تسريبات

الوثائق الجديدة تعيد فتح ملف الأسلحة الكيميائية في السودان


أعاد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان فرض نفسه على المشهد السياسي والعسكري، بعد ظهور وثائق وصور ومقاطع فيديو ورسائل إلكترونية قالت تحقيقات صحفية دولية إنها تقدم مؤشرات جديدة على وجود برنامج لإنتاج وتخزين ذخائر تعتمد على غاز الكلور. القضية لم تعد مرتبطة فقط باتهامات أميركية سابقة، بل باتت أمام مجموعة من المواد التي أثارت اهتمام خبراء في الأسلحة الكيميائية والرقابة الدولية، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى تحقيق ميداني مستقل يحسم طبيعتها ومصدرها وكيفية استخدامها.

وتكمن أهمية التطورات الأخيرة في أنها جاءت بعد أكثر من عام على القرار الأميركي الذي خلص إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي. ففي أبريل 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها توصلت إلى هذا الاستنتاج، ثم فُرضت عقوبات بموجب القانون الأميركي الخاص بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وفي يوليو 2026، أعلنت واشنطن إجراءات عقابية إضافية، بعدما قالت إن السودان لم يستوف الشروط المطلوبة لرفع الإجراءات السابقة.

لكن الملف أخذ منحى أكثر تعقيداً في سبتمبر وأكتوبر 2026، عندما نشرت وسائل إعلام دولية تحقيقات استندت إلى حزمة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل التي قيل إنها حصلت عليها من مصادر أمنية في الشرق الأوسط. ووفق تحقيق نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، فإن المواد تتضمن ما وصفته الصحيفة بمؤشرات على تصنيع ذخائر تحتوي على الكلور وتخزينها، إضافة إلى تسجيلات لاختبارات في مناطق صحراوية. وأشارت الصحيفة إلى أن عدداً من خبراء الأسلحة الكيميائية والجهات المتخصصة اعتبروا المواد ذات مصداقية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الوصول إلى مواقع الإنتاج والشهود بصورة مستقلة يبقى ضرورياً للوصول إلى تقييم نهائي.

وتتجاوز هذه التطورات، إذا ثبتت صحتها، مجرد مسألة استخدام سلاح محظور في ساحة المعركة، لأنها تطرح سؤالاً أكبر يتعلق بقدرة المؤسسات العسكرية والأمنية على إدارة المواد الخطرة والرقابة عليها أثناء الحرب. فالكلور مادة تستخدم بصورة مشروعة في معالجة مياه الشرب والصناعات المدنية، لكن تحويلها إلى وسيلة عسكرية لاستخدامها ضد أهداف بشرية يضعها في إطار مختلف تماماً من الناحية القانونية والأمنية.

وبحسب التحقيقات المنشورة، تضمنت المواد التي جرى فحصها صوراً لذخائر وأسطوانات ومكونات معدنية، إلى جانب مقاطع فيديو لاختبارات قالت مصادر التحقيق إنها أظهرت سحباً صفراء مخضرة بعد انفجار ذخائر في مناطق صحراوية. كما وردت رسائل نسبت إلى مسؤولين عسكريين تتحدث عن تصنيع ذخائر تحتوي على غاز خانق. ومع ذلك، فإن وجود الصور أو الرسائل لا يعني تلقائياً أن كل ما ورد فيها قد ثبت بصورة مستقلة، وهو ما دفع خبراء تحدثوا إلى «واشنطن بوست» إلى التشديد على ضرورة الوصول إلى المواقع والتحقق من سلسلة الأدلة.

ومن أكثر الجوانب حساسية في القضية ما يتعلق بمحاولات يُقال إنها جرت للتخلص من آثار أو مواد مرتبطة بالبرنامج. فقد أورد تحقيق «واشنطن بوست» رسائل مؤرخة في 2025، قالت الصحيفة إنها تشير إلى إفراغ قاعدة عسكرية من آثار وبقايا مرتبطة بالمواد الكيميائية. كما تحدث التحقيق عن وثائق أخرى توحي بمحاولات إخفاء بعض المنشآت أو تغيير طبيعة المعدات المستخدمة. وإذا تمكن تحقيق مستقل من إثبات هذه الوقائع، فإنها ستضيف بعداً جديداً إلى القضية، لأن مسألة التخلص من الأدلة تختلف جذرياً عن مجرد وجود مواد كيميائية في منشأة عسكرية.

وفي المقابل، رفضت الحكومة السودانية الاتهامات بشكل واضح. وقالت في رد نقلته «واشنطن بوست» إن ما ورد في التحقيقات غير صحيح، وإن الخرطوم ملتزمة باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، مؤكدة أن مخزونات الكلور الموجودة في البلاد مخصصة لمعالجة المياه والاستخدامات المدنية والصناعية. كما قالت الحكومة إنها سبق أن دعت الولايات المتحدة إلى إرسال فريق فني للتحقق من الادعاءات على الأرض، وإنها مستعدة لإخضاع المخزونات للتحقق بصورة موضوعية وشفافة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، وهي اتفاقية تحظر تطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها واستخدامها، وتضع آليات للتحقق والرقابة الدولية. لذلك فإن أي إثبات مستقل لوجود برنامج عسكري منظم لإنتاج ذخائر كيميائية لن يكون مجرد تطور داخلي، بل سيشكل قضية ذات تبعات دولية مباشرة.

وكانت الحكومة السودانية قد أعلنت في وقت سابق تشكيل لجنة للتحقيق في الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية. وبحسب «واشنطن بوست»، خلص التحقيق الحكومي لاحقاً إلى عدم وجود دليل على تلوث كيميائي أو إشعاعي، وهو استنتاج يتعارض مع التقييم الأميركي ومع المواد التي ظهرت لاحقاً في التحقيقات الصحفية. هذا التباين يفتح الباب أمام سؤال أساسي: من الجهة التي يمكنها تقديم تقييم مستقل يحظى بقبول الأطراف المختلفة؟

هنا يظهر دور منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بوصفها الجهة الدولية الأكثر ارتباطاً بهذا النوع من الملفات. وقد دعت الولايات المتحدة خلال اجتماعات المنظمة في 2026 إلى التحقق المستقل من اتهاماتها، فيما تشير تقارير متخصصة إلى أن المنظمة والدول الأعضاء أمام حاجة متزايدة إلى تقييم الأدلة الجديدة.

ولا تقتصر الأدلة الجديدة على الوثائق المسربة. ففي سبتمبر 2026، نشرت «يورو نيوز» تحقيقاً استند إلى تقرير أعده مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتحدث عن شهادات لثمانية سودانيين حول حوادث عسكرية قالوا إنها ترافقت مع صعوبات تنفسية وروائح غير معتادة وانبعاثات ملونة. غير أن الفريق نفسه لم يتمكن من تحديد المادة التي تسببت في تلك الأعراض بصورة قاطعة، ولذلك وصف نتائجه بأنها أدلة ذات مصداقية تستوجب تحقيقاً دولياً، لا حكماً نهائياً بأن مادة كيميائية محددة استُخدمت.

وتشير إحدى أكثر الوقائع التي تناولها التقرير إلى حادثة في محيط مصفاة الجيلي للنفط في سبتمبر 2024. وقال شاهدان، وفق التقرير، إن طائرة عسكرية حلقت فوق المنطقة قبل وقوع الحادث، وإن أجساماً سقطت أعقبتها أعراض تنفسية حادة لدى عدد من الأشخاص. إلا أن المحققين لم يتمكنوا من تحديد المادة المستخدمة، وهو فارق مهم عند تناول القضية صحفياً؛ فالاشتباه في استخدام مادة سامة لا يساوي إثبات استخدام سلاح كيميائي وفق المعايير الدولية.

ويزيد من تعقيد المشهد أن الكلور نفسه ليس مادة محظورة في الاستخدام المدني. فقد أورد تحقيق «واشنطن بوست» أن بعض أسطوانات الكلور التي ظهرت في مواد التحقيق كانت مرتبطة أصلاً بإمدادات مخصصة لمعالجة المياه. وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنها كانت تزود مرافق مياه في السودان بالكلور لهذا الغرض، وأنها لا تملك سجلاً يثبت تحويل الكلور الذي قدمته إلى استخدام عسكري. وهذا يعني أن التحقيق في مصدر المادة يحتاج إلى تتبع دقيق لسلسلة التوريد، من المورد إلى الجهة المستلمة ثم إلى موقع الاستخدام.

ومن هنا تبرز إحدى أهم القضايا التي ينبغي ألا تضيع وسط السجال السياسي: كيف وصلت المواد الكيميائية إلى مواقع عسكرية، إن ثبت أنها استخدمت فعلاً في تصنيع ذخائر؟ الإجابة تحتاج إلى أدلة على العقود والشحنات وحركة المخازن وسجلات الاستلام والنقل، وليس فقط إلى صور لأسطوانات أو ذخائر. كما أن تحديد الجهة التي قامت بالتصنيع أو أعطت أوامر الاستخدام يحتاج إلى أدلة مستقلة يمكن اختبارها أمام جهة تحقيق مختصة.

أما الربط بين هذا الملف وإيران، فيحتاج بدوره إلى حذر أكبر. فوجود علاقات عسكرية وسياسية بين السودان وإيران خلال الحرب لا يكفي لإثبات أن مواد أو أسلحة كيميائية وصلت من إيران. وأي ادعاء من هذا النوع يحتاج إلى وثائق شحن أو سجلات مالية أو بيانات استخباراتية يمكن التحقق منها. أما الانتقال مباشرة من وجود تعاون عسكري إلى القول إن إيران كانت مصدر الأسلحة الكيميائية، فهو استنتاج لا توفر الأدلة المنشورة حالياً أساساً كافياً للجزم به.

المؤكد سياسياً هو أن ملف الأسلحة الكيميائية أصبح بالفعل واحداً من الملفات التي تضغط على السلطة السودانية في علاقاتها الخارجية. فالعقوبات الأميركية لم تعد مجرد اتهام سياسي عابر، إذ جرى تثبيت قرار واشنطن في السجل الفيدرالي الأميركي، ثم أضيفت إجراءات أخرى في 2026. وفي الوقت نفسه، ترفض الحكومة السودانية الاتهامات وتطالب بالتحقق المستقل منها.

وهكذا يجد السودان نفسه أمام معادلة صعبة: سلطة تؤكد التزامها بالاتفاقية الدولية وتطالب بالتحقيق، في مقابل اتهامات أميركية وتحقيقات صحفية مستقلة نسبياً ومواد جديدة يقول خبراء إنها تستحق الفحص. وبين الروايتين تبقى الحاجة إلى تحقيق دولي ميداني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

فالأسئلة الحقيقية لم تعد تقتصر على «هل استُخدمت أسلحة كيميائية أم لا؟»، بل تشمل أيضاً: هل كانت هناك منشآت مخصصة لتصنيعها؟ من كان يديرها؟ كيف حصلت على المواد؟ أين خزنت؟ هل جرى نقلها أو التخلص منها؟ وهل استُخدمت بالفعل في مواقع مدنية أو عسكرية؟ والأهم، هل تستطيع جهة دولية مستقلة الوصول إلى الأدلة قبل أن تضيع بفعل استمرار الحرب؟

إذا أثبت تحقيق مستقل هذه الادعاءات، فإن المسألة ستتحول من اتهامات متبادلة إلى قضية قانونية دولية لها تبعات على المسؤولين والمؤسسات المعنية. وإذا لم تثبت، فإن الخرطوم ستملك حجة أقوى للمطالبة برفع الإجراءات والعقوبات المرتبطة بهذا الملف. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة بحاجة إلى أدلة قابلة للفحص، لا إلى الحملات الإعلامية أو البيانات السياسية.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا الملف هو أن يتحول إلى معركة روايات لا إلى تحقيق في الوقائع. فالسلاح الكيميائي، إن ثبت استخدامه، ليس مجرد ورقة في الصراع السياسي السوداني، وإنما انتهاك بالغ الخطورة لقواعد الحرب والقانون الدولي. أما إذا كانت بعض الأدلة المتداولة غير مكتملة أو أسيء تفسيرها، فإن الوصول إلى الحقيقة يظل ضرورياً أيضاً، لأن الاتهامات من هذا النوع لا يمكن أن تُبنى على الصور المسربة وحدها.

وفي النهاية، فإن الوثائق الجديدة أعادت فتح الباب أمام قضية ظلت طوال الفترة الماضية محاطة بالغموض. الولايات المتحدة لديها قرار رسمي وعقوبات، والحكومة السودانية لديها رواية تنفي الاتهامات، بينما تقدم التحقيقات الصحفية الأخيرة مواد يقول خبراء إنها جديرة بالتحقيق، في حين يؤكد آخرون أن الحسم يحتاج إلى وصول مستقل للمواقع والأدلة.

المعركة المقبلة، لذلك، لن تكون فقط على الأرض السودانية، وإنما أيضاً على مستوى الأدلة والتحقيق الدولي. وما سيحدد مسار هذا الملف في نهاية المطاف ليس حجم الاتهامات ولا قوة النفي، بل قدرة الجهات المختصة على الإجابة عن سؤال واحد: ماذا حدث فعلاً، ومن يتحمل المسؤولية عنه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى