السلاح المصري والتركي في السودان.. حين تتحول المصالح الإقليمية إلى وقود لحرب المدنيين

في الحروب الأهلية، لا تكون الأسلحة مجرد أدوات للقتال، بل تتحول إلى عوامل تحدد مدة الصراع، وقدرة الأطراف على الاستمرار، وحجم الدمار الذي يمكن أن تلحقه بالمجتمع. وكلما حصلت الأطراف المتحاربة على معدات أكثر تطوراً، وذخائر أكثر وفرة، ووسائل استطلاع وضرب بعيدة المدى، تراجعت فرص انتهاء الحرب عبر استنزاف القدرات العسكرية، وازدادت المخاطر على السكان المدنيين. وهذا ما يجعل الدور المصري والتركي في الحرب السودانية موضوعاً يتجاوز العلاقات الثنائية إلى سؤال المسؤولية عن استمرار العنف.
فالسودان منذ أبريل 2023 يعيش حرباً لم تترك قطاعاً من الحياة العامة إلا وأصابته. المدن تحولت إلى ساحات قتال، والمستشفيات خرجت عن الخدمة، والأسواق تعرضت للنهب والقصف، والمدارس توقفت، وملايين الأسر أصبحت تعتمد على المساعدات الإنسانية. ولم يعد النزوح حدثاً مؤقتاً في حياة السودانيين، بل أصبح واقعاً يهدد جيلاً كاملاً بفقدان التعليم والاستقرار والروابط الاجتماعية.
في هذا السياق، يصبح من الضروري النظر إلى الدول التي تمد أطراف الحرب بالسلاح أو التكنولوجيا العسكرية، لأن مسؤولية استمرار القتال لا تقع فقط على من يضغط على الزناد، وإنما تمتد أيضاً إلى الجهات التي تجعل استمرار استخدام السلاح ممكناً.
لقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في 25 يوليو 2024 وصول أسلحة ومعدات عسكرية حديثة من دول بينها تركيا إلى السودان، مشيرة إلى أن بعض هذه الأسلحة والمعدات قد وصلت إلى مناطق النزاع في دارفور، رغم وجود حظر أممي على توريد السلاح إلى الإقليم. كما وثقت المنظمة صادرات تركية من أسلحة خفيفة وذخائر، ودعت إلى التحقيق في مسارات وصولها والجهات المستفيدة منها.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تجارة أسلحة تقليدية. ففي مارس 2025 نشرت «واشنطن بوست» تحقيقاً موسعاً عن صفقات تركية للجيش السوداني، مستندة إلى وثائق ومراسلات وصور وسجلات تجارية. وتحدث التحقيق عن توريد ثماني طائرات مسيّرة من طراز «بيرقدار TB2»، إلى جانب مئات الذخائر، ضمن صفقة قُدرت قيمتها بما لا يقل عن 120 مليون دولار. كما أشار إلى متابعة فنية من ممثلين مرتبطين بالشركة المصنعة.
إن أهمية هذه المعلومات تكمن في أن الطائرات المسيّرة غيرت طبيعة الحرب السودانية. فهذه التكنولوجيا تمنح القوات التي تمتلكها قدرة أكبر على المراقبة والاستهداف وتنفيذ الضربات على مسافات بعيدة. وقد يؤدي ذلك إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية لتشمل مناطق كانت تعتبر بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية.
ولا يمكن الجزم بأن كل ضربة تنفذها طائرة مسيّرة تستهدف المدنيين، كما لا يمكن اعتبار مجرد امتلاك هذه التكنولوجيا دليلاً على ارتكاب جريمة. لكن مسؤولية الموردين تتضاعف عندما يعلمون أن السلاح يدخل إلى حرب تشهد انتهاكات موثقة، وأن هناك مخاطر جدية من استخدامه في عمليات لا تحترم قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
أما الدور المصري، فيتخذ أهمية إضافية بسبب الجغرافيا والتداخل الأمني والعسكري بين البلدين. فالقاهرة لا تنظر إلى السودان باعتباره دولة بعيدة، بل باعتباره جاراً مباشراً يرتبط بأمنها القومي ومياه النيل والحدود الجنوبية. ولهذا حرصت منذ بداية الحرب على الحفاظ على علاقة قوية مع قيادة الجيش السوداني.
وقد تناولت تقارير أوروبية ودولية اتهامات ومعلومات عن تقديم مصر دعماً عسكرياً أو استخباراتياً أو لوجستياً للجيش السوداني. وفي المقابل، نفت القاهرة تقديم أسلحة للجيش، وأكدت أن موقفها يستند إلى دعم وحدة السودان ورفض تفككه. ويجب وضع هذه المواقف المتعارضة في إطارها الصحيح، مع التمييز بين ما أكدته مصادر مستقلة وما بقي في نطاق الاتهامات.
لكن التطورات اللاحقة جعلت القضية أكثر حساسية. فتحقيق رويترز المنشور في فبراير 2026 كشف عن نشر طائرات «أكينجي» التركية الصنع في قاعدة مصرية قرب الحدود السودانية، وعن توسع في التجهيزات العسكرية في مطارات مصرية جنوبية. وذكر التحقيق أن مصادر أمنية مصرية أقرت بوجود دعم لوجستي وتقني للقوات السودانية، في حين بقيت تفاصيل العمليات المحتملة غير مؤكدة رسمياً.
إن هذه المعطيات تضع المنطقة أمام معادلة خطيرة: مصر توفر البيئة الجغرافية والأمنية التي قد تسهل تشغيل معدات عسكرية متطورة، وتركيا ترتبط بصناعة بعض هذه المعدات وتوريدها، والجيش السوداني يستفيد من التكنولوجيا في عملياته. وفي المقابل، يبقى المدنيون السودانيون عرضة لنتائج تصعيد عسكري لا يملكون أي قدرة على التحكم فيه.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان من حق الجيش السوداني امتلاك وسائل الدفاع عن نفسه، وإنما ما إذا كانت هذه الوسائل تُستخدم ضمن استراتيجية لإنهاء الحرب وحماية السكان، أم ضمن مسار يجعل الحسم العسكري غاية في حد ذاته.
إن قيادة البرهان تتحمل مسؤولية مباشرة عن اختيار استراتيجية الحرب، وعن تحديد أهداف العمليات العسكرية، وعن احترام القانون الدولي الإنساني. ولا يمكنها أن تبرر الانتهاكات المحتملة بوجود دعم خارجي أو بكون الطرف الآخر ارتكب انتهاكات مماثلة. فالمسؤولية القانونية فردية ومؤسسية، ولا تسقط بسبب طبيعة الخصم.
وفي المقابل، لا تستطيع القاهرة وأنقرة الاكتفاء بالقول إن السلاح موجه إلى مؤسسة عسكرية رسمية. فالدول المصدرة للسلاح مطالبة بتقييم خطر استخدام المعدات في ارتكاب انتهاكات جسيمة، وبمنع عمليات النقل عندما تتوافر أسباب جدية للاعتقاد بأن السلاح قد يستخدم في خرق القانون الدولي.
إن الحرب السودانية تقدم مثالاً واضحاً على كيف يمكن للتكنولوجيا العسكرية أن تطيل النزاع. فبدلاً من أن تكون الطائرات المسيّرة وسيلة لفرض الردع أو حماية الحدود، تتحول في غياب التسوية السياسية إلى عنصر إضافي في سباق القوة، حيث يسعى كل طرف للحصول على منظومات أكثر تطوراً حتى لا يتراجع أمام خصمه.
وهكذا تصبح الحرب عملية استنزاف مستمرة، يدفع ثمنها المدنيون من أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبل أطفالهم. وكلما ازداد الاعتماد على السلاح، تراجعت فرص الحل السياسي، لأن كل طرف يعتقد أن الميدان قد يمنحه ما لم يتمكن من الحصول عليه على طاولة المفاوضات.
ومن المهم أيضاً ألا تختزل الأزمة في توريد الأسلحة وحده. فهناك المصالح الاقتصادية المرتبطة بالتعدين والزراعة والموانئ، وهناك النفوذ السياسي الذي تسعى الدول إلى تثبيته عبر علاقاتها مع القيادات العسكرية. وقد كشفت الوثائق التي أوردتها «واشنطن بوست» عن تداخل بين صفقات السلاح التركية ومناقشات حول فرص اقتصادية في ميناء أبو عمامة والتعدين.
هذا التداخل يطرح مخاطر تتعلق بالشفافية وباحتمال تحول المساعدات العسكرية إلى مدخل للحصول على امتيازات استراتيجية. وفي دولة تعيش حرباً، قد تكون قدرة المجتمع على مراقبة هذه الصفقات محدودة للغاية، وهو ما يفتح المجال أمام ترتيبات لا تعكس بالضرورة المصالح العامة للسودانيين.
إن وقف المأساة السودانية يحتاج إلى موقف دولي واضح يقوم على وقف تدفق الأسلحة، وإخضاع عمليات التوريد للمراقبة، والتحقيق في الانتهاكات التي طالت المدنيين، وفرض ضمانات حقيقية لحماية المنشآت المدنية. كما يحتاج إلى ضغط جاد على البرهان وقيادة الدعم السريع من أجل القبول بوقف إطلاق النار والانخراط في عملية سياسية لا تحتكرها البنادق.
أما مصر وتركيا، فالمطلوب منهما أن تثبتا أن علاقاتهما مع السودان ليست مجرد استثمار في سلطة عسكرية أو في ميزان القوة. فإذا كانتا تريدان فعلاً استقرار السودان، فإن المساهمة الحقيقية تبدأ بوقف أي دعم عسكري يمكن أن يغذي استمرار الحرب، وبالمساعدة في بناء مؤسسات مدنية قادرة على حماية الدولة.
فالمدني السوداني لا يحتاج إلى طائرة مسيّرة جديدة بقدر ما يحتاج إلى مستشفى يعمل، ومدرسة تفتح أبوابها، وبيت لا يتعرض للقصف، وشارع لا يخشى فيه الإنسان على حياته.
إن السلاح قد يغير خريطة السيطرة، لكنه لا يصنع وطناً مستقراً. وما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من القوة النارية، بل قراراً سياسياً يضع حياة السودانيين فوق حسابات القاهرة وأنقرة والقيادة العسكرية في الخرطوم.




