تسريبات

ملف سري وذخائر بالكلور.. ماذا تكشف الوثائق الجديدة عن برنامج الجيش السوداني الكيميائي؟


لم يعد الجدل حول احتمال استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان مقتصرا على حادثتين مزعومتين خلال عام 2024، بعدما كشفت تقارير صحفية دولية في سبتمبر 2026 عن ملف يتضمن وثائق وصورا ومقاطع فيديو ورسائل تقول إنها تقدم صورة أكثر تفصيلا عن برنامج عسكري سوداني لتصنيع وتخزين ذخائر تحتوي على مواد كيميائية.

وتأتي هذه التطورات بعد أكثر من عام على إعلان الولايات المتحدة أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في 2024. وفي يوليو 2026 دخلت عقوبات أميركية إضافية حيز التنفيذ، بعدما قررت واشنطن أن السودان لم يستوف الشروط المطلوبة لإنهاء الإجراءات التي فُرضت عليه بسبب الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية.

وتشير أحدث الملفات المنشورة إلى أن القصة، وفق الرواية التي تقدمها مصادر هذه التحقيقات، بدأت في سياق المعارك التي خاضها الجيش السوداني لاستعادة مناطق استراتيجية من قوات الدعم السريع، خصوصا حول الخرطوم. وفي ظل طبيعة الحرب داخل المدن والمنشآت المحصنة، تظهر في الوثائق إشارات إلى محاولة تطوير وسائل يمكن أن تؤثر على المقاتلين الموجودين داخل مواقع محمية أو يصعب الوصول إليها بالأسلحة التقليدية.

وبحسب واشنطن بوست، شملت المواد التي حصلت عليها الصحيفة ما يقارب 150 وثيقة وصورة وفيديو وتسجيلات صوتية، إلى جانب آلاف الرسائل النصية. وقالت الصحيفة إن المواد نُسبت إلى هواتف عدد من المسؤولين العسكريين السودانيين، وإن خبراء في الاستخبارات والأسلحة الكيميائية والطب الشرعي الرقمي فحصوا أجزاء منها واعتبروها جديرة بالاهتمام، مع التأكيد على أن إثبات الصورة الكاملة يحتاج إلى الوصول المباشر إلى المواقع والأشخاص.

ومن بين أكثر العناصر إثارة في الملف الحديث الحديث عن ذخائر تعتمد على الكلور. فالكلور مادة صناعية شائعة تستخدم في معالجة المياه، ولذلك فإن مجرد وجودها داخل دولة تعاني حربا لا يمثل في حد ذاته دليلا على وجود برنامج أسلحة كيميائية. لكن تحويل المادة إلى ذخيرة مصممة لنشرها في مناطق مأهولة أو ضد مواقع عسكرية هو ما يثير القضية القانونية والأمنية.

وتقول التقارير إن بعض الوثائق تتحدث عن تصميم ذخائر تجمع بين التأثير الانفجاري والتأثير الكيميائي. ووفقا لما أوردته واشنطن بوست، تضمنت إحدى الوثائق مواصفات لذخيرة تحتوي على نحو 15 كيلوغراما من الغاز إلى جانب مواد متفجرة. كما تحدثت مواد أخرى عن تطوير وسائل لإخفاء آثار استخدام المواد الكيميائية.

وتشير تقارير أخرى إلى أن الجيش السوداني استخدم مواقع عسكرية في عمليات مرتبطة بتجميع الذخائر، فيما ظهرت مقاطع يعتقد أنها لاختبارات في مناطق صحراوية. وتقول المصادر التي قدمت المواد إن الهدف كان تطوير ذخائر قادرة على نشر الكلور في منطقة محددة، لكن طبيعة المواد المتاحة تجعل من الضروري التمييز بين ما تثبته الوثائق مباشرة وما هو استنتاج مبني عليها.

ومن العناصر التي أثارت اهتمام الخبراء أيضا ما قيل عن تحويل إمدادات من الكلور كانت مخصصة لأغراض معالجة المياه إلى استخدامات عسكرية. وتشير تقارير التحقيق إلى أن بعض المواد الكيميائية التي ظهرت في القضية يمكن تتبعها إلى مصادر تجارية مخصصة للاستخدام المدني، وهو أمر يعكس صعوبة السيطرة على المواد الكيميائية ذات الاستخدام المزدوج في مناطق الحرب.

وهذه النقطة بالذات تجعل التحقيق الدولي أكثر أهمية، لأن تحديد مصدر المادة لا يكفي لإثبات استخدامها كسلاح. فالمادة نفسها قد تدخل السودان بصورة قانونية تماما، وقد تستخدم في محطات المياه أو المنشآت الصناعية، ثم يتم تحويل جزء منها لاحقا إلى استخدام عسكري. لذلك يتعين على أي تحقيق أن يحدد سلسلة انتقال المادة من لحظة دخولها إلى البلاد حتى وصولها إلى موقع عسكري أو ذخيرة.

وتتضمن الملفات أيضا إشارات إلى أشخاص قيل إنهم كانوا مسؤولين عن الجانب الفني أو اللوجستي للبرنامج. غير أن نشر أسماء أو ربط أفراد بصورة مباشرة بجرائم دولية يتطلب مستوى أعلى من الإثبات، لأن الرسائل وحدها لا تكفي دائما لإثبات هوية صاحب الحساب أو أن صاحب الهاتف هو من كتب الرسالة بالفعل.

ولهذا لجأت التحقيقات الصحفية إلى خبراء في الطب الشرعي الرقمي. ووفقا لواشنطن بوست، لم يجد خبراء استشارتهم الصحيفة مؤشرات واضحة على التلاعب ببعض المواد الصوتية والمرئية التي فحصوها. لكن غياب علامات التلاعب لا يعني تلقائيا أن المحتوى يثبت وقوع جريمة، بل يعني أن المادة تبدو أصلية من الناحية التقنية وتحتاج بعد ذلك إلى التحقق من مضمونها وسياقها.

وتتوافق بعض هذه المعطيات مع تحقيقات سابقة. ففي أواخر 2025 نشرت فرانس 24 تحقيقا قالت فيه إن لديها أدلة قوية على استخدام الكلور كسلاح في محيط مصفاة الجيلي وقاعدة الجيلي العسكرية في سبتمبر 2024. وأكدت هيومن رايتس ووتش لاحقا أنها تحققت بشكل مستقل من المواقع الجغرافية لبعض المقاطع والصور المرتبطة بهذه الأحداث.

وبحسب التحقيقات السابقة، ظهرت في مواقع الهجمات حاويات مرتبطة بالكلور، بينما أظهر أحد المقاطع سحابة صفراء مائلة إلى الأخضر. كما تحدث شهود عن أعراض تنفسية وتهيج في العينين. لكن هذه العناصر، رغم أهميتها، لا تكفي بمفردها لتحديد ما إذا كان الغاز قد أطلق عمدا كسلاح أم نتيجة حادث أو استهداف لمنشأة تحتوي على مواد كيميائية.

وهذه هي النقطة التي تتمسك بها الحكومة السودانية في ردها على الاتهامات. فالخرطوم تقول إن الكلور والأمونيا موجودان في السودان لأغراض مدنية وصناعية، وإن بعض المنشآت التي تحتوي على مواد كيميائية تعرضت للهجمات خلال الحرب. وفي هذه الحالة يمكن أن تنتشر المواد نتيجة انفجارات أو أضرار في الحاويات، وهو تفسير ترى الحكومة أنه يفسر بعض الصور والسحب التي ظهرت في المقاطع المتداولة.

كما تؤكد الحكومة السودانية أنها لم تستخدم الأسلحة الكيميائية، وأنها ملتزمة باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. وقد شكلت لجنة وطنية للنظر في الاتهامات الأميركية، وقالت اللجنة، وفقا لتقارير دولية، إنها لم تجد أدلة مادية أو تقنية أو وثائقية تثبت الاتهامات في المواقع التي قامت بفحصها.

لكن الولايات المتحدة ترى أن التحقيق الداخلي لا يمكن أن يكون بديلا عن التحقق الذي تجريه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وقد طالبت واشنطن بمنح المنظمة وصولا غير مقيد وشفاف إلى المواقع ذات الصلة.

وفي سبتمبر 2026، ازدادت الضغوط باتجاه تحقيق مستقل بعدما نشر مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقيقا استند إلى شهادات ثمانية سودانيين ومقاطع وصور ومواد رقمية. ووجد التحقيق، بحسب يورونيوز، مؤشرات متسقة وذات مصداقية على حوادث يحتمل أن تكون مرتبطة بالتعرض لمواد كيميائية خلال عمليات عسكرية، لكنه لم يستطع تحديد المادة بصورة قاطعة.

وتحدث الشهود عن أعراض مثل السعال وصعوبة التنفس وتهيج العينين، وفي بعض الحالات أعراض جلدية أو معوية. كما تحدثوا عن روائح غير معتادة وانبعاثات ملونة وغياب بعض التأثيرات الانفجارية المعتادة في الهجمات التقليدية. ومع ذلك، فإن الخبراء الذين أعدوا التحقيق أكدوا أن هذه المؤشرات تحتاج إلى أدلة إضافية قبل الوصول إلى نتيجة نهائية.

والمفارقة أن التطورات الجديدة تضع المجتمع الدولي أمام سؤالين متداخلين. الأول يتعلق بما إذا كان الجيش السوداني قد استخدم بالفعل أسلحة كيميائية. والثاني يتعلق بما إذا كان هناك برنامج منظم لتصنيع هذه الأسلحة. فالإجابة عن السؤال الثاني، إن جاءت مثبتة، ستغير طبيعة القضية، لأنها تعني الانتقال من احتمال استخدام مادة سامة في حادثة معينة إلى وجود قدرة عسكرية منظمة على إنتاج ذخائر محظورة.

وقد أثارت هذه القضية بالفعل ردود فعل في مؤسسات دولية. ففي مناقشات مجلس الأمن خلال 2026، جرى التأكيد على أن استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان سيكون انتهاكا خطيرا للقانون الدولي، مع الدعوة إلى التحقيق والمساءلة. وفي المقابل، رد ممثل السودان بأن الجيش لم يستخدم الأسلحة الكيميائية، واتهم خصوم السودان باستخدام القضية سياسيا.

ويشير استمرار هذا الجدل إلى أن الملف أصبح جزءا من المعركة الدبلوماسية المحيطة بالحرب السودانية. فكل طرف يسعى إلى تقديم روايته عن الانتهاكات، بينما تتهم القوات المتحاربة بعضها بعضا بارتكاب جرائم واسعة.

لكن الأسلحة الكيميائية تختلف عن كثير من الانتهاكات الأخرى بسبب وجود منظومة دولية متخصصة للتحقيق فيها. فإذا تمكنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من الوصول إلى مواقع مناسبة والحصول على عينات موثوقة، يمكن أن تقدم الاختبارات العلمية إجابات أكثر دقة بشأن طبيعة المواد المستخدمة ومصدرها وطريقة انتشارها.

وبينما تتواصل الدعوات إلى تحقيق مستقل، تظل الوثائق الجديدة واحدة من أكثر التطورات أهمية في القضية. فهي لا تثبت وحدها كل الاتهامات، لكنها وسعت نطاق الأسئلة المطروحة من مجرد استخدام محتمل للكلور إلى احتمال وجود عمليات تصنيع وتخزين واختبار.

وفي حال تأكدت هذه المعلومات، فإن القضية قد تصبح واحدة من أخطر الملفات القانونية المرتبطة بالحرب السودانية. أما إذا أثبت التحقيق المستقل أن المواد والوثائق لا تثبت وجود برنامج كيميائي أو أن الوقائع ناتجة عن استخدامات مدنية أو تسربات بسبب القتال، فإن ذلك سيعيد صياغة الملف أيضا.

وبذلك، فإن التطورات الأخيرة لا تقدم حتى الآن حكما قضائيا نهائيا، لكنها تجعل قضية الأسلحة الكيميائية أكثر تعقيدا وأكثر إلحاحا. وبين وثائق تتحدث عن ذخائر وعمليات اختبار، وشهادات عن أعراض غامضة، وعقوبات أميركية، ونفي سوداني رسمي، يبقى التحقيق الدولي المستقل هو الوسيلة الأهم لحسم ما حدث فعلا في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى