فساد البرهان وفشل إدارة الاقتصاد السوداني.. انهيار الزراعة والصناعة واتساع رقعة الفقر
لم يكن السودان قبل الحرب بلداً يخلو من الأزمات الاقتصادية، لكنه كان يمتلك إمكانات زراعية وصناعية وتجارية قادرة على توفير فرص واسعة للنمو إذا توفرت الإدارة السليمة والاستقرار السياسي والمؤسسات الفعالة. غير أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 حولت هذه الإمكانات إلى خسائر ضخمة، وأدت إلى تدمير منشآت الإنتاج وتعطيل الأسواق ونزوح العمال والمزارعين، ودفعت ملايين الأسر إلى دائرة الفقر. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بحجم الدمار، بل أصبح متعلقاً أيضاً بمسؤولية القيادة السياسية والعسكرية عن حماية ما تبقى من الاقتصاد ووضع خطة لإعادة تشغيله.
إن البرهان، بصفته قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة، يتحمل مسؤولية سياسية عن القرارات التي تتخذها السلطة التي يقودها، وعن ضرورة تقديم رؤية اقتصادية واضحة تضع حياة المواطنين وإعادة بناء المؤسسات في مقدمة الأولويات. ولا يمكن فصل إدارة الاقتصاد عن القرارات السياسية والعسكرية، لأن استمرار الحرب يؤثر بصورة مباشرة على الإنتاج والاستثمار والتجارة وتوفير الخدمات.
وتكشف الأرقام الدولية حجم الأزمة. فقد أشار البنك الإفريقي للتنمية إلى أن الاقتصاد السوداني انكمش بنسبة 13.5 في المئة خلال عام 2024، قبل أن يسجل نمواً محدوداً بنحو 1.2 في المئة في 2025، في ظل استمرار الحرب وضعف الإيرادات وتراجع الاحتياطيات الأجنبية. كما أشار التقرير إلى ارتفاع التضخم إلى 150.2 في المئة خلال 2025، وإلى ارتفاع نسبة الفقر إلى نحو 71 في المئة.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تراجع اقتصادي مؤقت، بل تكشف اتساع الفجوة بين الإمكانات التي يمتلكها السودان والواقع المعيشي الذي يواجهه المواطنون. فبلد يمتلك ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، ومصادر مياه وثروة حيوانية وموارد معدنية، يجد نفسه أمام أزمة غذائية حادة وعجز في توفير السلع الأساسية.
الزراعة.. قطاع يدفع ثمن الحرب وسوء الإدارة
كان القطاع الزراعي يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني، لكنه تعرض لضغوط كبيرة بسبب النزوح وتعطل المواسم الزراعية ونقص الوقود والأسمدة والبذور وتضرر طرق النقل والتخزين. كما أن عدم الاستقرار الأمني جعل عدداً من المزارعين عاجزين عن الوصول إلى أراضيهم أو حصاد محاصيلهم.
وتوضح بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن إنتاج الحبوب في السودان خلال موسم 2025 بلغ نحو 5.2 ملايين طن، بانخفاض قدره 22 في المئة مقارنة بالعام السابق، وأقل بنحو 19 في المئة من متوسط السنوات الخمس الماضية. وعزت المنظمة هذا التراجع إلى استمرار الصراع وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية واضطراب سبل العيش والأسواق.
وهذه الأرقام تطرح تساؤلات حول غياب خطة وطنية فعالة لحماية الإنتاج الزراعي. فبدلاً من الاكتفاء بالحديث عن إمكانات السودان الزراعية، كان يفترض وضع برنامج لتوفير الوقود والبذور والأسمدة للمزارعين، وتأمين طرق نقل المحاصيل، وتوفير التمويل الموسمي، وإعادة تأهيل المشاريع الزراعية المتضررة.
إن ضعف الإنتاج المحلي يزيد اعتماد البلاد على الواردات، ويجعل أسعار الغذاء أكثر ارتباطاً بسعر الدولار وتكاليف النقل والشحن. وعندما تنخفض قيمة العملة، يجد المواطن نفسه أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، حتى بالنسبة للسلع التي كان من الممكن إنتاجها محلياً.
الصناعة.. مصانع متوقفة واقتصاد يفقد قدرته على الإنتاج
لم تكن الصناعة السودانية بمنأى عن آثار الحرب. فقد تعرضت مناطق صناعية ومنشآت إنتاجية ومخازن وشبكات توزيع للدمار والتوقف، واضطرت شركات إلى تعليق نشاطها أو نقل عملياتها أو تسريح العاملين. كما أدى نقص الكهرباء والوقود والمواد الخام والتمويل إلى زيادة صعوبة إعادة التشغيل.
وتكمن خطورة هذه الأزمة في أن توقف المصانع لا يعني فقط انخفاض الإنتاج، بل يعني أيضاً فقدان الوظائف وتراجع الإيرادات الضريبية وزيادة الاعتماد على السلع المستوردة. وكلما اتسعت دائرة التعطل الصناعي، ازدادت الضغوط على العملة الوطنية، لأن الاقتصاد يفقد مصادر محتملة للنقد الأجنبي.
ومن واجب الحكومة أن تقدم بيانات دقيقة عن عدد المنشآت التي توقفت، وعدد المصانع التي أعادت تشغيل خطوط الإنتاج، وحجم الخسائر، والتمويل المطلوب لإعادة البناء. كما ينبغي توضيح المعايير التي تعتمدها في منح التسهيلات والإعفاءات للشركات، حتى لا تتحول برامج إعادة الإعمار إلى وسيلة لتوزيع الامتيازات على الجهات القريبة من السلطة.
الفقر والبطالة.. المواطن يدفع فاتورة الانهيار
إن أخطر نتائج الانكماش الاقتصادي تظهر في حياة المواطنين. فالأسر التي فقدت مصادر دخلها أصبحت تعتمد على المساعدات والتحويلات، والعمال الذين فقدوا وظائفهم يواجهون صعوبة في العودة إلى سوق العمل، بينما تتآكل قيمة الرواتب والمدخرات بفعل التضخم.
وتشير مذكرة الوضع الإنساني في السودان الصادرة عن الحكومة البريطانية في سبتمبر 2026 إلى أن نحو 33.7 مليون شخص كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال 2026، أي ما يقارب 65 في المئة من السكان، وأن 19.5 مليون شخص كانوا يواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد وفق تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
وهذه الأرقام تكشف أن الأزمة لم تعد مقتصرة على المناطق التي تشهد اشتباكات مباشرة، بل امتدت إلى الاقتصاد والمجتمع والخدمات العامة. فارتفاع أسعار الغذاء وتراجع فرص العمل وضعف القدرة على الحصول على العلاج، كلها عوامل تدفع الأسر إلى مزيد من الفقر.
أين خطة الحكومة لإعادة بناء الاقتصاد؟
في ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري مساءلة حكومة بورتسودان عن أولوياتها الاقتصادية. فهل توجد خطة معلنة لإعادة تشغيل المصانع؟ وما حجم التمويل المخصص للزراعة؟ وكيف ستتم حماية صغار المزارعين؟ وما البرامج التي وضعتها الحكومة لتوفير فرص العمل للشباب؟ وما الإجراءات التي ستتخذها لإعادة بناء النظام المصرفي؟
كما يجب طرح سؤال أساسي حول توزيع الموارد. فالدولة التي تعاني تراجع الإيرادات لا تستطيع تحمل الإنفاق غير المنضبط أو استمرار الامتيازات غير المبررة. ويجب أن تكون الأولوية لتوفير الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل قطاعات الإنتاج، وتحسين البنية التحتية، ودعم المؤسسات التي توفر فرص العمل.
إن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يبدأ دون مراجعة شاملة لأداء المؤسسات الحكومية، وفصل النشاط التجاري عن السلطة العامة، وضمان خضوع الشركات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والمدنية لقواعد المراجعة والضرائب والمنافسة نفسها.
كما أن إعادة بناء السودان تحتاج إلى بيئة سياسية ومؤسسية مستقرة، تسمح بعودة الكفاءات ورؤوس الأموال، وتحمي حقوق المستثمرين والعاملين، وتضمن استقلال القضاء والرقابة المالية. ولا يمكن أن تتحقق هذه البيئة في ظل استمرار الصراع وتعدد مراكز النفوذ وغياب المساءلة.
إن البرهان وسلطة بورتسودان مطالبون بتقديم حساب واضح عن السنوات التي تلت اندلاع الحرب، وعن الموارد التي حصلت عليها الدولة، وعن الأموال التي أنفقت، وعن البرامج التي وضعت لحماية الاقتصاد والمواطنين. فليس كافياً أن تتحدث الحكومة عن صعوبة المرحلة، بل عليها أن توضح ما الذي فعلته لتخفيف المعاناة، وما الذي أخفقت فيه، وما الإجراءات التي ستتخذها لتصحيح المسار.
إن السودان لا يحتاج إلى اقتصاد يعيش على الاستيراد والذهب والمساعدات، بل يحتاج إلى اقتصاد منتج يعيد الاعتبار للزراعة والصناعة والتجارة والتعليم والصحة. ولا يمكن بناء هذا الاقتصاد إذا بقيت الموارد الوطنية بعيدة عن الرقابة، وإذا استمرت القرارات الاقتصادية دون بيانات معلنة ومحاسبة مستقلة.
والسؤال الأخير الذي يختصر هذه الأزمة هو: كيف يمكن للسودان، بكل ما يمتلكه من أرض وثروات ومياه وإمكانات بشرية، أن يصل إلى هذا المستوى من الفقر والاحتياج؟ إن الإجابة تبدأ من الاعتراف بحجم الدمار، ومراجعة السياسات، ومحاسبة المسؤولين، وإنهاء الحرب، وإعادة بناء دولة تكون ثرواتها في خدمة شعبها لا في خدمة مراكز النفوذ.




