أحداث

مجلس حقوق الإنسان يناقش تدهور الأوضاع في الأبيض.. دعوات لوقف الحرب وتوسيع حظر السلاح على السودان


عقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، جلسة عاجلة ضمن أعمال دورته الثانية والستين في قصر الأمم بمدينة جنيف، لمناقشة التطورات الميدانية والإنسانية في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وسط تحذيرات دولية من خطر تعرض المدنيين لموجة جديدة من الانتهاكات مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع.

وجاءت الجلسة استجابة لمطالب عدد من الدول والمنظمات الحقوقية التي أعربت عن قلقها من تصاعد القتال في المدينة وتفاقم الأوضاع الإنسانية، في ظل استمرار المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

تحذير أممي من “إنذار أحمر”

واستهل المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الجلسة بإحاطة حذر فيها من التدهور الخطير للأوضاع في مدينة الأبيض، مؤكداً أن المدنيين يعيشون منذ نحو 18 شهراً في ظروف أشبه بالحصار، ويتعرضون بصورة مستمرة لهجمات بالطائرات المسيّرة مع احتدام المعارك للسيطرة على المناطق المحيطة بالمدينة.

ودعا تورك إلى وقف الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية، وإنهاء تدفق الأسلحة إلى جميع أطراف النزاع، مطالباً بتوسيع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة ليشمل كامل الأراضي السودانية.

وقال في تحذير شديد اللهجة: “هذا ليس تدريباً أو محاكاة، بل إنذار أحمر ينبغي أن يصل إلى قادة العالم”، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لمنع وقوع مزيد من الجرائم بحق المدنيين في الأبيض وإقليم كردفان.

كما كشف أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تُعد تقريراً جديداً حول الاقتصاد السياسي للحرب في السودان، يسلط الضوء على دور تجارة الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية في تمويل أطراف النزاع.

دعوات للمساءلة وحماية المدنيين

من جانبه، استعرض رئيس لجنة التنسيق للإجراءات الخاصة التابعة لمجلس حقوق الإنسان، جورج كاتروغالوس، أنماط الانتهاكات التي شهدها النزاع، بما في ذلك استهداف المدنيين وجرائم العنف الجنسي، مؤكداً أن جميع الأطراف ملزمة باحترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وشدد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، داعياً الدول صاحبة النفوذ إلى اتخاذ خطوات عاجلة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

مداخلة بورتسودان

وخلال الجلسة، قدم وزير خارجية سلطة بورتسودان، محيي الدين سالم، عرضاً لما وصفه بـ”خارطة الطريق” التي طرحها قائد الجيش لحل الأزمة، كما دعا إلى تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، قبل أن يغادر قاعة الاجتماع مباشرة بعد انتهاء كلمته.

وبحسب مراقبين حضروا الجلسة، فإن المداخلة لم تحظ بتفاعل يُذكر من الوفود المشاركة، كما أنها لم تتضمن، وفق تقديرهم، مبادرات جديدة تتناسب مع حجم الأزمة الإنسانية التي خُصصت لها الجلسة.

شهادات حول الانتهاكات

من جهتها، تحدثت عضو بعثة تقصي الحقائق بشأن السودان، منى رشماوي، عن تصاعد الهجمات التي تنفذها قوات الدعم السريع باستخدام الطائرات المسيّرة ضد البنية التحتية المدنية.

كما أشارت إلى أن انتشار القوات المسلحة السودانية والأصول العسكرية والقوات المتحالفة معها داخل المناطق المدنية يزيد من المخاطر التي يتعرض لها السكان، مضيفة أن الجيش وحلفاءه يلجؤون بصورة متزايدة إلى الاعتقالات التعسفية والاحتجاز المطول وترهيب الأشخاص المشتبه في تعاطفهم مع قوات الدعم السريع، بمن فيهم ناشطون ومنتقدو الحرب والداعون إلى السلام.

توافق دولي على أولوية الحل السياسي

وخلال المناقشات، أكدت ألمانيا دعمها لمبادئ مؤتمر برلين، ولجهود الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، بالتوازي مع جهود المجموعة الخماسية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومنظمة “إيغاد” وجامعة الدول العربية، باعتبارها المسار الأكثر جدية لإنهاء الأزمة السودانية.

بدورها، شددت دولة الإمارات على أن التطورات في مدينة الأبيض تؤكد مجدداً استحالة حسم النزاع عسكرياً، داعية إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار وإقرار هدنة إنسانية عاجلة.

وجددت الإمارات إدانتها لجميع الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين والبنية التحتية من قبل طرفي النزاع، مطالبة بتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق.

كما رحبت، بصفتها عضواً في الآلية الرباعية، بمخرجات مؤتمر برلين، مؤكدة أن الهدف النهائي يجب أن يتمثل في إطلاق عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية مستقلة عن طرفي الحرب والجماعات المتطرفة، بما يعكس تطلعات الشعب السوداني.

من جانبه، دعا الاتحاد الأوروبي إلى وقف جميع أشكال التدخل الخارجي ومنع تدفق الأسلحة والدعم العسكري الذي يسهم في إطالة أمد النزاع، مطالباً بمحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، وتعزيز عمل بعثة تقصي الحقائق والمحكمة الجنائية الدولية.

كما انضمت دول عدة، بينها ألمانيا وكندا وبلجيكا وسويسرا والنمسا وكوريا، إلى الدعوات المطالبة بمساءلة جميع الأطراف المتورطة في الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب.

مشروع قرار بريطاني

ونظر مجلس حقوق الإنسان، الذي يضم 47 دولة عضواً، في مشروع قرار تقدمت به المملكة المتحدة بدعم من ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج، يركز على التدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية بمدينة الأبيض ومحيطها.

ويدين المشروع تصاعد الهجمات على المناطق المدنية، ولا سيما تلك التي تنسب إلى قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها، كما يدعو إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف فوري لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتعزيز حماية المدنيين، وإدانة جميع أشكال التدخل الخارجي التي تؤدي إلى استمرار الحرب.

ويؤكد مشروع القرار أهمية ضمان المساءلة عن الانتهاكات، ويرحب بدور المحكمة الجنائية الدولية، كما يطلب من بعثة تقصي الحقائق إجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات المزعومة بمدينة الأبيض، إلى جانب تقديم المفوضية السامية لحقوق الإنسان إحاطة شفوية خلال الدورة الثالثة والستين للمجلس بشأن تطورات الأوضاع.

وتعكس المناقشات التي شهدتها الجلسة، إلى جانب مشروع القرار البريطاني، اتجاهاً متزايداً داخل مجلس حقوق الإنسان نحو تشديد الضغوط الدولية على أطراف النزاع، مع التركيز على حماية المدنيين، وتعزيز آليات المساءلة الدولية، ودعم مسار سياسي بقيادة مدنية يضع حداً للحرب المستمرة في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى