تسريبات
السودان ومعضلة التوازنات الإقليمية: بين تقاطع المصالح وساحة الصراع في القرن الإفريقي
منذ يوم واحد
4 دقائق
يُشكّل السودان، بجغرافيته الممتدة على ساحل البحر الأحمر الحيوي، وتوسطه لمصادر نهر النيل، ووقوعه في قلب القرن الإفريقي، نقطة ارتكاز جيوسياسية لا يمكن تجاهلها. ومع استمرار الأزمة السودانية وتداعياتها الممتدة، تحولت الدولة ذات المساحة الشاسعة والموارد الهائلة إلى ساحة معقدة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية. لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع داخلي على السلطة، بل أصبحت مرآة تعكس التنافسات الخفية والظاهرة بين القوى الإقليمية، حيث تسعى كل دولة إلى تأمين مصالحها، وحماية عمقها الاستراتيجي، أو فرض رؤيتها للأمن الإقليمي.
في هذا التحليل، نسلط الضوء على تشابك خيوط اللعبة الجيوسياسية في السودان، من خلال قراءة معمقة لأدوار تركيا، مصر، السعودية، قطر، والنظرة الغربية لهذه الأدوار، وصولاً إلى الإجابة عن السؤال الجوهري: هل أصبح السودان المفتاح لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي؟
تركيا ومصر: بين التقاء المصالح وتباين الأدوات
تقف مصر وتركيا على طرفي نقيض في بعض جوانب المقاربة السودانية، بينما تلتقيان في أهداف استراتيجية عليا. بالنسبة لمصر، يُعد السودان “عمقاً استراتيجياً” وأمنًا قوميًا مباشرًا. تنظر القاهرة إلى الخرطوم من خلال عدسة الأمن المائي (في ظل ملف سد النهضة الإثيوبي)، والأمن الحدودي، ومكافحة التهديدات غير التقليدية. تاريخياً، دعمت مصر مؤسسات الدولة السودانية، وتحديداً الجيش السوداني، كضامن لوحدة البلاد واستقرارها، وهو ما يعكس تفضيل القاهرة للنموذج الأمني-العسكري في إدارة الأزمات.
في المقابل، تنظر تركيا إلى السودان من منظور براغماتي يجمع بين التاريخ، والاقتصاد، والنفوذ في البحر الأحمر. تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها في إفريقيا، وتعتبر السودان بوابة لها نحو القارة السمراء، فضلاً عن مصالحها الاقتصادية المرتبطة بالموانئ (مثل جزيرة سواكن) والاستثمارات الزراعية.
أين يلتقي النفوذ؟ تلتقي المصالح المصرية والتركية في رفض تقسيم السودان أو انهيار الدولة ككل، فالدولة الفاشلة أو المفككة تمثل تهديداً لأمن البحر الأحمر لكلا البلدين. كما يتقاطع الطرفان في الرغبة في أن يكون لهما دور فاعل في تشكيل مستقبل السودان السياسي والاقتصادي. أين يتنافس؟ يكمن التنافس في الأدوات والتحالفات الداخلية. فبينما تميل القاهرة إلى دعم الجناح العسكري والمؤسسات التقليدية لضمان الاستقرار السريع، تميل أنقرة إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طيف أوسع من الفاعلين السودانيين، بما في ذلك القوى السياسية ذات الخلفيات المختلفة، مما يمنحها مرونة دبلوماسية لكنها تثير أحياناً مخاوف القاهرة من دعم تيارات قد تتعارض مع رؤيتها للأمن القومي.
السعودية وقطر: مقاربتان مختلفتان لنفس الهدف؟
على الرغم من أن كلّاً من الرياض والدوحة تدركان أهمية استقرار السودان، إلا أن مقاربتيهما تختلفان في الآليات والشبكات الدبلوماسية. تقود السعودية، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، “مسار جدة” للسلام، وتعتبر الرياض أن أمن السودان يمس أمنها المباشر، خاصة فيما يتعلق بحدودها البحرية في البحر الأحمر، وملف الأمن الإقليمي المرتبط باليمن. تميل المقاربة السعودية إلى التركيز على الاستقرار المؤسسي، ومكافحة التطرف، والاعتماد على النفوذ الاقتصادي والسياسي للضغط نحو تسويات تخدم الأمن الإقليمي العربي.
أما قطر، فتعتمد على دبلوماسية مرنة وشبكات علاقات واسعة تمتد لمختلف المكونات السياسية والاجتماعية في السودان. تلعب الدوحة دور الوسيط الإنساني والسياسي، وغالباً ما تستثمر في علاقاتها مع القوى المدنية والتيارات الإسلامية، مما يمنحها قدرة على التأثير في مسارات قد لا تصل إليها الرياض أو القاهرة بسهولة.
هل تختلف المقاربتان؟ نعم، تختلفان في “الأدوات” و”الشبكات”. السعودية تميل إلى المقاربة الأمنية-الاستقرارية بالتنسيق مع المحور المصري، بينما تميل قطر إلى المقاربة الدبلوماسية-السياسية الأوسع. ومع ذلك، تلتقي الدولتان في هدف نهائي وهو منع انهيار الدولة السودانية، وتجنب تحولها إلى بؤرة للإرث أو الفوضى التي قد تعيد إنتاج أزمات الربيع العربي.
النظرة الغربية: بين الرهان على الإقليميين والخشية من “الحرب بالوكالة”
ينظر الغرب (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة) إلى الأزمة السودانية بقلق بالغ، لكنه يراه أيضاً من زاوية المصالح الحيوية المتمثلة في: منع انهيار الدولة (مما يفتح الباب أمام الجماعات المتطرفة)، السيطرة على تدفقات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر Bab el-Mandeb.
يُلاحظ أن الغرب يعتمد بشكل كبير على القوى الإقليمية (مثل السعودية ومصر) لقيادة جهود الوساطة، نظراً لقدرتها على التأثير على الأطراف المتحاربة. ومع ذلك، تنظر العواصم الغربية بريبة إلى التدخلات الإقليمية المتضاربة. فالغرب يدرك أن تحويل السودان إلى ساحة لـ “الحرب بالوكالة” بين القوى الإقليمية سيطيل أمد الصراع، ويعمق المأساة الإنسانية، ويؤخر الحل السياسي. لذلك، تسعى واشنطن وبروكسل إلى توحيد الجهود الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة والآلية الثلاثية (الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، الإيقاد)، لمحاولة كبح جماح التأثيرات الإقليمية السلبية، رغم اعترافها الضمني بأن أي حل دائم يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المخاوف الأمنية للدول المجاورة.
السودان: المفتاح المفقود في معادلة القرن الإفريقي
الإجابة على سؤال ما إذا كان السودان قد أصبح ساحة لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي هي: بالتأكيد. لم يعد القرن الإفريقي مجموعة من الدول المنعزلة، بل أصبح “مجمعاً أمنياً” متشابكاً. ما يحدث في الخرطوم ينعكس مباشرة على أديس أبابا، مقديشو، وأسمرة.
- البعد الإثيوبي: تسعى إثيوبيا للوصول إلى البحر، وأي تغيير في ميزان القوى بالخرطوم قد يفتح أو يغلق أبواب التعاون حول الموانئ السودانية (مثل بورت سودان)، مما يغير المعادلة التاريخية بين البلدين.
- البعد البحري: السيطرة على الساحل السوداني المطلة على البحر الأحمر تعني السيطرة على أحد أهم الممرات المائية في العالم. القوى التي تنجح في كسب ود الفاعلين في السودان تضمن لنفسها نفوذاً في حماية (أو تهديد) خطوط التجارة العالمية.
- البعد الاقتصادي والزراعي: في ظل الأزمات الغذائية العالمية، يمتلك السودان ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة. الدول الإقليمية (مثل السعودية، الإمارات، مصر، وتركيا) تتنافس على ضمان حصص من هذا الأمن الغذائي المستقبلي، مما يجعل السودان ساحة للتنافس الاقتصادي الاستراتيجي.
من يملك أكبر تأثير على مستقبل السودان؟
إذا طرحنا سؤال “من يملك ورقة الحسم؟”، فإن الإجابة تتطلب تفكيكاً دقيقاً لمفهوم “التأثير”. من الناحية الجغرافية والاقتصادية، تمتلك مصر والسعودية النفوذ الأكبر. فالقاهرة تملك الحدود، والتاريخ، والنفوذ الأمني، بينما تملك الرياض القوة المالية، والنفوذ السياسي، والقدرة على تقديم حزم إنقاذ اقتصادي أو فرض ضغوط. أما من الناحية الدبلوماسية والمرونة، فإن تركيا وقطر تملكان قدرة على التأثير في مسارات معينة، خاصة في حال تحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة تتطلب وساطات بديلة أو دعمًا سياسياً لفئات معينة.
ولكن، الحقيقة الجيوسياسية الأهم هي: لا توجد قوة إقليمية أو دولية تملك “التأثير المطلق” أو القدرة على فرض حل من الخارج. الأطراف الداخلية السودانية (الجيش، قوات الدعم السريع، القوى المدنية، ومقاومة الشارع) تملك “حق النقض” (الفيتو) الداخلي. القوى الإقليمية يمكنها أن تطيل أمد الصراع، أو تموله، أو تضغط من أجل تسويات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة الداخلية أو تفرض استقراراً حقيقياً دون توافق سوداني-سوداني. التأثير الخارجي هو مجرد “مُضاعِف” للقوة الداخلية، وليس بديلاً عنها.
إن السودان، في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ليس مجرد دولة تمر بأزمة عابرة، بل هو مرآة عاكسة للتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وإفريقيا. تلتقي المصالح التركية والمصرية والسعودية والقطرية في الرغبة بـ “سودان مستقر”، لكنها تتفرع وتتصارع حول “كيفية تحقيق هذا الاستقرار” و”من الذي سيقود المرحلة الانتقالية”.
لقد أصبح السودان بالفعل الساحة التي تُختبر فيها قدرات القوى الإقليمية على إدارة الأزمات المعقدة. وإذا كانت الدول الإقليمية تدرك أن انهيار السودان يعني انهياراً domino (دومينو) سيطال القرن الإفريقي بأكمله، فإن التحدي الأكبر في عام 2026 وما بعده ليس في كيفية زيادة النفوذ، بل في كيفية الانتقال من “التنافس على الغنائم” إلى “التعاون الإقليمي” لضمان ولادة دولة سودانية موحدة، ديمقراطية، وقادرة على أن تكون جسراً للتكامل الإقليمي بدلاً من أن تكون عبئاً أمنياً يثقل كاهل جيرانها.




