تسريبات

بين الإغاثة واللوجستيات العسكرية.. أسئلة الرقابة على الشحنات العابرة إلى السودان


في الحروب الممتدة، لا تقتصر الأسئلة المتعلقة بالإمدادات على مصدر الأسلحة أو مسارات وصولها، بل تشمل أيضاً طبيعة الشحنات التي تعبر الحدود، والجهات التي تتولى نقلها، والآليات المستخدمة للتحقق من وجهتها النهائية. وتزداد حساسية هذه المسألة في السودان، حيث تتداخل الأزمة الإنسانية مع استمرار العمليات العسكرية، وتتزايد الاحتياجات إلى الغذاء والدواء والوقود والمعدات الأساسية، بالتزامن مع تقارير عن حركة جوية ولوجستية إقليمية يجري فحص صلتها بدعم الأطراف المتحاربة.

ولا يعني هذا التداخل أن المساعدات الإنسانية تمثل غطاءً للإمداد العسكري بصورة عامة، أو أن الشحنات التي توصف بأنها إغاثية تحمل بالضرورة معدات قتالية. فالمساعدات الإنسانية نشاط ضروري لحماية المدنيين، وتخضع عملياتها المشروعة لمبادئ الحياد والاستقلال وعدم التمييز. لكن وجود شبكة نقل تجارية واسعة، تعمل عبر مطارات وموانئ وشركات وسيطة، يفرض أسئلة تتعلق بالشفافية وإمكانية التحقق من طبيعة الشحنات، خصوصاً عندما تعمل هذه الشبكات في بيئة تتسم بضعف الرقابة وصعوبة الوصول إلى المعلومات.

الحاجة الإنسانية لا تتوقف عند حدود الحرب

أدى استمرار القتال في السودان إلى تدهور واسع في الأوضاع المعيشية، وتعطلت خدمات أساسية في مناطق عديدة، فيما واجهت المنظمات الإنسانية صعوبات في الوصول إلى السكان وتوفير الإمدادات. وفي مثل هذه الظروف، يصبح النقل الجوي والبحري والبري ضرورة لتأمين المساعدات، سواء عبر إدخال الغذاء والدواء أو نقل العاملين والمعدات التي تحتاج إليها العمليات الإغاثية.

وتوضح وثائق مجموعة الخدمات اللوجستية المعنية بالاستجابة الإنسانية في السودان أن بورتسودان يمثل نقطة مهمة لدخول الرحلات الإنسانية والتجارية، وأن برنامج الخدمات الجوية الإنسانية التابع للأمم المتحدة يشغّل رحلات تربط المدينة بمراكز إقليمية، إلى جانب رحلات داخل السودان وفق الظروف الأمنية والتصاريح المتاحة. كما تشير الوثائق إلى أن الوصول الجوي إلى مناطق أخرى يظل مرتبطاً بالوضع الأمني وإمكانية الحصول على الموافقات اللازمة. <Cite refs={[“turn815251search2”]}/>

وتؤكد هذه المعطيات أن حركة الطيران المتجهة إلى السودان لا يمكن تصنيفها كلها ضمن النشاط العسكري، وأن المطار الواحد قد يستقبل أنواعاً مختلفة من الرحلات والشحنات. فوجود طائرات شحن في بورتسودان لا يثبت أن حمولاتها عسكرية، كما أن استخدام شركات النقل التجارية لا يعني تلقائياً وجود محاولة لإخفاء طبيعة الشحنات.

لكن هذا التداخل نفسه يجعل التحقق أمراً ضرورياً. فكلما ازدادت صعوبة الوصول إلى بيانات الشحن، وأصبح من المتعذر تحديد الجهة المستفيدة من البضائع، ازدادت أهمية وجود إجراءات رقابية تضمن عدم تحويل البنية اللوجستية المدنية إلى قناة غير معلنة لنقل المعدات العسكرية المحظورة أو غير المصرح بها.

ماذا تعني عبارة «الغطاء الإنساني»؟

تتطلب عبارة «الغطاء الإنساني» دقة خاصة في الاستخدام الصحفي، لأنها تنطوي على اتهام ضمني بأن جهة ما تستغل النشاط الإغاثي لإخفاء غرض آخر. ولا يكفي لإثبات ذلك أن تصل شحنة إلى مطار يستخدم في الوقت نفسه للرحلات الإنسانية والتجارية والعسكرية، أو أن تعمل شركة في مجال الخدمات اللوجستية لصالح أكثر من عميل.

إن إثبات استخدام المساعدات غطاءً لنقل معدات عسكرية يحتاج إلى تحديد الشحنة محل الاشتباه، والوثائق التي رافقتها، والجهة التي أعلنت طبيعتها، والمعلومات التي تكشف محتوياتها الفعلية، ثم مقارنة هذه البيانات بأدلة مستقلة. وقد تشمل الأدلة سجلات الشحن أو العقود أو نتائج التفتيش أو شهادات قابلة للتحقق، مع مراعاة سلامة المصادر وعدم تعريض العاملين الإنسانيين للخطر.

ومن الضروري أيضاً التمييز بين البضائع ذات الاستخدام المزدوج، التي يمكن أن تكون مدنية أو عسكرية بحسب طريقة استخدامها، وبين الأسلحة والذخائر التي تتطلب ضوابط مختلفة. فالمعدات التقنية وقطع الغيار ووسائل الاتصال قد تدخل ضمن الاستخدامات المدنية المشروعة، لكنها قد تؤدي وظائف عسكرية في ظروف أخرى. ولا يمكن تحديد طبيعتها القانونية أو التشغيلية من وصف عام مثل «معدات» أو «إمدادات» وحده.

وبالتالي، فإن التحقيق المهني لا يبدأ من افتراض وجود غطاء إنساني، بل من سؤال قابل للاختبار: هل توجد أدلة تثبت أن شحنة معلنة لغرض مدني احتوت على مواد مختلفة، أو أن الجهة التي تسلمتها استخدمتها في نشاط آخر؟ وإذا لم تتوافر هذه الأدلة، فينبغي إبقاء المسألة في نطاق الاشتباه أو الفرضية البحثية.

شركات النقل والوسطاء.. أين تنتهي المسؤولية؟

تعتمد عمليات الشحن الدولية على سلسلة من الأطراف، قد تشمل الشركة المالكة للطائرة، والمشغل، والوسيط التجاري، والجهة التي حجزت الشحنة، والمطار الذي استقبلها، والجهة النهائية التي تسلمتها. وقد تتوزع هذه الأدوار بين شركات تعمل في دول مختلفة، وهو ما يجعل تحديد المسؤولية أكثر تعقيداً عندما تكون المعلومات المتاحة ناقصة.

ولهذا، لا يكفي معرفة جنسية الطائرة أو الشركة المشغلة لإثبات مسؤولية دولة بأكملها عن شحنة معينة. كما أن تسجيل طائرة في دولة ما لا يعني بالضرورة أن الحكومة المعنية أمرت بالرحلة أو كانت على علم بحمولتها. وفي المقابل، فإن تكرار الرحلات، أو استخدام منشآت حكومية، أو ظهور وثائق تربط الجهات الرسمية بعملية نقل محددة، يمكن أن يفتح مجالاً لمساءلة أكثر تحديداً إذا توافرت أدلة كافية.

وتتطلب هذه المسألة نشر معلومات دقيقة عن هوية الأطراف، والعقود ذات الصلة، وطبيعة البضائع، والتصاريح المستخدمة، مع إتاحة فرصة الرد للجهات التي توجه إليها الاتهامات. فالشفافية ليست إجراءً شكلياً، بل وسيلة لمنع الخلط بين النشاط التجاري المشروع والعمليات التي قد تسهم في استمرار القتال أو تجاوز القيود القانونية.

كما أن الرقابة لا ينبغي أن تقتصر على الطائرة لحظة وصولها، بل تشمل سلسلة النقل كاملة، من الجهة التي أرسلت الشحنة إلى الجهة التي تسلمتها. فقد تكون الوثائق صحيحة من حيث وصف البضاعة، لكن مسارها النهائي يختلف عن الوجهة المعلنة، أو قد تتغير الجهة المستفيدة أثناء عملية النقل. وهذه احتمالات تستحق الفحص وفق الأدلة المتاحة، لا افتراضها في كل عملية شحن.

بورتسودان بين الممر الإنساني والحركة التجارية

تحتل بورتسودان موقعاً حساساً في هذه المعادلة، لأنها أصبحت مركزاً مهماً لدخول الإمدادات إلى مناطق خاضعة لسلطات الجيش، وفي الوقت نفسه نقطة أساسية لعمليات الإغاثة الدولية. ويجعل هذا الدور المزدوج من الضروري التعامل مع بيانات الحركة الجوية بحذر، وعدم تصنيف جميع الرحلات التي تصل إلى المطار على أساس واحد.

وقد تناولت التحقيقات الاستقصائية طائرات شحن ظهرت في بورتسودان، بينها الطائرة الإيرانية EP-FAB، التي ربطت «إيكاد» رحلاتها بإمدادات عسكرية. كما أوردت المادة المتاحة رصد رحلات شحن أخرى خلال ديسمبر 2025، من مسارات مرتبطة بعدة مطارات إقليمية. وتوفر هذه الوقائع أساساً للتحقيق في طبيعة الحركة اللوجستية، لكنها لا تسمح وحدها بالقول إن المطار استُخدم لتغطية شحنات عسكرية بمساعدات إنسانية.

ويتطلب الوصول إلى هذا الاستنتاج فحص سجلات كل شحنة على حدة، وتحديد ما إذا كانت الرحلات العسكرية منفصلة عن عمليات الإغاثة، أو ما إذا كانت هناك أدلة على اختلاط الشحنات أو تضليل الجهات الرقابية بشأن محتوياتها. كما ينبغي مقارنة البيانات المتاحة مع سجلات المنظمات الإنسانية، حتى لا تؤدي اتهامات غير دقيقة إلى تقويض الثقة في العمليات الإغاثية أو تعريض وصول المساعدات للخطر.

وتبرز هنا أهمية الفصل بين المطار باعتباره منشأة متعددة الاستخدامات، والرحلة بوصفها عملية نقل محددة، والشحنة بوصفها موضوع التحقيق الأساسي. فوجود نشاط عسكري في منشأة لا يثبت أن الرحلات الإنسانية شاركت فيه، كما أن وجود عمليات إغاثية مشروعة لا يستبعد ضرورة التدقيق في الشحنات الأخرى التي تمر عبر الموقع نفسه.

الشفافية بوصفها أداة لمنع إطالة الحرب

إن الرقابة على الإمدادات لا تعني تعطيل حركة التجارة أو تقييد وصول المساعدات، بل تهدف إلى ضمان أن تكون طبيعة الشحنات والجهات المستفيدة منها قابلة للتحقق، خصوصاً عندما تتعلق بمعدات يمكن أن تستخدم في العمليات العسكرية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تحسين تبادل المعلومات بين سلطات الطيران والجمارك، وتدقيق سجلات الشحن، والتحقق من المستفيد النهائي، وتعزيز التعاون بين الجهات الرقابية والمنظمات الدولية.

كما ينبغي أن تشمل إجراءات الشفافية نشر معلومات تسمح للباحثين والصحفيين بمقارنة الرحلات وتواريخها ومساراتها، مع الحفاظ على البيانات الحساسة التي قد يؤدي كشفها إلى مخاطر أمنية أو إنسانية. فغياب المعلومات يوسع المجال أمام الروايات المتضاربة، بينما يتيح التوثيق المنهجي اختبار الادعاءات وتصحيحها.

وقد شددت تحليلات «تشاتام هاوس» بشأن السودان على أن تدفقات الأسلحة والتمويل والخدمات اللوجستية الخارجية تمثل جزءاً من المعادلة التي تساعد على استمرار الحرب، وأن جهود وقف القتال تحتاج إلى التعامل مع هذه التدفقات إلى جانب المسارات الدبلوماسية. <Cite refs={[“turn815251search9”]}/> ويعني ذلك أن مساءلة شبكات الإمداد لا ينبغي أن تنفصل عن جهود حماية المدنيين، بل يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع للحد من الموارد التي تغذي العمليات العسكرية.

بين ضرورة الإغاثة ومساءلة شبكات الإمداد

تواجه الصحافة الاستقصائية في هذا الملف مسؤولية مزدوجة: كشف أي استغلال محتمل للطرق اللوجستية في نقل المعدات العسكرية، وفي الوقت نفسه تجنب نشر اتهامات غير مثبتة قد تضر بالعمل الإنساني أو تخلط بين الإغاثة المشروعة والنشاط العسكري. وهذه المسؤولية تتطلب التمييز بين الشك والدليل، وبين وجود شبكة نقل واسعة وإثبات الغرض الذي استخدمت من أجله.

ولا يمكن اختزال الحل في مراقبة المطارات وحدها، لأن عمليات الإمداد قد تمر عبر شركات وسيطة أو موانئ أو طرق برية، وقد تتوزع المسؤوليات بين أطراف لا تظهر أسماؤها في سجلات الرحلات. لكن تحسين الشفافية وتبادل المعلومات، وإخضاع الشحنات المشبوهة للتحقق المستقل، يمكن أن يقلص مساحة الغموض التي تستفيد منها الشبكات غير المعلنة.

في النهاية، لا تكمن القضية في افتراض أن المساعدات الإنسانية تخفي وراءها أسلحة، بل في ضمان ألا تتحول أي قناة مدنية أو تجارية إلى وسيلة لتجاوز الرقابة ونقل معدات تسهم في استمرار الحرب. فالسودانيون الذين ينتظرون الغذاء والدواء لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الخلط بين العمل الإنساني والعمليات العسكرية، كما لا ينبغي أن يصبح الاحتياج الإنساني مبرراً لإعفاء شبكات الإمداد من المساءلة. وبين حماية المساعدات وكشف مسارات التسليح، تظل الشفافية والتحقق المستقل الشرطين الأساسيين لبناء صورة دقيقة عن حركة الشحنات والمسؤوليات المرتبطة بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى