تسريبات
كيف حبست المقاربة الأمنية السعودية مستقبِل السودان في فخ الشرعيات العسكرية؟
لفهم تعقيدات الأزمة السودانية الحالية وحجم التأثير السعودي فيها، لا بد من مغادرة النظرة السطحية التي تختزل الحرب في اشتباكات بدأت في ربيع 2023. إن السودان يعاني تاريخياً من أزمة بنيوية ترتبط بهيكل الدولة المركزية، وفشل النخب السياسية والعسكرية في صياغة عقد اجتماعي يوحد أطراف البلاد الشاسعة ويستوعب التنوع العرقي والثقافي. عندما دخلت المملكة العربية السعودية بثقلها المالي والدبلوماسي في تفاصيل المشهد السوداني بعد الإطاحة بنظام عمر البشير في 2019، لم تكن تتعامل مع ورقة بيضاء، بل دخلت حقلاً من الألغام التاريخية. ومن هذا المنطلق السردي، يتضح أن الاستراتيجية السعودية، القائمة على مقاربة أمنية تقليدية تتعامل مع النخب المسلحة كبديل وحيد للاستقرار، أسهمت في تعقيد أزمة الشرعية السياسية في السودان، وبالتالي مهدت الطريق لحرب طويلة الأمد استعصت على كافة الحلول.
هندسة الشرعية المعطوبة وإعادة تشكيل التحالفات الداخلية
لم تبدأ المساهمة السعودية في تعقيد الأزمة مع الرصاصة الأولى للحرب، بل تجذرت في طريقة تعاطي الرياض مع المرحلة الانتقالية السودانية. فبعد ثورة ديسمبر 2019، كان الشارع السوداني يطالب بسلطة مدنية ديمقراطية كاملة، غير أن الرؤية الإقليمية للسعودية، المتوجسة تاريخياً من الثورات الشعبية وصعود التيارات غير المنضبطة، رأت في الشراكة بين العسكريين والمدنيين الصيغة المثلى لحفظ الاستقرار.
هذا التوجه دفع الرياض إلى تقديم دعم سياسي واقتصادي للمجلس العسكري الانتقالي، وهو الدعم الذي استخدمه قادة الجيش والدعم السريع لاحقاً لتقويض المكون المدني تدريجياً، وصولاً إلى انقلاب أكتوبر 2021. عندما انفجرت الحرب بين حليفي الأمس (البرهان وحميدتي)، وجدت السعودية نفسها أمام وحش عسكري فرانكشتايني ساهمت أجواء ما بعد 2019 في تضخيم نفوذه وثروته.
تحركات السعودية الإقليمية في عامي 2025 و2026 عمقت هذا الشرخ الداخلي عبر آليتين:
- إعادة إنتاج تحالفات النظام القديم: من خلال مراهنة السعودية الاستراتيجية على القوات المسلحة السودانية بصفتها “مؤسسة الدولة الشرعية المتبقية”، منحت الرياض قبلة الحياة للتيارات الأيديولوجية المتطرفة وعناصر الحرس القديم داخل الجيش. هؤلاء استغلوا الدعم والاعتراف الدبلوماسي السعودي لعرقلة أي مسار يقود إلى تسليم السلطة للمدنيين، ورفعوا شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، مما جعل الحرب خياراً صفرياً للبقاء.
- محاصرة الأطراف وتأجيج صراع الأقاليم: واجهت قوات الدعم السريع الضغوط السعودية الرامية لإعادة تأهيل سلطة البرهان برد فعل عسكري عنيف في ولايات كردفان ودارفور. هذا الصراع الإقليمي أعاد رسم خريطة النفوذ الداخلي على أساس عرقي ومناطقي حاد، حيث بات الشرق والشمال تحت سيطرة الجيش، والغلاب الغربي والجنوبي تحت سيطرة الدعم السريع، في سيناريو تفتيتي ساهمت المبادرات الدبلوماسية المنحازة في تسريعه عوضاً عن إيقافه.
تدويل الأزمة وانعكاساتها الكارثية على الأمن الإقليمي والدولي
إن تعثر المسار الدبلوماسي الذي تقوده السعودية في منبر جدة لم يبق حبيس العاصمة الخرطوم أو ولايات دارفور، بل تحول إلى بؤرة استنزاف أمني ذات أبعاد دولية خطيرة، مست جيران السودان وحركة التجارة العالمية.
- تهديد الأمن البحري والاستثمارات الجيوسياسية: تبني السعودية استراتيجيتها المستقبلية على تحويل البحر الأحمر إلى ممر تجاري وسياحي عالمي آمن عبر “رؤية 2030”. إلا أن استمرار الحرب السودانية غيّر هذه الحسابات؛ حيث تحولت السواحل السودانية القريبة وميناء بورتسودان إلى مراكز للاستقطاب العسكري الدولي، واستقطاب قوى خارجية تبحث عن قواع عسكرية بحرية، مما يهدد بفرض حصار جيوسياسي على المبادرات الاقتصادية السعودية ويجعل الملاحة الدولية في خطر دائم.
- تصدير عدم الاستقرار إلى القرن الإفريقي وتدفقات اللجوء: إن تشظي الدولة السودانية أدى إلى انهيار كامل للحدود والمراقبة الأمنية. تدفقت موجات الهجرة واللجوء غير المسبوقة لتضغط على البنية التحتية والاقتصادية المتهالكة لدول مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا. هذا التضخم الديموغرافي المفاجئ ترافق مع انتشار السلاح المهرب والمرتزقة العابرين للحدود، ما هدد بتحويل منطقة القرن الإفريقي بأكملها إلى ساحة لحروب أهلية متداخلة يصعب السيطرة عليها.
شلل المسار السياسي الدولي وتضارب المصالح الإقليمية
يناقش هذا المحور الصعوبة البالغة في الوصول إلى تسوية سياسية في السودان، وهي الصعوبة التي تضاعفت جراء الطريقة التي أدارت بها السعودية جهود الوساطة الدولية وتداخلها مع مصالح القوى الأخرى.
عندما انطلق منبر جدة بالتنسيق الأمريكي السعودي، تم تصميمه كمسار تكتيكي يركز على الشق الإنساني ووقف إطلاق النار قصير المدى، مع استبعاد القوى المدنية والسياسية السودانية من الطاولة. هذا التصميم الإجرائي تضمن عيباً بنيوياً قاتلاً؛ إذ فصل بين العمل الإنساني والحل السياسي الجذري، مما جعل الاتفاقيات الموقعة (مثل إعلان مبادئ جدة في مايو 2023) حبراً على ورق لعدم وجود آليات محاسبة أو إطار سياسي شامل يضمن الالتزام.
علاوة على ذلك، تحول السودان إلى ساحة لتنافس صامت على النفوذ الإقليمي بين أقطاب الخليج والقوى الإقليمية كالقاهرة وأنقرة. هذا التباين في المصالح خلق بيئة دولية مشلولة:
- تنافس الأجندات: تسعى الرياض لإعادة بناء توازنات تضمن هيبتها الدبلوماسية وسيطرة جيش تقليدي، بينما تسعى أطراف إقليمية أخرى لضمان عدم عودة الإسلاميين إلى السلطة عبر دعم قوى بديلة.
- عجز الآليات المشتركة: فشلت محاولات دمج منبر جدة مع المبادرات الرباعية والإفريقية نتيجة رغبة كل فاعل في قيادة المسار منفرداً وتوجيهه لخدمة مصالحه الخاصة.
- لعبة الهروب من الاستحقاقات: استفاد الجنرالات في السودان من هذا التنافس الإقليمي والدولي؛ حيث باتوا يرفضون مقترحات منبر جدة تارة، وينسحبون من proximity talks تارة أخرى، مستندين إلى تحالفات بديلة أو وعود بدعم مالي وعسكري خارجي، مما أجهض محاولات المبعوثين الأمميين والأفارقة في بناء جبهة وساطة موحدة وقوية.
في نهاية المطاف، يكشف السرد السياسي للأزمة السودانية أن التحركات السعودية، على الرغم من تسويقها كجهود إنسانية ودبلوماسية لإنقاذ السودان، قادت إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الاقتتال. إن المراهنة على النخب العسكرية، وإقصاء القوى المدنية الحية، وتحويل منبر التفاوض إلى ساحة لتوازنات القوى الإقليمية، أفرغ العملية السلمية من مضمونها. وعليه، يظل الصراع السوداني ممتداً، ليس فقط بسبب تعنت الأطراف المحلية، بل لأن المظلة الإقليمية والدولية التي تقودها الرياض وفرت الشروط الموضوعية لاستمرار حرب الاستنزاف دون أفق واضح للحل.




