الأسلحة الكيميائية يحتاج إلى السرعة بقدر ما يحتاج إلى الدقة. حفظ الأدلة اليوم قد يكون الفرق بين إمكانية إثبات واقعة بعد سنوات، وبين أن تصبح مجرد رواية متداولة لا يمكن التحقق منها.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: المسؤولية. إذا ثبت استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند “الجيش السوداني استخدمها”. هذه صياغة عامة جداً. التحقيق الجاد يجب أن يحاول تحديد من اتخذ القرار، ومن أصدر الأمر، ومن نفذه، ومن كان يعلم، ومن كان قادراً على منعه ولم يفعل. كما يجب تحديد ما إذا كانت الذخائر استُخدمت في مواقع عسكرية فقط، أم أن آثارها وصلت إلى المدنيين. فالقول بوجود استخدام كيميائي لا يثبت تلقائياً وجود نية لإبادة المدنيين، وهذه نقطة ينبغي عدم تجاوزها في أي معالجة صحفية.
لكن حتى قبل الوصول إلى هذه المرحلة، فإن مجرد وجود مؤشرات على برنامج كيميائي محتمل داخل حرب بهذا الحجم يبعث برسالة مقلقة. السودان يعيش أصلاً واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة في العالم، مع نزوح واسع وانهيار للخدمات وتزايد احتياجات المدنيين. وفي مثل هذه البيئة، فإن إدخال سلاح كيميائي إلى المعركة يمكن أن يوسع دائرة الخوف، حتى بالنسبة إلى أشخاص بعيدين عن موقع الهجوم. الخوف من القصف شيء، والخوف من مادة لا يمكن رؤيتها شيء آخر.
لهذا، فإن السؤال الذي تطرحه الوثائق الجديدة لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمزايدة السياسية. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الجهات الدولية المختصة الوصول إلى الحقيقة؟ هل ستُفتح المواقع أمام المفتشين؟ هل سيجري الاستماع إلى الشهود؟ هل ستُحفظ الأدلة؟ وهل ستُعلن النتائج للرأي العام؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد قيمة كل ما ظهر حتى الآن. فالوثيقة قد تكون بداية الحقيقة، لكنها ليست دائماً نهايتها.
وفي السودان، حيث أصبحت حياة المدنيين عالقة منذ سنوات بين الجبهات، فإن الحقيقة ليست ترفاً. إنها جزء من العدالة. وإذا أثبت التحقيق الدولي أن الأسلحة الكيميائية استُخدمت، يجب أن يعرف الضحايا من فعل ذلك ولماذا. وإذا أثبت أن الاتهامات لم تكن صحيحة، يجب أن تكون هناك جهة مستقلة تقول ذلك بوضوح. أما أن يبقى الملف عالقاً بين وثائق سرية ونفي رسمي وتقارير استخباراتية وتحقيقات صحفية، فهذا يعني أن الحرب ستستمر في قتل الحقيقة حتى بعد أن يتوقف الرصاص.




