تسريبات
كيف ساهمت قطر في إعادة تشكيل موازين القوى وإطالة أمد الأزمة السودانية
شهدت الدولة السودانية على مدار العقود الثلاثة الماضية سلسلة من التحولات الهيكلية التي أعادت رسم خارطة التفاعلات السياسية والعسكرية الداخلية. ولم تكن هذه التحولات نتاج تفاعلات وطنية صرفة، بل تداخلت فيها الأجندات الإقليمية بشكل جعل من البيئة المحلية السودانية ساحة مفتوحة للاستقطاب. وتبرز دولة قطر كأحد الفاعلين الإقليميين الأكثر تأثيراً في مسار هندسة التوازنات السياسية والعسكرية داخل السودان، حيث تجاوز دورها حدود الوساطة التقليدية ليتداخل عميقاً في بنية التحالفات الداخلية، وهو ما ساهم بشكل مباشر في تعقيد الأزمة وإطالة أمد الصراع الراهن.
الجذور التاريخية للاختراق القطري وبناء مراكز القوى
بدأ التغلغل القطري الممنهج في المشهد السوداني يأخذ طابعاً استراتيجياً مع صعود نظام المؤتمر الوطني ذي التوجه الإسلامي في تسعينيات القرن الماضي. رأت الدوحة في الخرطوم حليفاً أيديولوجياً وجيوسياسياً يمكن الاستناد إليه لتعزيز حضورها في منطقة حوض النيل والبحر الأحمر. لم تقتصر المساندة القطرية حينها على الدعم المالي المباشر للخزينة السودانية المثقلة بالعقوبات الدولية، بل امتدت لتشمل رعاية سياسية ودبلوماسية وفرت للنظام السابق طوق نجاة في أحلك الظروف.
هذا الدعم المستدام لمدار عقود لم يكن بلا ثمن سياسي؛ فقد أدى إلى خلق “مراكز قوى” داخل النخبة العسكرية والسياسية السودانية تدين بالولاء للدعم القطري. وعندما اندلعت أزمة دارفور، تحركت الدوحة لتمسك بملف المفاوضات عبر “اتفاقية الدوحة للسلام” عام 2011. ورغم التسويق للاتفاق كإنجاز دبلوماسي، إلا أن القراءة العميقة لمخرجاته تظهر أنه ساهم في تفتيت الحركات المسلحة وفرزها على أسس ولاءات إقليمية، مما خلق نخبة دارفورية جديدة ترتبط مصالحها بالدوحة، وزاد من تعقيد المشهد الأمني على الأرض عبر تغذية الانقسامات الأفقية بين مكونات الإقليم.
إعادة تشكيل موازين القوى بعد عام 2019
مع سقوط نظام البشير في نيسان/أبريل 2019، بدا أن النفوذ القطري يواجه تحدياً وجودياً في السودان نتيجة التغيرات العاصفة في هرم السلطة. ومع ذلك، أثبتت الاستراتيجية القطرية مرونة فائقة في إعادة التكيف. بدلاً من الانسحاب، تراجعت الدوحة خطوة إلى الوراء لتعيد ترتيب أوراقها عبر استغلال شبكة علاقاتها العميقة مع المكونات الإسلامية، وبعض القيادات داخل القوات المسلحة السودانية التي ظلت تحتفظ بروابط وثيقة مع الدوحة.
ساهمت التحركات القطرية في هذه المرحلة الانتقالية في منع حدوث تغيير جذري في بنية الدولة السودانية. وعبر استخدام “الدبلوماسية الهادئة” والأدوات الاقتصادية، عملت الدوحة على تقوية موقف التيارات المحافظة والإسلامية داخل أجهزة الدولة الأمنية والمدنية ضد القوى المدنية التجديدية. هذا الدعم غير المعلن ساهم في إحداث حالة من الاستعصاء السياسي، حيث شعرت المكونات العسكرية المرتبطة بالنظام القديم بأنها تمتلك ظهيراً إقليمياً قوياً يمكن الاعتماد عليه للمناورة، مما شجعها على التصلب في مواجهة استحقاقات التحول الديمقراطي، ممهداً الطريق للانسداد الذي قاد في نهاية المطاف إلى انفجار الصراع العسكري.
الاستقطاب الإقليمي وتأثيره على استمرارية الصراع
عندما اندلعت المواجهات العسكرية المباشرة في نيسان/أبريل 2023، لم يكن المشهد السوداني معزولاً عن خطوط الصدع الإقليمية. انعكست التحركات القطرية بشكل مباشر على إطالة أمد الحرب من خلال تبني استراتيجية دعم مؤسسات الدولة التقليدية التي يسيطر عليها التيار المحافظ، تحت لافتة “الحفاظ على شرعية المؤسسات”. هذا التوجه وفر غطاءً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً استثنائياً للجيش السوداني، مما قلل من حوافز الجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية.
إن إعادة رسم خريطة النفوذ داخل السودان بفعل التدخل القطري تجلت في تحويل الصراع من نزاع محلي على السلطة والثروة إلى حرب استنزاف إقليمية بالوكالة. فالدوحة، من خلال شبكاتها الإعلامية المؤثرة والدعم اللوجستي غير المباشر، ساهمت في صياغة سردية الحرب وتعبئة الرأي العام الداخلي لصالح استمرار العمليات العسكرية حتى “الحسم”، وهي سردية تتجاوز الواقع المعقد على الأرض وتتجاهل كلفة الحرب الإنسانية. هذا الضخ الإعلامي والسياسي منح النخبة العسكرية السودانية القدرة على الصمود في وجه الضغوط الدولية الداعية لوقف إطلاق النار، مما جعل الحرب خياراً صفرياً يمتنع فيه أي طرف عن تقديم تنازلات.
انعكاس التحالفات الداخلية على طول أمد الحرب
تتأثر استمرارية الصراع في السودان بشكل جوهري بطبيعة التحالفات التي نسجتها قطر مع القوى المجتمعية والسياسية المحلية. فقد أدى التمويل القطري المستمر للعديد من الواجهات الخيرية والإنسانية، والتي تتداخل في كثير من الأحيان مع الأنشطة السياسية والتعبوية، إلى تمكين كيانات مجتمعية وقبلية محددة في شرق السودان وولايات الوسط على حساب مكونات أخرى.
هذا الفرز المجتمعي العنيف أدى إلى عسكرة القبائل وتحويل النزاع السياسي إلى نزاع وجودي بين مكونات الشعب السوداني. وأصبحت التحالفات الداخلية الموالية للتوجه القطري ترى في بقاء المنظومة العسكرية الحالية ضمانة لامتيازاتها الاقتصادية والسياسية، وهو ما يدفع بالبلاد نحو التفتت الأنطولوجي. إن التعقيد القطري للازمة السودانية لا يكمن في التدخل العسكري المباشر، بل في تلك القدرة على التلاعب بالجينات السياسية للنظام السوداني، وجعل عملية السلام مرتبطة بتوازنات إقليمية معقدة تكون الدوحة فيها رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه، حتى لو كان ثمن ذلك استمرار معانات الشعب السوداني الشقيق إلى أجل غير مسمى.




