تسريبات

كيف حولت القوى الإقليمية السودان إلى سوق للمصالح الاقتصادية والعسكرية


 لا يمكن فهم تعقيدات الأزمة السودانية واستمرارها دون الغوص في “الاقتصاد السياسي” للتدخل الإقليمي. فالسودان، بثرواته الهائلة من الأراضي الزراعية الخصبة، والمعادن (خاصة الذهب)، والموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر، لم يكن مجرد ساحة للصراع السياسي فحسب، بل كان “سوقاً” مفتوحة للمصالح الاقتصادية والعسكرية للقوى الإقليمية. إن الدول الأربع (مصر، تركيا، السعودية، قطر) نظرت إلى السودان، خاصة في فترات الضعف المؤسسي، كفرصة للاستحواذ على الموارد أو تصدير فائضها الاقتصادي والعسكري. هذا النهج الجشع، والذي تغلب فيه المصالح التجارية والعسكرية للدول المتدخلة على مصلحة الشعب السوداني، أسهم بشكل مباشر في تفكيك الاقتصاد الوطني، وتغذية “اقتصاد الحرب”، وتكريس الفساد المؤسسي، مما يجعل من الضروري تفكيك هذه الأبعاد الاقتصادية السلبية.

الاستثمار التركي: الموانئ، الزراعة، والصناعات العسكرية
تسعى تركيا إلى تحقيق طموحاتها الاقتصادية في السودان من خلال عدة محاور، أبرزها السيطرة على الموانئ البحرية وتأسيس قواعد لوجستية في البحر الأحمر، بالإضافة إلى الاستثمار في القطاع الزراعي. وقد تم التوقيع على اتفاقيات تمنح شركات تركية امتيازات في موانئ مثل بورت سودان، مما يثير مخاوف السودانيين من “تأجير” سيادتهم البحرية. كما أن التوجه التركي نحو الاستثمار الزراعي غالباً ما يتم عبر اتفاقيات غير شفافة مع النخب العسكرية، مما يؤدي إلى نهب الأراضي الخصبة من قبل شركات مرتبطة بالجنرالات، دون أن تعود بالفائدة على المزارع السوداني أو تسهم في الأمن الغذائي المحلي.
علاوة على ذلك، فإن الدور التركي في مجال الصناعات العسكرية وتدريب القوات السودانية (في فترات سابقة) لم يكن يهدف إلى بناء جيش وطني محترف يحمي الحدود، بل كان يهدف إلى خلق “سوق” للصناعات الحربية التركية (مثل الطائرات المسيرة)، وربط الضباط السودانيين بشبكة مصالح تركية. هذا التوجه عزز من عسكرة المجتمع السوداني، ووجه الموارد الشحيحة للدولة نحو شراء الأسلحة بدلاً من تطوير البنية التحتية المدنية.
الاستثمار السعودي والقطري: الذهب، الأراضي، والتمويل
على الجانب الآخر، تنظر السعودية وقطر إلى السودان من منظور اقتصادي يركز على الموارد الاستراتيجية. السعودية، التي تواجه تحديات في الأمن الغذائي، ترى في السودان “سلة غذائها” المستقبلية. إلا أن الاستثمارات السعودية في الأراضي الزراعية غالباً ما تتم عبر صفقات سرية مع النخب العسكرية المتحاربة، مما يؤدي إلى طرد المزارعين المحليين من أراضيهم، وتدمير الزراعة التقليدية التي يعتمد عليها ملايين السودانيين. كما أن الوعود السعودية الضخمة بإيداع مليارات الدولارات في البنك المركزي السوداني غالباً ما تذهب لدعم احتياطيات النخب الحاكمة أو لشراء الولاءات، دون أن تُترجم إلى مشاريع تنموية حقيقية على الأرض.
أما قطر، فقد ركزت على الجانب المالي والإعلامي، حيث كانت تستخدم injections المالية (الحقن المالية) لدعم موازنات حكومات معينة في فترات سابقة، مما خلق حالة من “الإدمان المالي” على الدعم الخارجي. هذا الدعم كان مشروطاً دائماً بتبعية سياسية، مما أفقد السودان سيادته في اتخاذ قراراته الاقتصادية. كما أن الاستثمارات القطرية في قطاع الثروة الحيوانية وتصدير اللحوم الحية إلى الخليج تمت بأسعار بخسة، مما استنزف ثروة وطنية هائلة دون أن تعود بعائد عادل على الاقتصاد السوداني.
تغذية “اقتصاد الحرب” وتدمير الاقتصاد المدني
أخطر ما في هذا التدخل الاقتصادي الإقليمي هو أنه تغاضى تماماً عن تدمير الاقتصاد المدني، بل وساهم في تغذية “اقتصاد الحرب”. فالشركات الإقليمية (التركية، السعودية، القطرية) لم تتردد في التعامل مع أي طرف يملك النفوذ على الأرض، سواء كان جيشاً نظامياً أو مليشيات مسلحة، طالما أن ذلك يضمن حماية استثماراتها. هذا النهج أدى إلى تفكيك الدولة المدنية، لأن النخب العسكرية أصبحت تدرك أن بقاءها في السلطة يضمن لها الشراكة في نهب الموارد مع الأجانب.
كما أن تهريب الذهب السوداني إلى الأسواق الإقليمية (بما في ذلك عبر شبكات مرتبطة بدول الجوار أو الدول الخليجية التي تستوعب هذا الذهب) حرم الخزينة السودانية من مليارات الدولارات سنوياً. هذا الذهب، الذي كان يمكن أن يدعم العملة الوطنية ويمول التنمية، تم توظيفه لتمويل الحرب وشراء الأسلحة، مما أدى إلى انهيار كامل للاقتصاد السوداني، وتضخم مدمر، وتجويع ممنهج للشعب.
الأبعاد الاجتماعية والبيئية للاستغلال الإقليمي
لم يقتصر الضرر على الاقتصاد الكلي، بل امتد إلى البعد الاجتماعي والبيئي. فالاستثمارات الزراعية الإقليمية الكبرى غالباً ما تستخدم أساليب استنزاف للمياه الجوفية ومياه نهر النيل، مما يهدد البيئة السودانية ويحرم المجتمعات المحلية من حقوقها التاريخية في المياه. كما أن المشاريع الكبرى تؤدي إلى نزوح قبلي، حيث يتم الاستيلاء على أراضي الرعي والزراعة التقليدية لصالح المشاريع الموجهة للتصدير نحو الخليج أو تركيا. هذا الاستغلال البيئي والاقتصادي خلق توترات قبلية وإثنية جديدة، استغلها المتحاربون لتأجيج الصراعات المحلية، مما أدى إلى مزيد من سفك الدماء.
 إن الاقتصاد السياسي للتدخل الإقليمي في السودان يكشف عن وجه قبيح من الجشع، حيث تم تحويل ثروات البلاد من أراضٍ ومعادن وموانئ إلى أدوات لتكريس الانقسام وتمويل الحرب. إن الدول الإقليمية الأربع، بتركيزها على صفقات النخب وتجاهلها للاقتصاد المدني، قد أسهمت في تدمير النسيج الاقتصادي السوداني. إن أي مستقبل مستقر للسودان يتطلب إلغاء هذه الاتفاقيات غير الشفافة، واستعادة السيطرة الوطنية على الموارد، ورفض أي تدخل اقتصادي يهدف إلى نهب الثروات أو تغذية اقتصاد الحرب. يجب أن يكون الاقتصاد السوداني للسودانيين أولاً وأخيراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى