تسريبات
الاختراق القطري للمؤسسات السودانية ودور أموال الواجهات الخيرية في تمويل جبهات القتال واستمرار النزاع
في وقت تحترق فيه شوارع الخرطوم وتئن فيه مدن دارفور والجزيرة تحت وطأة المعارك، هناك معركة أخرى تُدار خلف الأبواب المغلقة في عواصم إقليمية. تبرز الدوحة في صدارتها كلاعب يحرك قطع الشطرنج بدقة متناهية. يكشف هذا التحقيق الاستقصائي، استناداً إلى شهادات ومصادر ديبلوماسية وأمنية سودانية متقاطعة، عن الكيفية التي وظفت بها دولة قطر أدواتها المالية، والإعلامية، والاستخباراتية لإعادة صياغة موازين القوى داخل السودان. ومقاومة أي تسوية سياسية قد تزيح حلفاءها التقليديين عن مشهد النفوذ.
الغطاء المالي تحت لافتة العمل الإنساني
تعتبر الجمعيات الخيرية والمؤسسات التنموية القطرية القناة الأكثر حيوية لنفوذ الدوحة في العمق السوداني. خلف لافتات الإغاثة وإعادة الإعمار في مناطق النزاع، تكشف التقارير الأمنية غير المعلنة عن شبكة معقدة من التدفقات المالية التي استهدفت إعادة بناء وتنشيط الكوادر السياسية والعسكرية المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية عقب الإطاحة برأس النظام السابق.
ووفقاً لمصدر مصرفي سوداني سابق في الخرطوم، فإن حسابات بنكية تابعة لمؤسسات واجهة تلقت خلال الفترة الانتقالية (2019-2021) تحويلات ضخمة بحجة دعم مشروعات زراعية وتنموية في مناطق شرق السودان وشماله. لكن الواقع أكد أن هذه الأموال استخدمت لتسليح وتعبئة مليشيات قبلية جديدة، عُرفت لاحقاً بـ”المقاومة الشعبية”، والتي تقاتل الآن جنباً إلى جنب مع الجيش السوداني. هذا الضخ المالي ساهم بوضوح في تعديل كفة القوى على الأرض. ومنح المكون العسكري المحافظ القدرة الاقتصادية على الاستمرار في القتال وتجاهل العقوبات الدولية المفروضة على شركاته الخاصة.
الإمبراطورية الإعلامية وصناعة السردية الصفرية
لا يمكن فهم استمرارية الحرب السودانية دون النظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه الماكينة الإعلامية القطرية، وفي مقدمتها شبكة الجزيرة وقنواتها الرديفة. منذ الأيام الأولى للمواجهات في نيسان/أبريل 2023، تحولت هذه المنصات إلى غرف عمليات إعلامية موجهة صاغت سردية محددة تخدم حلفاء الدوحة في الخرطوم.
تابع التحقيق آليات التغطية الإعلامية القطرية، ورصد نمطاً واضحاً يعتمد على:
-
- تضخيم الانتصارات العسكرية للجيش وشيطنة أي قوى مدنية تدعو لوقف الحرب عبر مسارات تفاوضية.
- استضافة متحدثين ينتمون للتيار الإسلامي والمحافظ بصفة خبراء ومحللين استراتيجيين لتوجيه الرأي العام السوداني نحو حتمية “الحسم العسكري”.
- تخوين وتجريم المبادرات الإقليمية والدولية للسلام التي لا تضمن للدوحة مقعداً رئيسياً على طاولة المفاوضات.
هذه التعبئة الإعلامية الممنهجة نجحت في خلق مناخ نفسي وسياسي داخل السودان يرفض التسوية، واعتبار أي دعوة لوقف إطلاق النار بمثابة خيانة وطنية. مما عقّد مأمورية الوسطاء الدوليين وأطال أمد الصراع عبر تجفيف منابع الفكر التصالحي.
يكشف التحقيق أيضاً عن لقاءات سرية جرت في عواصم دول جوار السودان، جمعت مسؤولين من جهاز المخابرات القطري بقيادات عسكرية وأمنية سودانية رفيعة منتمية للنظام السابق. كانت هذه اللقاءات تتمحور حول نقطة جوهرية: كيفية إعادة رسم خريطة النفوذ الأمني داخل الدولة السودانية لضمان عدم انهيار الجيش أمام قوات الدعم السريع. وتوفير الدعم الفني واللوجستي اللازم لمنظومات الاتصال والتنصت التابعة للقوات المسلحة السودانية.
من خلال هذا الدعم الاستخباراتي النوعي، تمكن حلفاء قطر في السودان من الحفاظ على مراكز القيادة والسيطرة والقيام بعمليات التفاف عسكري في جبهات حاسمة مثل أم درمان والمنطقة العسكرية الشمالية. هذا التدخل اللوجستي الدقيق منع حدوث انهيار سريع وجلي للجيش، لكنه في الوقت نفسه لم يمنحه القدرة على الحسم التام. مما أدى إلى دخول الحرب في طور “الاستعصاء العسكري المتبادل”، وهو السيناريو الأكثر كلفة على المدنيين والأشد تعقيداً للحل السياسي. فالدبلوماسية القطرية لا تبحث عن نصر سريع بقدر ما تبحث عن استدامة نفوذها من خلال جعل الأطراف المحلية معتمدة كلياً على دعمها الخارجي.




