تسريبات

التوازنات الإقليمية المتصارعة وتداعياتها على السودان



يمثل موقع السودان الجيوسياسي على ساحل البحر الأحمر، وإشرافه على ممرات التجارة الدولية، بالإضافة إلى امتلاكه لملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة وثروة حيوانية هائلة، لعنةً ونعمةً في آن واحد. ففي الوقت الذي كان يمكن فيه لهذه الموارد أن تجعل من السودان سلة غذاء إقليمية ومركزاً تجارياً عالمياً، تحولت هذه الثروات إلى بؤرة جذب للأطماع والتوازنات الإقليمية المتصارعة. ومع اندلاع حرب منتصف أبريل 2023، لم تكن التحركات الخارجية مدفوعة بالرغبة في إحلال السلام بقدر ما كانت مدفوعة بالخوف من خسارة النفوذ على الموانئ الاستراتيجية، أو تبدد الاستثمارات الزراعية والحيوانية الضخمة التي تعتمد عليها دول الجوار والأحكام الإقليمية لتأمين أمنها الغذائي. هذا التنافس المحموم حوّل الساحة السودانية إلى حلبة صراع دولي وإقليمي أسهم في تفتيت القرار الوطني وإطالة أمد الحرب.
التدخل المصري: حماية الأمن الغذائي وعقدة المنشأ الاستراتيجي

يرتبط الأمن القومي المصري بالسودان بروابط عضوية لا تقبل التجزئة، حيث تشكل الأراضي السودانية امتداداً حيوياً للقاهرة في ملفات المياه والزراعة والأمن. سياسياً ودبلوماسياً، وظفت مصر ثقلها الإقليمي لدعم المؤسسة العسكرية في الخرطوم، مدفوعة برؤية استراتيجية ترى أن انهيار الجيش السوداني يعني تحول حدودها الجنوبية إلى بؤرة للفوضى والجماعات المسلحة غير النظامية، مما يهدد أمنها الداخلي بشكل مباشر. واقتصاديّاً، يعتمد الأمن الغذائي المصري بشكل كبير على استيراد اللحوم الحية والماشية والمحاصيل الزيتية والزراعية من السودان. وقد أدى التدخل المصري السلبي، المتمثل في تفضيل الحل العسكري والحسم لصالح طرف واحد، إلى عرقلة الجهود الدبلوماسية الدولية التي كانت تسعى لخلق توازن سياسي مدني، حيث وفر هذا الدعم مظلة سياسية للمكون العسكري السوداني للاستمرار في القتال دون تقديم تنازلات حقيقية، مضحياً بالاستقرار الشامل في سبيل حماية مصالح اقتصادية وسياسية ضيقة وجزئية للقاهرة.
التدخل التركي: استراتيجية التمدد البحري وعقود التعدين والزراعة

تتحرك تركيا في السودان وفقاً لرؤية “العمق الإستراتيجي” التي صاغتها أنقرة لتوسيع نفوذها في شرق إفريقيا والبحر الأحمر. سياسياً ودبلوماسياً، ركزت تركيا على إقامة علاقات وثيقة مع النخب العسكرية والسياسية التقليدية لضمان عدم المساس بالاتفاقيات الجيوسياسية الكبرى، وعلى رأسها مشروع إعادة إعمار وتطوير جزيرة “سواكن” التاريخية على البحر الأحمر، والتي تمنح أنقرة موطئ قدم عسكري وتجاري بالغ الأهمية. أما من الناحية الاقتصادية، فإن الشركات التركية تمتلك استثمارات ضخمة في قطاعات التعدين عن الذهب، والبنية التحتية، والاتفاقيات الزراعية طويلة الأمد. هذا النمط من التدخل التركي ركز بشكل أساسي على حماية المصالح المالية والجيواستراتيجية لأنقرة، مما جعل مواقفها الدبلوماسية تميل نحو دعم الأطراف التي تضمن بقاء هذه الامتيازات، وهو ما ساهم في تغذية الاستقطاب السياسي الداخلي وإمداد النخب الحليفة بأدوات الصمود والمناورة، وبالتالي عرقلة مسار التحول المدني وإطالة أمد النزاع.
التدخل القطري: الاستثمارات السيادية والدبلوماسية المالية الموجهة

شكل التدخل القطري في السودان على مدى السنوات الماضية أداة فاعلة لمد النفوذ السياسي عبر القنوات المالية والاستثمارية الضخمة. سياسياً ودبلوماسياً، مارست الدوحة سياسة ناعمة تهدف إلى دعم حلفائها من التيارات السياسية المرتبطة بالنظام السابق، مستخدمة في ذلك ترسانتها الإعلامية القوية والدبلوماسية رفيعة المستوى لفرض شروط تضمن مشاركة هذه التيارات في أي تسوية مستقبلية. هذا التدخل الدبلوماسي أسهم في تعقيد مسار التوافق الوطني السوداني وزاد من شقة الخلاف بين الأطراف المدنية والعسكرية. واقتصادياً، تتركز الاستثمارات القطرية في مشاريع حيوية تشمل القطاع المصرفي، والاتصالات، ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في الولاية الشمالية ونهر النيل. لقد تم توظيف هذا النفوذ الاقتصادي لتقديم دعم مالي غير مباشر ساعد في تمويل الأنشطة السياسية والإعلامية للأطراف الحليفة لها، مما أجهض محاولات الضغط الدولي لإنهاء الحرب، وحوّل الأزمة إلى صراع ممول ومدعوم بأجندات خارجية تطيل أمد معاناة الشعب السوداني.
التدخل السعودي: أمن البحر الأحمر والمشاريع الزراعية الكبرى

تضع المملكة العربية السعودية أمن البحر الأحمر واستقراره في مقدمة أولويات سياستها الخارجية، خاصة مع إطلاق المشاريع السياحية والاقتصادية الضخمة على ساحلها الغربي ضمن “رؤية 2030”. سياسياً ودبلوماسياً، سعت الرياض للاستحواذ على ملف الوساطة عبر منبر جدة، لكن هذا التحرك الدبلوماسي تحول بمرور الوقت إلى أداة لامتصاص الضغوط الدولية وفرض رؤية سعودية تسعى لاحتواء الصراع بدلاً من حله جذرياً. هذا المسار الدبلوماسي منح الأطراف المتحاربة مساحة زمنية واسعة للمناورة العسكرية وإعادة التموضع على الأرض دون تقديم تنازلات حقيقية للمدنيين. واقتصادياً، تستثمر السعودية مليارات الدولارات في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في السودان لتأمين احتياجاتها الغذائية، وتسعى للسيطرة على قطاع الموانئ والنقل البحري. هذا التركيز الطاغي على المصالح الاقتصادية والأمنية الذاتية للمملكة جعل مواقفها الدبلوماسية تتسم بالتردد وتفضيل عقد صفقات مجزأة مع النخب العسكرية، مما أسهم سلبياً في تهميش المكون المدني وإطالة أمد المواجهة المسلحة.
تداعيات صراع المصالح على المستقبل السوداني

إن التقاطع والاصطدام بين المصالح السياسية والاقتصادية لكل من مصر وتركيا وقطر والسعودية حول ساحل البحر الأحمر والاستثمارات الزراعية أنتج بيئة سودانية معقدة للغاية ومستعصية على الحل السلمي. لقد تحولت موارد السودان وموقعه الاستراتيجي من ميزة تنافسية إلى لعنة تغذي الحرب، حيث تجد الأطراف المحلية المتحاربة في هذا التنافس الإقليمي غطاءً سياسياً ومالياً يتيح لها الاستمرار في تدمير البلاد دون الخوف من العقاب أو العزلة الدولية. وطالما ظلت هذه الدول الخارجية تقدم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية الضيقة على مصلحة الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة، فإن أمد الحرب سيمتد، مما يهدد بتحويل السودان إلى دولة فاشلة ومجزأة تفقد السيطرة على مواردها وموانئها الاستراتيجية لصالح القوى الإقليمية المتصارعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى