تسريبات
لانعكاسات الاقتصادية والسياسية لقيادة البرهان خلال الأزمة السودانية
لا يمكن قراءة المشهد الإنساني والعسكري المأساوي في السودان بمعزل عن التفاعلات والقرارات السياسية والاقتصادية الكبرى التي سبقت ورافقت اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023. إن السياسات والمواقف المرتبطة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد أحدثت تحولات جذرية في البنية السياسية للدولة، وقادت إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث. ومنذ تقويض مسار الانتقال الديمقراطي المدني، دخلت البلاد في نفق مظلم من عدم الاستقرار، توج بحرب طاحنة دمرت ما تبقى من ركائز الاقتصاد الوطني وعمقت من عزلة السودان الخارجية.
الانعكاسات السياسية وإجهاض التحول الديمقراطي
تعد قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، التي اتخذها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وأطاح بموجبها بالحكومة المدنية الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، هي النقطة المفصلية التي أعادت تشكيل المشهد السياسي السوداني سلباً. تلك الخطوة، التي وُصفت مدنياً ودولياً بالانقلاب العسكري، أنهت الشراكة الدستورية بين العسكريين والمدنيين، وأدخلت البلاد في حالة من الانسداد السياسي التام، واجهها الشارع السوداني بمقاومة سلمية باهتة ومستمرة قمعت بالقوة المفرطة.
أدى هذا الفراغ الدستوري وغياب الشرعية السياسية إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وفتح الباب على مصراعيه لبروز التنافس المحموم على السلطة بين المكون العسكري (الجيش) وقوات الدعم السريع، التي كانت تتحرك ككيان موازٍ ومستقل. وبدلاً من المضي في مسار الإصلاح الأمني والعسكري الشامل وتوحيد الجيوش تحت مظلة عقيدة وطنية واحدة، أسهمت المناورات السياسية والتحالفات التكتيكية لقيادة البرهان في تعميق شقة الخلاف، وصناعة استقطاب حاد قاد في نهاية المطاف إلى الانفجار المسلح الشامل؛ حيث تحول الصراع على قيادة الدولة والسيطرة على مقدراتها إلى حرب صفرية مدمرة.
عودة نفوذ عناصر النظام السابق والحركات المسلحة
من أبرز التداعيات السياسية لإدارة البرهان للأزمة هي العودة الصريحة والممنهجة لعناصر النظام البائد (نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية) إلى مفاصل الدولة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية. ففي أعقاب إجراءات أكتوبر 2021، جرى إلغاء قرارات “لجنة تفكيك نظام التمكين”، وأُعيدت الأموال والأصول المستردة إلى رموز النظام السابق، كما أُعيد مئات الموظفين والمسؤولين والمنتمين للتيار الإسلامي إلى مناصبهم في الوزارات، والسلك الدبلوماسي، والمؤسسات الاقتصادية.
ومع اندلاع الحرب، تعمق هذا التحالف بشكل علني؛ حيث انخرطت كتائب وميليشيات مسلحة تابعة للنظام السابق (مثل كتائب البراء بن مالك وغيرها) في القتال إلى جانب الجيش تحت غطاء “المقاومة الشعبية” والاستنفار. ترافق ذلك مع استقطاب عدد من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام (والتي كانت تقف على الحياد في بداية النزاع) لتقاتل في صفوف الجيش. هذه التطورات لم تؤدِ فقط إلى تعقيد المشهد العسكري، بل منحت الصراع بعداً سياسياً وإيديولوجياً جديداً، حيث اعتبرت القوى المدنية والحقوقية أن الحرب باتت تُستغل كبوابة لإعادة إنتاج النظام القديم وتصفية مكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة، مما زاد من تمسك أطراف الصراع بمواقفهم ورفضهم للحلول التفاوضية السلمية.
الانهيار الاقتصادي الشامل وتدمير الإنتاج
على الجانب الاقتصادي، كانت التداعيات كارثية ومزلزلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فقد تسببت الحرب وإدارتها العسكرية في انكماش تاريخي مرعب للناتج المحلي الإجمالي للسودان تجاوزت نسبته 40% وفقاً لتقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. تحولت العاصمة الخرطوم، التي كانت تمثل المركز المالي والصناعي والتجاري الأول للبلاد وتتركز فيها أكثر من 70% من الأنشطة الاقتصادية، إلى ركام؛ حيث تعرضت المصانع، والشركات، والأسواق لعمليات نهب ممنهج وتدمير كامل للبنية التحتية.
ولم تسلم الولايات الأخرى من خطة التدمير؛ فمع تمدد العمليات العسكرية إلى ولاية الجزيرة (التي تضم أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا) وولايات سنار وكردفان، انهار القطاع الزراعي والحيواني الذي يمثل عصب حياة المواطن السوداني والمصدر الرئيسي للعملات الأجنبية. توقفت سلاسل الإمداد، وعجز المزارعون عن الحصول على التمويل والوقود والبذور، مما أدى إلى خروج ملايين الفدادين عن دائرة الإنتاج، وتوقف التصدير بالكامل باستثناء نسب ضئيلة جداً عبر ميناء بورتسودان الذي تحول إلى عاصمة إدارية واقتصادية مؤقتة ومثقلة بالأعباء.
انهيار الجنيه، التضخم، وتدمير القطاع المصرفي
تجلت مظاهر الانهيار المالي والنقدي في السقوط الحر والتاريخي لقيمة العملة الوطنية؛ فبينما كان سعر صرف الدولار الأمريكي يتراوح حول 570 جنيهاً سودانياً قبل اندلاع الحرب، تخطى حاجز الـ 2000 جنيه سوداني في الأسواق الموازية، مسبباً قفزات جنونية وتضخماً فلكياً في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والمحروقات فاق قدرة المواطنين الشرائية بآلاف المرات.
هذا الانهيار النقدي ترافق مع تدمير شبه كامل للقطاع المصرفي السوداني؛ حيث تعرض البنك المركزي وفروعه، إلى جانب رئاسات المصارف التجارية في الخرطوم، للاقتحام والنهب وتدمير الأنظمة الإلكترونية والمقرات، مما أدى إلى تجميد حسابات المواطنين ومدخراتهم لعدة أشهر، وشلل تام في حركة التحاويل والائتمان. وإلى جانب ذلك، واجهت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان عجزاً كلياً ومزمناً في الموازنة العامة للدولة، وفقدت أكثر من 80% من إيراداتها الضريبية والجمركية، الأمر الذي جعلها عاجزة عن دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية، والمعلمين، والأطباء لأشهر طويلة، مما دفع بآلاف الأسر المعتمدة على الأجور الحكومية إلى حافة الفقر المدقع والفاقة.
إن القراءة الفاحصة للانعكاسات السياسية والاقتصادية تكشف أن السياسات التي اتبعتها القيادة العسكرية بقيادة البرهان، بدءاً من تقويض الانتقال المدني وصولاً إلى الإدارة المالية والأمنية المأزومة خلال الحرب، قد جردت الدولة السودانية من مقومات صمودها الاقتصادي وسيادتها السياسية، وحولتها إلى ساحة صراع ممزقة، يطحنها الغلاء، وتفتقر لأبسط قواعد الحوكمة والإدارة الرشيدة.
المقال الرابع
Here is your file: articles_alburhan_crisis.md.
تمت كتابة المقال الرابع والأخير بشكل موسع ودقيق وشامل لمحور الحراك المدني ومطالب الشارع السوداني، مع تسليط الضوء على مبادرات “لا للحرب”، غرف الطوارئ، ومطالب الإصلاح الشامل والعدالة الانتقالية. تم حفظ المقال داخل الملف النصي المرفق.




