التقارب العسكري بين السودان وإيران.. ماذا نعرف عن الدعم الإيراني وحدود علاقته بملف الأسلحة الكيميائية؟
لم تعد العلاقة بين السودان وإيران مجرد صفحة من صفحات السياسة الخارجية السودانية، بل أصبحت خلال سنوات الحرب واحدة من أكثر العلاقات التي تستوقف المراقبين، خصوصاً مع ظهور مؤشرات على تعاون عسكري بين طهران والقوات المسلحة السودانية. ومع ذلك، فإن تناول هذه العلاقة يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، لأن وجود تعاون عسكري موثق لا يعني تلقائياً أن كل ما يُنسب إلى إيران من أسلحة أو تقنيات قد وصل إلى السودان عبر القنوات نفسها. والأهم من ذلك أن الربط بين التعاون الإيراني وبين ملف الأسلحة الكيميائية يحتاج إلى أدلة مستقلة لا تتوافر، حتى الآن، بصورة علنية وحاسمة.
عادت العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وطهران إلى مسارها الطبيعي في أكتوبر 2023، بعد سنوات من القطيعة التي بدأت في 2016. وجاء استئناف العلاقات في وقت كانت فيه الحرب السودانية قد اندلعت بالفعل، وهو ما منح التقارب الإيراني–السوداني بعداً مختلفاً عن العلاقات التي سبقت الحرب. وبحسب تقارير صحفية، تزامن التقارب السياسي مع مؤشرات متزايدة على اتصالات عسكرية وأمنية، في وقت كانت فيه القوات المسلحة السودانية تبحث عن مصادر إضافية للسلاح والتكنولوجيا العسكرية.
وتشير تقارير رويترز إلى أن طائرات مسيرة إيرانية الصنع، من بينها طرازات مرتبطة بعائلة «مهاجر» و«أبابيل»، وصلت إلى السودان خلال فترة الحرب. واعتمد التقرير على مصادر عسكرية وإيرانية وإقليمية ودبلوماسية، كما أشار إلى بيانات تتبع الرحلات الجوية، بينما ظلت تفاصيل بعض عمليات التسليم غير معلنة بصورة رسمية. كما نقلت رويترز أن الطائرات المسيّرة الإيرانية ساعدت القوات المسلحة السودانية على تنفيذ عمليات استطلاع وضربات جوية واستعادة مواقع في محيط الخرطوم.
ولم يكن الحديث عن الطائرات المسيّرة قائماً فقط على تصريحات طرف واحد في الحرب. فقد نشرت «واشنطن بوست» في أكتوبر 2024 تحقيقاً تحدث عن رحلات جوية من إيران إلى بورتسودان، وعن العثور على طائرات مسيرة وذخائر ذات صلة بالتكنولوجيا الإيرانية في ساحات القتال. ووفق التحقيق، بدأت رحلات شحن مرتبطة بشركة إيرانية بالوصول إلى السودان بعد استئناف العلاقات بين البلدين، فيما ظهرت في ساحات القتال معدات قال خبراء إنها تتوافق مع نماذج إيرانية معروفة.
لكن الصورة الرسمية ظلت أكثر تعقيداً. فقد نقلت رويترز في أبريل 2024 عن مسؤول سوداني أن الخرطوم لم تحصل على أسلحة من إيران، بينما تحدثت مصادر أخرى عن وصول مسيرات إيرانية الصنع. كما أشارت رويترز إلى أن تفاصيل مصدر بعض الطائرات واستخدامها لم يكن من الممكن التحقق منها بصورة مستقلة بالكامل. هذه التناقضات مهمة لأنها تذكر بأن جزءاً من المعلومات المتعلقة بالتعاون العسكري ظل يعتمد على مصادر مجهلة، وليس على إعلان رسمي مشترك بين الحكومتين.
ومع ذلك، فإن تراكم المعطيات يجعل من الصعب التعامل مع التقارب العسكري بين البلدين باعتباره مجرد شائعة. فإلى جانب التقارير عن الطائرات المسيّرة، تحدثت مصادر صحفية عن وجود اهتمام إيراني بالموقع الجغرافي للسودان، ولا سيما ساحل البحر الأحمر. وظهر في بعض التقارير حديث عن رغبة إيرانية في تعزيز حضورها البحري أو الحصول على موطئ قدم استراتيجي في منطقة تتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة إلى خطوط الملاحة والتجارة العالمية.
وهنا تبرز الأهمية الجيوسياسية للعلاقة. فالسودان لا يقع فقط في قلب أزمة إقليمية، بل يمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. بالنسبة إلى إيران، يمكن أن يمثل تطوير العلاقات مع الخرطوم فرصة لتعزيز حضورها في منطقة البحر الأحمر، بينما يمكن للجيش السوداني أن يرى في طهران مصدراً إضافياً للتكنولوجيا العسكرية والسلاح في ظل صعوبة الوصول إلى بعض الأسواق والموردين التقليديين.
لكن التقارب لم يبدأ من الصفر. فقد كانت إيران والسودان يتمتعان بعلاقات عسكرية خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، وذكرت تقارير أن السودان استفاد في فترات سابقة من خبرات إيرانية في تصنيع وتطوير بعض المعدات العسكرية. غير أن الخرطوم قطعت علاقاتها مع طهران في 2016 في إطار إعادة تموضع إقليمي، قبل أن تبدأ عملية التقارب من جديد بعد سنوات.
الحرب غيرت الحسابات. ومع اتساع رقعة القتال وتراجع قدرة الدولة على الوصول إلى بعض مصادر السلاح، أصبحت الطائرات المسيرة ذات أهمية متزايدة في المعارك. وقد وثقت تقارير أممية وصحفية خلال السنوات الأخيرة الدور المتنامي للطائرات المسيّرة في الحرب السودانية، حيث أصبح هذا النوع من الأسلحة قادراً على تنفيذ ضربات على مسافات بعيدة واستهداف مواقع خارج خطوط المواجهة التقليدية. وفي سبتمبر 2026، قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الأجنبية أسهمت في زيادة قدرة أطراف النزاع على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وإن أكثر من ألف شخص قتلوا في ضربات بالطائرات المسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام.
وهذه التطورات تجعل العلاقة مع إيران جزءاً من صورة أوسع تتعلق بتدويل الحرب السودانية. فالسلاح والتكنولوجيا لم يعودا مجرد أدوات داخلية، بل أصبحا مرتبطين بشبكات إقليمية ودولية، وهو ما يزيد من تعقيد فرص إنهاء الحرب. وكلما ازدادت قدرة الأطراف على الحصول على أسلحة متطورة، أصبح استمرار القتال أقل ارتباطاً فقط بموازين القوى المحلية وأكثر ارتباطاً بحسابات القوى الخارجية.
لكن من الضروري عند تناول هذه العلاقة التوقف عند نقطة شديدة الحساسية: الأسلحة الكيميائية.
ففي أبريل 2025 أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، ثم فرضت عقوبات عليها، قبل أن تضيف واشنطن عقوبات أخرى في يوليو 2026 بعد قولها إن السودان لم يستوف الشروط اللازمة لإنهاء الإجراءات السابقة.
وفي عام 2026 ظهرت تحقيقات صحفية جديدة تتحدث عن وثائق وصور ومقاطع فيديو قيل إنها تشير إلى برنامج سوداني لإنتاج ذخائر قائمة على الكلور. ونشرت «واشنطن بوست» في سبتمبر 2026 تحقيقاً قالت فيه إن مواد حصلت عليها وأخضعت بعضها لفحوص من خبراء في الأدلة الرقمية تتضمن مؤشرات على تخزين وإنتاج ذخائر كيميائية. كما تحدث التحقيق عن مواد أولية من الكلور كانت مخصصة، بحسب الوثائق، للاستخدام في معالجة المياه.
وفي الوقت نفسه، نشرت «يورو نيوز» تحقيقاً استند إلى عمل مجموعة من المسؤولين السابقين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وخلص إلى أن شهادات عدد من السودانيين وصوراً ومواد رقمية توفر مؤشرات ذات مصداقية تستوجب تحقيقاً دولياً بشأن احتمال استخدام مواد كيميائية في بعض الهجمات. لكن الفريق لم يتمكن من تحديد المادة المستخدمة بشكل قاطع، ولذلك لم يقدم النتيجة باعتبارها إثباتاً نهائياً لاستخدام سلاح كيميائي.
هذه التطورات تجعل ملف الأسلحة الكيميائية جدياً للغاية، لكنها لا تقدم في الوقت نفسه دليلاً علنياً يثبت أن إيران كانت مصدر تلك الأسلحة الكيميائية.
وهنا تحديداً يجب الفصل بين ملفين مختلفين.
الملف الأول هو التعاون العسكري الإيراني–السوداني. توجد بشأنه تقارير متعددة تتحدث عن طائرات مسيرة إيرانية الصنع ورحلات شحن واتصالات عسكرية وتقارب استراتيجي. أما الملف الثاني فهو مصدر المواد أو التقنيات التي يُعتقد أنها استخدمت في إنتاج أسلحة كيميائية. ولا تكفي الأدلة المنشورة حتى الآن للقول إن هذه المواد جاءت من إيران.
بل إن بعض التحقيقات التي تناولت الكلور أشارت إلى مسار مختلف. فقد قالت «واشنطن بوست» إن صوراً لأسطوانات كلور مرتبطة بحوادث 2024 مكّنت جهات بحثية من تتبعها إلى مورد في الهند، وإن المورد قال إن الشحنة كانت مخصصة لمعالجة المياه. وهذا لا يحسم كيفية وصول المواد إلى مواقع عسكرية أو كيفية استخدامها لاحقاً، لكنه يوضح لماذا لا يمكن اختزال المسألة في علاقة السودان بإيران.
كما أن الكلور بحد ذاته ليس سلاحاً محظوراً عندما يستخدم في الأغراض المدنية والصناعية المشروعة. الحظر يتعلق بتطويره أو استخدامه كسلاح كيميائي. ولذلك فإن إثبات مصدر الكلور لا يساوي إثبات مصدر السلاح الكيميائي، وإثبات وجود تعاون عسكري مع إيران لا يساوي إثبات نقل مواد كيميائية عسكرية من إيران إلى السودان.
وهذا التفريق ضروري أيضاً من الناحية القانونية والسياسية. فالسودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، والاتفاقية تحظر تطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها واستخدامها. وقد نفت الحكومة السودانية بصورة متكررة الاتهامات الأميركية والصحفية، مؤكدة التزامها بالاتفاقية، فيما دعت الولايات المتحدة إلى تحقيق مستقل ووصول غير مقيد إلى المواقع المعنية.
وفي يوليو 2026، عرضت الحكومة السودانية أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نتائج لجنة وطنية قالت إنها لم تجد أدلة مادية أو تقنية أو وثائقية تثبت الاتهامات في المواقع التي فحصتها. وفي المقابل، قالت الولايات المتحدة إن التحقيق الداخلي لا يمثل بديلاً عن التحقق الدولي المستقل، وطالبت بالسماح للمنظمة الدولية بالوصول الشفاف إلى المواقع.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي أكبر من مجرد «هل تدعم إيران الجيش السوداني؟». فالمؤشرات المنشورة تجعل وجود تعاون عسكري أو نقل تكنولوجيا عسكرية أمراً مدعوماً بتقارير متعددة، لكن السؤال الأهم يتعلق بمدى اتساع هذا التعاون وطبيعته وشروطه، وما إذا كان مرتبطاً فقط بالطائرات المسيّرة والأسلحة التقليدية أم يمتد إلى مجالات أخرى.
أما الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول إن إيران زودت السودان بالأسلحة الكيميائية، فهو يحتاج إلى دليل مختلف تماماً: سجلات شحن، وثائق تصنيع، اتصالات بين الجهات المسؤولة، شهادات يمكن التحقق منها، أو أدلة مادية تربط المعدات أو المواد بمصدر إيراني.
ولا تقدم التقارير المنشورة التي اطلعت عليها مثل هذا الدليل الحاسم.
وهذا لا يعني أن الاحتمال مستحيل، وإنما يعني أن الصحافة المهنية يجب أن تتركه في خانة الادعاء الذي يحتاج إلى إثبات، لا في خانة الحقيقة المكتملة.
في المقابل، فإن التقارب العسكري بين الخرطوم وطهران يظل ذا دلالة سياسية كبيرة حتى من دون ربطه بملف الأسلحة الكيميائية. فإيران تمكنت عبر هذا التقارب من استعادة موطئ قدم في دولة مطلة على البحر الأحمر، بينما حصل الجيش السوداني، وفق تقارير متعددة، على قدرات مسيرة ساعدته في الحرب. وهذا التقاطع بين المصالح الأمنية والجغرافية يفسر جزءاً من سرعة عودة العلاقات بعد سنوات القطيعة.
كما أن هذه العلاقة تضع السودان أمام حسابات دولية إضافية. فكلما توسعت الشراكة العسكرية مع إيران، ازدادت احتمالات أن تنظر إليها الولايات المتحدة وحلفاؤها باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في البحر الأحمر. وفي المقابل، تستطيع طهران أن تنظر إلى السودان باعتباره نقطة جغرافية مهمة في منطقة تتداخل فيها المصالح الإيرانية مع أمن الملاحة والتنافس الإقليمي.
لكن السودان ليس مجرد ساحة نفوذ إيراني، كما أن العلاقة لا يمكن تفسيرها من زاوية طهران وحدها. فالجيش السوداني نفسه لديه حساباته الخاصة، في ظل حرب طويلة تستنزف الموارد وتحتاج إلى السلاح والذخائر والتكنولوجيا. ولذلك فإن أي تعاون مع إيران ينبغي قراءته أيضاً باعتباره جزءاً من محاولة الجيش تنويع مصادر الدعم الخارجي.
وفي نهاية المطاف، فإن العلاقة السودانية–الإيرانية تقدم مثالاً واضحاً على الطريقة التي تحولت بها الحرب السودانية إلى أزمة تتجاوز حدود البلاد. فهناك أسلحة وتكنولوجيا وشبكات نقل ودول إقليمية، وكل طرف خارجي ينظر إلى السودان من زاوية مختلفة.
أما ملف الأسلحة الكيميائية، فيجب أن يبقى منفصلاً عن هذه الصورة إلى أن تظهر أدلة تربطه بإيران بصورة مباشرة.
والفصل بين الملفين لا يقلل من خطورة أي منهما، بل يجعل النقاش أكثر جدية. فالتعاون العسكري الإيراني–السوداني يستحق التحقيق في مصادر السلاح ومسارات نقله وأهدافه، بينما تحتاج الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية إلى تحقيق دولي مستقل قادر على تحديد المواد المستخدمة ومصدرها والجهات التي قامت بتطويرها أو تخزينها أو استخدامها.
وبينما تتواصل التحقيقات والاتهامات والنفي، تبقى الحقيقة الأساسية أن الحرب السودانية أصبحت مرتبطة بشبكة معقدة من العلاقات الخارجية. إيران واحدة من أهم حلقات هذه الشبكة، لكن إثبات وجود تعاون عسكري شيء، وإثبات مسؤوليتها عن برنامج أسلحة كيميائية شيء آخر تماماً.
وهذا هو الفارق الذي ينبغي ألا تضيع حدوده وسط المعركة السياسية والإعلامية: ما ثبت هو وجود مؤشرات وتقارير قوية عن تعاون عسكري إيراني–سوداني، أما الربط المباشر بين إيران والأسلحة الكيميائية في السودان فما زال يحتاج إلى أدلة مستقلة وقابلة للتحقق.




