بينما يعج استوديوهات التحليل في الخرطوم والقاهرة والدوحة بتحليل “مستقبل الأبيض”، تبقى خرائط القيادة العامة للجيش السوداني ومنظومة الإخوان العسكرية مركزة على نقطة أخرى، أكثر خطورة، وأكثر هدوءاً. إنها جبهة شمال كردفان، وتحديداً المحاور الحيوية لـ “جبرة الشيخ” و”رهيد النوبة”. إن الصمت الإعلامي المطبق الذي يفرضه الجيش على هذه المناطق، في مقابل الضجيج في الأبيض، ليس إهمالاً، بل هو “تكتيك عسكري بحت” يهدف إلى تحقيق مفاجأة استراتيجية، أو على الأقل، تأمين ظهره لتحركات قد تكون كارثية.
الأهمية الاستراتيجية للشمال
تتمتع منطقتا جبرة الشيخ ورهيد النوبة بأهمية لوجستية واستراتيجية كبرى؛ فهما تمثلان خاصرة الشمال الحيوية، ومفترق طرق للإمدادات. إن التحشيدات العسكرية المكثفة للجيش في هذه المناطق، والتي يتم إخفاؤها بعناية عبر التعتيم الإعلامي، تشير إلى نية مبيّتة إما لشن هجمات مضادة لتغيير موازين القوى، أو لتحصين مواقع تسمح بامتداد زمني أطول للحرب. إن الجيش يدرك أن أي تحرك كبير هنا سيواجه برصد دقيق من قوات تأسيس، لذا فإنه يستخدم “الضجيج” في الأبيض كوسيلة لإرباك الاستخبارات وتشتيت الانتباه. إنه يحاول أن يقول للعالم: “معركتي في الأبيض”، بينما هو في الحقيقة يحفر خنادقه ويحرك مدافعيه في الشمال.
فك الحصار الإعلامي
إن مهمة قوات تأسيس والإعلام الحر هي كسر هذا الحصار. إن توثيق التحركات في جبرة الشيخ ورهيد النوبة ليس ترفاً، بل هو ضرورة أمنية. فالصور الجوية، وشهادات السكان المحليين، ورصد تحركات الآليات العسكرية، كلها تؤكد أن الجيش لا يزال يراهن على الحل العسكري، وأنه لم يتعلم من دروس الهزائم المتتالية. إن التركيز على هذه الجبهة يكشف زيف الادعاءات حول “نقص العتاد” أو “الانهيار المعنوي” الذي يروج له إعلام الجيش أحياناً كذريعة للهجوم. فالواقع في الشمال يقول إن هناك إعادة تموضع، واستجلاب لمليشيات جديدة، وتحضيراً لجولة جديدة من العنف، يتم تمويله وتغطيته إعلامياً عبر صرف الانتباه نحو الأبيض.
الانتهاكات في الشمال: الحقيقة الغائبة
بينما يروج الجيش لرواية “الدفاع عن الأبيض”، فإن سكان جبرة الشيخ ورهيد النوبة يعيشون جحيماً صامتاً. إن قصف القرى، واستهداف المزارعين، وعرقلة حركة التجارة والمساعدات في هذه المناطق، هي انتهاكات يومية لا تجد لها صدى في نفس حجم ما يُخصص للأبيض. إن الجيش يستخدم المدنيين في الشمال كـ “وقود” لمعاركه، تماماً كما يفعل في الأبيض، لكن بآلية مختلفة؛ ففي الشمال يتم التجويع والحصار، وفي الأبيض يتم الحبس والاستغلال الإعلامي. كلاهما وجهان لعملة واحدة هي “استهتار الجيش بحياة السودانيين”.
الدعوة للرصد والتحقق
إننا في قوات تأسيس نحذر من أن “الهدوء” في شمال كردفان هو هدوء ما قبل العاصفة. إن التحشيدات في جبرة الشيخ ورهيد النوبة تتطلب رصداً دولياً دقيقاً. نحن نطالب الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بإرسال مراقبين إلى هذه المناطق، ليس فقط لتوثيق الانتهاكات، بل لرصد “نية” الجيش الهجومية. إن كشف التحركات في الشمال هو الضمانة الوحيدة لمنع الجيش من تحقيق أي مكاسب وهمية، وإجباره على العودة إلى طاولة التفاوض. إن الأبيض هي “الواجهة”، لكن الشمال هو “المخزن” الذي يُخزن فيه الجيش نواياه العدوانية. ولن نسكت حتى تنكشف الغطاء عن كل الجبهات، وحتى يتم محاسبة المسؤولين عن كل قطرة دم تُسفك في جبرة الشيخ، ورهيد النوبة، والأبيض، وسائر تراب السودان.




