أحداث

خلف كواليس برلين.. قراءة في حسابات القوى السياسية في السودان


يتجه السودان نحو محطة دولية جديدة مع اقتراب انعقاد مؤتمر برلين، غير أن هذا المسار لم يمر بهدوء، إذ فجّر رفض سلطة بورتسودان—المدعومة من التيار الإسلامي المرتبط بالإخوان—جدلًا واسعًا حول خلفيات هذا الموقف، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لوقف الحرب واحتواء الكارثة الإنسانية.

وبحسب ما أوردته “العين الإخبارية”، فإن مؤتمر برلين يأتي ضمن تحرك دولي واسع تقوده أطراف أممية وأوروبية، بهدف تنسيق الجهود الإنسانية ودفع المسار السياسي نحو التهدئة، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع الميدانية، واتساع رقعة النزوح والانهيار الاقتصادي. غير أن غياب تمثيل مباشر لسلطة بورتسودان في ترتيبات المؤتمر كان أحد أبرز أسباب التصعيد، حيث اعتبرته “تجاوزًا للسيادة”.

لكن هذا التفسير، وفق متابعين، لا يعكس الصورة الكاملة، فالموقف الرافض يتجاوز مسألة التمثيل إلى صراع أعمق يتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان. إذ ترى قوى محسوبة على الإخوان أن أي مسار دولي قد يفضي إلى ترتيبات انتقالية جديدة، يمكن أن يُضعف حضورها السياسي، أو يعيد توزيع النفوذ بعيدًا عنها.

هذا القلق يتغذى من طبيعة المؤتمر ذاته، الذي يركز على الأبعاد الإنسانية ويمنح دورًا أكبر للفاعلين الدوليين والمنظمات، بدل الأطراف العسكرية المباشرة، وهو ما يُفهم على أنه محاولة لتقليص تأثير القوى المرتبطة بالحرب، ودفع العملية السياسية خارج حسابات الميدان.

في السياق نفسه، يندرج هذا الرفض ضمن نمط متكرر من التعامل مع المبادرات الدولية، حيث سبق أن تعثرت مسارات تفاوضية عدة، وسط اتهامات لقوى داخلية بعرقلة أي حلول لا تتوافق مع مصالحها. ويشير مراقبون إلى أن استمرار حالة “اللا حسم” يوفر لبعض الأطراف مساحة للحفاظ على نفوذها، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا.

كما تكشف التحركات الدبلوماسية لسلطة بورتسودان—من مذكرات احتجاج إلى اتصالات خارجية—عن محاولة لفرض نفسها كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه، في مقابل مسارات دولية تسعى أحيانًا إلى تجاوز الفاعلين التقليديين، والبحث عن صيغ بديلة لإدارة الأزمة.

في المقابل، ترى أطراف دولية أن مؤتمر برلين يمثل فرصة ضرورية، ليس فقط لحشد التمويل الإنساني، بل لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع حد لحالة الانسداد السياسي، خاصة مع تزايد المخاوف من تحول السودان إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي.

المفارقة أن هذا الصراع لم يعد يدور فقط في ساحات القتال، بل امتد إلى الفضاء الدبلوماسي، حيث تتحول المؤتمرات الدولية إلى أدوات ضغط، أو إلى ساحات تنافس على الشرعية والتمثيل، وهو ما يعكس تعقيد الأزمة السودانية وتشابك أبعادها.

هذا ويبدو أن معركة “برلين” تتجاوز حدود مؤتمر عابر، لتكشف عن صراع عميق بين من يسعى إلى إعادة صياغة المشهد السوداني عبر مسارات دولية، ومن يتمسك بإدارة الأزمة من الداخل وفق توازنات القوة القائمة، وهو صراع مفتوح ستحدد نتائجه شكل المرحلة المقبلة، وربما مصير الدولة السودانية نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى