مصر والسعودية وتركيا وقطر.. الدعم للجيش السوداني وكيف غيّر ميزان الحرب
الحرب السودانية لم تبقَ محصورة داخل الحدود السودانية. فمنذ الأشهر الأولى للقتال، بدأت العواصم الإقليمية في بناء مواقفها على أساس سؤال أساسي: أي طرف يمثل مستقبل الدولة السودانية، وأي طرف يمكن أن يحمي المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية لكل دولة؟
في هذا السياق، مالت مصر والسعودية وتركيا وقطر بدرجات مختلفة إلى التعامل مع القوات المسلحة السودانية بوصفها المؤسسة الأكثر ارتباطاً بالدولة السودانية الرسمية. لكن اختلاف دوافع هذه الدول جعل دعمها يأخذ أشكالاً مختلفة.
مصر كانت الأكثر ارتباطاً بالملف الأمني المباشر. فالسودان يمثل عمقاً استراتيجياً لمصر، وأي انهيار طويل الأمد للدولة السودانية يعني احتمال تحول الحدود الجنوبية إلى منطقة مفتوحة أمام شبكات التهريب والجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية.
كما أن القاهرة تنظر إلى السودان من زاوية أوسع مرتبطة بأمن النيل. ولذلك لم يكن من السهل بالنسبة إلى مصر التعامل مع الحرب باعتبارها مجرد صراع بين جنرالين.
ومنذ بداية الحرب، دعمت القاهرة الجيش السوداني سياسياً، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن تعاون عسكري واستخباراتي. وفي فبراير/شباط 2026، أثارت صور الأقمار الصناعية التي نشرتها رويترز بشأن وجود مسيّرات تركية من طراز «أكنجي» قرب الحدود السودانية أسئلة حول مدى تطور الدور المصري في الحرب. وقال التقرير إن مسؤولين ومحللين رأوا في ذلك مؤشراً إلى انخراط أعمق، بينما نفت القاهرة اتهامات قوات الدعم السريع بشأن تنفيذ غارات جوية داخل السودان.
وهذا التطور مهم لأنه يوضح كيف تحولت الحرب من مواجهة برية إلى حرب جوية وتقنية.
تركيا من جهتها استفادت من علاقاتها العسكرية السابقة مع السودان. فالصناعة الدفاعية التركية، وخاصة الطائرات المسيّرة، أصبحت خلال السنوات الأخيرة أداة رئيسية في السياسة الخارجية التركية. وفي السودان، ارتبط اسم أنقرة بتزويد الجيش بطائرات مسيّرة من بينها «بيرقدار TB2» و«أكنجي».
هذه الطائرات ليست مجرد أسلحة تقليدية. إنها تمنح الجيش قدرة على الاستطلاع والمراقبة والاستهداف لمسافات بعيدة، وتسمح للطرف الذي يمتلكها بتغيير تكتيكاته في مواجهة قوات تعتمد أكثر على الانتشار الأرضي.
وفي حرب السودان، كان لهذا الأمر أثر واضح في إعادة تشكيل ميزان القوى. فقد أشارت تقارير إلى أن الطائرات التركية ساعدت الجيش على تنفيذ عمليات أكثر فعالية ضد قوات الدعم السريع، خصوصاً في مناطق كانت تشهد تغيراً مستمراً في خطوط السيطرة.
لكن الدعم العسكري لا يقتصر على السلاح نفسه. هناك التدريب، والصيانة، وقطع الغيار، والمعلومات، والخبرة التقنية، وكلها عوامل يمكن أن تحدد قدرة الجيش على استخدام السلاح بكفاءة.
أما السعودية، فقد كان دورها أكثر تعقيداً. فمن جهة، لعبت الرياض دور الوسيط إلى جانب الولايات المتحدة في مفاوضات جدة. وقد كان الهدف المعلن هو وقف القتال وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات. وأصدرت الأطراف المتحاربة تعهدات بهذا الاتجاه في مايو/أيار ونوفمبر/تشرين الثاني 2023.
لكن المفاوضات فشلت في تحويل الاتفاقات إلى وقف دائم لإطلاق النار. وتظهر وثائق مسار جدة أن طرفي الحرب لم يلتزما بصورة مستدامة بالتعهدات، ما أدى إلى تعثر العملية.
في الوقت نفسه، اتخذت السعودية موقفاً أقرب إلى الجيش في الصراع على الشرعية السياسية. وهذا الموقف يتقاطع مع رؤية مصر التي تعتبر الجيش مؤسسة الدولة الأساسية.
وبذلك أصبحت الرياض أمام معادلة صعبة: تريد إنهاء الحرب، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن يؤدي وقف الحرب إلى منح قوة مسلحة منافسة للجيش موقعاً مساوياً لمؤسسات الدولة.
أما قطر، فقد حافظت على حضور أقل صخباً. إلا أن تقارير صحفية متخصصة تحدثت عن دعم سياسي ومالي للجيش السوداني، إلى جانب تقارير عن إمدادات عسكرية.
هذا الدعم، إذا قورن بالدعم العسكري الأكثر وضوحاً الذي ارتبط بمسيّرات تركيا أو التحركات المصرية، يبدو أقل ظهوراً في المجال العام، لكنه يظل جزءاً من شبكة العلاقات التي تحيط بقيادة الجيش.
وهنا تظهر نقطة أساسية: الحرب لا تستمر بالسلاح وحده. يمكن للدعم السياسي أن يكون مهماً بقدر السلاح عندما يمنح طرفاً ما غطاءً دبلوماسياً أو قدرة على التحرك الخارجي أو دعماً مالياً يسمح له بتجاوز الضغوط.
ولهذا فإن الحديث عن الدعم الخارجي للسودان يجب أن يتجاوز صورة شحنة أسلحة تصل إلى مطار. فهناك شبكة كاملة من العلاقات تبدأ بالدبلوماسية ولا تنتهي بالتكنولوجيا العسكرية.
وقد ساهم هذا الوضع في خلق اختلال آخر: بدلاً من أن يصبح ميزان القوة عاملاً يدفع الأطراف إلى التفاوض، يمكن أن يؤدي الدعم الخارجي إلى الاعتقاد بأن الحسم العسكري لا يزال ممكناً.
وهذه إحدى أخطر نتائج التدخلات الخارجية.
ففي كل مرة يحصل فيها طرف على قدرة عسكرية جديدة، قد تتغير حساباته. وإذا كان يعتقد أن بإمكانه تحقيق مكاسب إضافية، فقد يؤجل التفاوض. وفي المقابل، يدفع الطرف الآخر نحو البحث عن داعمين جدد للحصول على أسلحة مضادة.
وهكذا تتحول الحرب إلى حلقة مغلقة: دعم يؤدي إلى تقدم عسكري، والتقدم يؤدي إلى خوف الطرف الآخر، والخوف يؤدي إلى طلب دعم إضافي، والدعم الإضافي يؤدي إلى جولة جديدة من القتال.
وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في تصاعد حرب المسيّرات. فقد وثقت تقارير استخدام الطرفين للطائرات المسيّرة على نطاق متزايد، وأشارت التحقيقات إلى أن التكنولوجيا الخارجية أصبحت عاملاً مهماً في تطور العمليات العسكرية.
وبذلك، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بمن يسيطر على الخرطوم أو دارفور أو كردفان، بل بمن يمتلك التكنولوجيا والتمويل والقدرة على تعويض الخسائر.
في النهاية، فإن دعم مصر والسعودية وتركيا وقطر للجيش، بأشكاله المختلفة، لا يمكن اختزاله في عبارة واحدة. بعضه سياسي، وبعضه دبلوماسي، وبعضه عسكري أو تقني، وبعض الاتهامات بشأن الدعم السري لا تزال بحاجة إلى أدلة مستقلة أقوى.
لكن الثابت أن تعدد مصادر الدعم الخارجي جعل الحرب السودانية أكثر قدرة على الاستمرار، وأن إدخال التكنولوجيا العسكرية الحديثة إلى المعركة ساهم في رفع مستوى التصعيد.
وهذا يعني أن إنهاء الحرب يحتاج إلى أكثر من اتفاق بين الجنرالات. يحتاج إلى اتفاق إقليمي أيضاً يضع حدوداً لتدفق السلاح والتمويل ويجعل التسوية السياسية أكثر فائدة للأطراف من استمرار الحرب.




