الكلور يدخل حرب السودان.. كيف تحولت منشآت النفط إلى أهداف لأسلحة غير تقليدية؟

لم تعد الحرب السودانية محصورة في المعارك التقليدية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بعدما كشفت تحقيقات صحفية حديثة عن أدلة جديدة تعزز الاتهامات باستخدام أسلحة كيميائية تعتمد على غاز الكلور. الأخطر في هذه التطورات ليس فقط طبيعة السلاح المستخدم، وإنما المكان الذي ظهرت فيه إحدى أبرز حلقات القضية: مصفاة الجيلي النفطية شمال الخرطوم.
فالانتقال من استخدام الطائرات والمدفعية والمسيّرات إلى أسلحة كيميائية قرب منشأة نفطية يفتح باباً مختلفاً تماماً في الحرب. منشآت الطاقة لم تعد مجرد مواقع تسيطر عليها الأطراف المتحاربة لأسباب اقتصادية أو عسكرية، بل يمكن أن تتحول إلى مساحات لاختبار أساليب قتال غير تقليدية، الأمر الذي يرفع المخاطر بالنسبة إلى السودان ودول الجوار والأسواق الإقليمية.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 5 سبتمبر 2026، فإن ملفاً استخباراتياً يضم قرابة 150 وثيقة وصورة وفيديو وتسجيلات صوتية، إضافة إلى آلاف الرسائل النصية، يقدم أدلة جديدة على برنامج سري لتطوير ذخائر تعتمد على الكلور داخل المؤسسة العسكرية السودانية. الصحيفة أوضحت أن الملف يصور وحدة عسكرية سرية عملت خلال عام 2024 على إنتاج واختبار هذه الذخائر واستخدامها ضد قوات الدعم السريع.
الجيلي.. نقطة التحول
تكتسب مصفاة الجيلي أهمية خاصة لأنها واحدة من أبرز منشآت الطاقة في السودان، ولأنها كانت خلال إحدى مراحل الحرب تحت سيطرة قوات الدعم السريع. وتقول التحقيقات إن هجوماً بالكلور وقع قرب المنشأة في سبتمبر 2024، بينما ظهرت في وقت لاحق صور ومقاطع فيديو لأشخاص يستخدمون أقنعة الأكسجين.
وتناول تحقيق فرنسي سابق الهجوم، وخلص خبراء استعانت بهم الجهة الإعلامية إلى أن الصور ومقاطع الفيديو كانت متوافقة مع هجوم باستخدام خزانات كلور ألقيت من الجو. كما أشارت التحقيقات إلى أن إحدى شحنات الكلور التي ظهرت في الصور تعود إلى مصدر هندي، وكانت مخصصة وفق المورد لمعالجة مياه الشرب.
وهنا تظهر خطورة مختلفة: منشأة نفطية تحولت إلى مسرح لهجوم كيميائي محتمل.
فالمنشآت النفطية لا تحتوي فقط على النفط الخام. هناك خزانات وقود، وأنظمة كهربائية، وخطوط أنابيب، ومضخات، ومرافق تخزين ونقل، ومعدات صناعية حساسة. أي هجوم غير تقليدي عليها قد لا يؤدي فقط إلى خسائر عسكرية، بل يمكن أن يتسبب في سلسلة من التداعيات الاقتصادية والبيئية والإنسانية.
إذا أصبحت منشآت الطاقة أهدافاً في حرب تستخدم فيها الأسلحة الكيميائية، فإن تكلفة حمايتها سترتفع. ولن يكون المطلوب فقط الدفاع ضد الطائرات أو المسيّرات، بل أيضاً مراقبة المواد الكيميائية، وتأمين مخازن الوقود، وحماية العاملين، ومنع انتشار المواد الخطرة في المناطق المحيطة.
لماذا الكلور تحديداً؟
الكلور مادة صناعية واسعة الاستخدام، خصوصاً في معالجة مياه الشرب. وهذا يجعل مراقبته أكثر تعقيداً من مواد كيميائية عسكرية محظورة لا تدخل عادة في الاستخدام المدني.
وتكشف وثائق التحقيقات أن جزءاً من الكلور الذي استخدم في المشروع العسكري كان مرتبطاً بمنشآت لمعالجة المياه. وأشارت نيويورك تايمز إلى أن منشأة المنارة في أم درمان تلقت كميات من الكلور من جهات إغاثية دولية، بينما قالت اليونيسف إنها زودت ست محطات لمعالجة المياه في الخرطوم، من بينها المنارة، بالكلور بين 2023 و2025.
هذه النقطة تفتح أزمة إنسانية شديدة الحساسية.
فالكلور الذي يستخدم لتطهير المياه ومنع انتشار الأمراض يمكن أن يصبح، إذا حُوّل إلى سلاح، جزءاً من آلة الحرب. وهذا يعني أن الرقابة الدولية قد تضطر إلى التشدد في متابعة المواد ذات الاستخدام المزدوج، لكن التشدد نفسه قد يخلق مشكلة أخرى إذا أدى إلى تعطيل إمدادات ضرورية لمياه الشرب.
تداعيات تتجاوز الخرطوم
المشكلة لا تتوقف عند السودان.
فالسودان يقع على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. بورتسودان ليست مجرد مدينة ساحلية، وإنما نقطة أساسية في حركة التجارة والطاقة والإمدادات.
وتشير تحليلات الطاقة الأخيرة إلى أن بورتسودان تلعب دوراً محورياً في استقبال الوقود وفي تصدير النفط السوداني ونفط جنوب السودان. كما أن تعرض الميناء أو منشآت التخزين أو البنية التحتية المرتبطة به لهجمات بطائرات مسيرة يمكن أن يعطل حركة الإمدادات حتى من دون تدمير الميناء بالكامل.
وبالتالي، فإن تحول الحرب إلى استخدام أسلحة كيميائية يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى بنية كانت تعاني أصلاً من الهجمات الجوية والمسيّرات والعقوبات.
وقد تكون أخطر نتيجة غير مباشرة هي ارتفاع تكلفة التأمين على السفن والشحنات المتجهة إلى السودان، لأن شركات التأمين تنظر إلى المخاطر الأمنية والكيميائية باعتبارها جزءاً من حساب واحد.
من الحرب الداخلية إلى الأزمة الإقليمية
الحرب السودانية بدأت كصراع على السلطة، لكنها أصبحت تدريجياً حرباً ذات أبعاد إقليمية. ومع ظهور ملف الأسلحة الكيميائية، فإنها تدخل مرحلة جديدة.
وقد تواجه الخرطوم ضغوطاً دولية إضافية، وربما قيوداً أكبر على المعدات والمواد ذات الاستخدام المزدوج. وقد تتجنب البنوك وشركات الشحن والتأمين التعامل مع بعض الأنشطة السودانية خوفاً من العقوبات.
والنتيجة قد تكون مزيداً من العزلة الاقتصادية.
لكن المفارقة أن تشديد القيود على بعض المواد قد يؤثر أيضاً في قطاعات مدنية حيوية، من معالجة المياه إلى الصناعة والطاقة. وهذا يجعل الاستجابة الدولية أمام معادلة صعبة: كيف يمكن منع تحويل المواد المدنية إلى أسلحة من دون خنق الاحتياجات الإنسانية للسودانيين؟
الخطر الأكبر
السيناريو الأكثر إثارة للقلق لا يتمثل بالضرورة في تكرار هجوم كيميائي واحد، بل في تحول منشآت الطاقة إلى جزء دائم من الحرب غير التقليدية.
إذا أصبحت مصافي النفط ومستودعات الوقود وخطوط الأنابيب والموانئ أهدافاً عسكرية، فإن أي هجوم عليها يمكن أن يؤدي إلى تداعيات متسلسلة: نقص الوقود، انقطاع الكهرباء، ارتفاع تكاليف النقل، تراجع الصادرات، ارتفاع أسعار التأمين، وتفاقم الأزمة الإنسانية.
ولهذا فإن ملف الجيلي لا ينبغي قراءته باعتباره حادثة منفصلة.
إنه مؤشر على أن الحرب السودانية بدأت تلامس منطقة شديدة الحساسية: تقاطع السلاح الكيميائي مع أمن الطاقة.
وفي بلد يعيش حرباً مفتوحة منذ أكثر من ثلاث سنوات، قد يكون الخطر الحقيقي أن تصبح المنشآت التي يعتمد عليها ملايين المدنيين للبقاء، جزءاً من المعركة نفسها.




