تسريبات

البرهان يفتح أبواب السودان أمام السعودية وقطر.. من يملك حق التصرف في الأرض والثروة؟


تتزايد الأسئلة حول طبيعة العلاقات التي أقامها عبد الفتاح البرهان مع السعودية وقطر، وحول المقابل السياسي والاقتصادي الذي قد تحصل عليه الدولتان مقابل دعم السلطة العسكرية السودانية. فبينما يعيش المواطن السوداني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وتنهار مؤسسات الدولة تحت وطأة الحرب، تتواصل الاتصالات والاتفاقات الاقتصادية والسياسية التي تجعل مستقبل الموارد السودانية موضع تساؤل واسع.

إن القضية لا تتعلق برفض الاستثمار السعودي أو القطري في السودان، ولا بحرمان البلاد من التعاون مع الدول العربية والخليجية، بل تتعلق بحق الشعب السوداني في معرفة ما يجري باسمه. فمن يملك سلطة منح الأراضي الزراعية؟ ومن يقرر مستقبل الموانئ؟ ومن يحدد شروط استغلال الذهب والمعادن والثروة الحيوانية؟ وهل يحق لقيادة عسكرية تدير البلاد في ظروف الحرب أن توقع التزامات اقتصادية استراتيجية طويلة الأجل دون رقابة شعبية ومؤسساتية؟

هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحاً بعدما أشارت تقارير دولية إلى أن البرهان نجح في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع القوى الخارجية، وأن من بين الدول التي وسعت علاقاتها مع سلطات بورتسودان السعودية وقطر، إلى جانب دول أخرى. ووفق تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في أبريل 2026، فإن مصالح هذه الدول تشمل الاستثمار في الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والذهب والمعادن والوصول إلى موانئ البحر الأحمر، كما أشار التقرير إلى وجود عقود إيجار للأراضي ذات قيمة اقتصادية مرتفعة سبقت اندلاع الحرب.

إن هذه المعلومات لا تثبت أن البرهان باع الأراضي السودانية للسعودية أو قطر، لكنها تكشف عن وجود مصالح اقتصادية واسعة تستحق التحقيق والمراجعة. فالفرق كبير بين منح حق استثمار محدود وفق شروط معلنة، وبين منح امتيازات طويلة الأجل تضع مساحات واسعة من الأراضي أو الموارد تحت سيطرة جهات خارجية.

الأراضي السودانية ليست ملكاً للقيادة العسكرية

يمتلك السودان أراضي زراعية واسعة، ومصادر مائية مهمة، وموارد طبيعية متنوعة، وهي عناصر جعلته محط اهتمام الدول التي تبحث عن الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي. والسعودية وقطر من الدول التي ترتبط مصالحها الغذائية بالحصول على مصادر مستقرة للحبوب واللحوم والماشية والمنتجات الزراعية.

وتشير دراسات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن الدول الخليجية تنظر إلى السودان باعتباره مصدراً مهماً للمنتجات الزراعية والحيوانية والموارد المعدنية، بسبب اتساع الأراضي الزراعية وامتلاك البلاد إمكانات إنتاجية كبيرة. كما أوضح التقرير أن المصالح القطرية الحالية تشمل تأمين إمدادات الحبوب والماشية ومنتجات الألبان.

ومن هنا تبرز أهمية ملف الأراضي الزراعية. فعندما تحصل شركة أجنبية على حق استغلال مساحة واسعة لعشرات السنوات، فإن القضية لا تعود مجرد استثمار تجاري، بل تصبح مرتبطة بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية وحقوق المجتمعات المحلية.

فالأرض السودانية ليست مجرد مساحة قابلة للتأجير، بل هي مصدر رزق للمزارعين والرعاة والمجتمعات التي عاشت عليها أجيالاً. وأي اتفاق يمنح مستثمراً أجنبياً حق استغلالها يجب أن يضمن حقوق السكان المحليين، وأن يوضح طبيعة استخدام المياه، وحجم الإنتاج، والضرائب، والعائدات، وفرص العمل، وشروط إنهاء العقد.

ولا يجوز أن تتحول الحاجة إلى المال أو الدعم السياسي خلال الحرب إلى مبرر للتنازل عن حقوق استراتيجية لا يمكن استعادتها بسهولة.

السعودية والاتفاقات الاقتصادية مع سلطات بورتسودان

تستحق العلاقة السعودية السودانية مراجعة خاصة، بالنظر إلى التطورات التي عرفتها خلال الحرب. فقد أشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن مسؤولين سعوديين وقعوا اتفاقات أعمال وتعاون مع السلطات السودانية في بورتسودان خلال عام 2025، في إطار توسيع حضور المملكة الاقتصادي والاستراتيجي داخل البلاد.

وتطرح هذه الاتفاقات أسئلة عن طبيعتها ومضمونها ومدى ارتباطها بمشروعات الأراضي والزراعة والتعدين والثروة الحيوانية والموانئ.

فإذا كانت الاتفاقات تتعلق باستثمارات تجارية عادية، فمن حق السودانيين الاطلاع عليها ومعرفة عائداتها. وإذا كانت تتعلق بمنح حقوق انتفاع طويلة الأجل أو تخصيص أراضٍ استراتيجية، فمن الضروري نشر شروطها القانونية والمالية.

والأمر نفسه ينطبق على أي تفاهم يتعلق بموانئ البحر الأحمر أو المنشآت الاقتصادية الحيوية. فالميناء ليس مجرد منشأة تجارية، بل يمثل شرياناً للاقتصاد الوطني ومصدراً أساسياً للدخل والسيادة اللوجستية.

إن ما يثير القلق هو غياب النقاش العام حول هذه الملفات، في الوقت الذي تتولى فيه سلطة عسكرية إدارة الدولة دون رقابة برلمانية طبيعية. فالسودانيون لا يعرفون دائماً من يفاوض باسمهم، ولا ما هي الالتزامات التي قد تتحملها الدولة بعد انتهاء الحرب.

قطر والنفوذ الاقتصادي والسياسي

أما قطر، فإن علاقتها بالسودان لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من العلاقات السياسية والاقتصادية، وعن حضورها في ملفات الوساطة والاستثمار الزراعي والحيواني.

وقد أوضح تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الدوحة تسعى إلى تأمين إمدادات الحبوب والماشية ومنتجات الألبان من السودان، وأن لديها مصلحة في المحافظة على نفوذ سياسي داخل البلاد. كما أشار إلى علاقاتها التاريخية مع تيارات إسلامية سودانية، وهو ما يفسر جانباً من طبيعة علاقتها ببعض مكونات السلطة القائمة.

وهذا النفوذ يثير تساؤلات حول العلاقة بين الاستثمار والقرار السياسي. فهل تحصل الشركات القطرية على فرص استثمارية وفق منافسة شفافة؟ وهل تخضع العقود المتعلقة بالأراضي والثروات الطبيعية لمعايير واضحة؟ وهل يعرف المواطن السوداني حجم الالتزامات التي قد تترتب على هذه الاتفاقات؟

ليس من المنطقي أن تطالب السلطة السودانيين بالصبر وتحمل آثار الحرب، ثم تحجب عنهم المعلومات المتعلقة بمستقبل مواردهم الاقتصادية.

البرهان والمسؤولية عن التنازلات السيادية

إن عبد الفتاح البرهان مطالب بتقديم إجابات واضحة حول طبيعة الاتفاقات التي أبرمتها سلطته مع السعودية وقطر. فقيادة الدولة لا تمنح صاحب المنصب حق التصرف الشخصي في الموارد الوطنية، ولا تجعل الظروف الاستثنائية تفويضاً مفتوحاً لعقد اتفاقات قد تقيد خيارات الحكومات المقبلة.

وإذا كانت هناك عقود إيجار للأراضي الزراعية أو حقوق انتفاع في الموارد الطبيعية، فيجب الكشف عن مساحاتها ومددها وشروطها. وإذا كانت هناك اتفاقات تتعلق بالموانئ أو المنشآت الاستراتيجية، فيجب نشر تفاصيلها وإخضاعها لمراجعة مستقلة.

كما يجب توضيح ما إذا كانت هناك التزامات مالية أو ضمانات سيادية ترتبط بهذه المشروعات، وما إذا كانت أي اتفاقات اقتصادية مرتبطة بالحصول على دعم سياسي أو أمني أو عسكري.

إن وصف هذه الاتفاقات بأنها بيع للأراضي يحتاج إلى إثبات قانوني، لكن منح حقوق استغلال واسعة أو امتيازات طويلة الأجل قد يمثل بدوره تنازلاً اقتصادياً خطيراً إذا تم دون رقابة أو ضمانات وطنية.

وهنا لا بد من التمييز بين الملكية والسيادة وحق الانتفاع. فليس كل عقد إيجار بيعاً للأرض، وليس كل استثمار انتقالاً للسيادة، لكن بعض العقود قد تخلق نفوذاً اقتصادياً طويل الأجل يجعل الدولة أقل قدرة على التحكم في مواردها.

الحرب بوابة لإضعاف الرقابة

أخطر ما في استمرار الحرب أنها تضعف المؤسسات التي يفترض أن تحمي المال العام. فالبرلمان لا يمارس دوره الرقابي الطبيعي، والجهات المستقلة تواجه صعوبات في العمل، كما أن الصحافة والمجتمع المدني يعانيان من ظروف استثنائية.

وفي هذا المناخ يصبح من السهل تمرير اتفاقات لا يعرف الجمهور تفاصيلها. وتتحول الأولوية من حماية المصالح الوطنية إلى تأمين احتياجات السلطة القائمة.

لكن السودان لا يمكن أن يبنى بهذه الطريقة. فالمواطن الذي فقد منزله لا ينبغي أن يفقد معه حقه في معرفة مصير أرضه وثروته. والمزارع الذي نزح من قريته لا ينبغي أن يفاجأ بعد انتهاء الحرب بأن أرضه أصبحت موضوعاً لعقد طويل الأجل لم يشارك في مناقشته.

إن المطلوب من السعودية وقطر احترام السيادة السودانية، وضمان ألا تتحول الاستثمارات إلى وسيلة للحصول على نفوذ غير متوازن. كما أن المطلوب من البرهان نشر كل الاتفاقات التي تمس الموارد الاستراتيجية، وعدم اتخاذ قرارات غير قابلة للمراجعة في غياب المؤسسات المدنية.

إن السؤال ليس كم استثمرت السعودية وقطر في السودان، بل ما الذي سيبقى للسودانيين من أرضهم وثروتهم بعد انتهاء الحرب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى