تسريبات

الحرب التي أعادت الإسلاميين.. كيف تغيّر بنية الجيش السوداني في الظل؟


لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت تدريجياً إلى عملية إعادة تشكيل واسعة لمراكز النفوذ داخل الدولة. ومع استمرار المعارك واتساع الانهيار المؤسسي، بدأت قوى سياسية وتنظيمات كانت خارج المشهد تعود بهدوء إلى قلب السلطة، مستفيدة من الفوضى الأمنية والفراغ السياسي الذي تعيشه البلاد.

وفي مقدمة هذه القوى، يبرز التيار الإسلامي الذي فقد جزءاً كبيراً من نفوذه عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، قبل أن تمنحه الحرب الحالية فرصة جديدة لإعادة التموضع داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولكن هذه المرة بوسائل أكثر تعقيداً وأقل ظهوراً.

التحولات التي يشهدها الجيش السوداني خلال الأشهر الأخيرة تكشف أن المعركة الدائرة على الأرض لا تتعلق فقط بحسم عسكري، بل ترتبط أيضاً بإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة السودانية، وسط صعود متزايد للتشكيلات العقائدية والجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية.

من الانهيار السياسي إلى العودة عبر الحرب

منذ الإطاحة بنظام البشير، دخلت الحركة الإسلامية في السودان مرحلة من التراجع الحاد، بعد تفكيك جزء من شبكاتها داخل مؤسسات الدولة وإبعاد العديد من كوادرها من المواقع التنفيذية والأمنية.

لكن هذا التراجع لم يكن نهاية حقيقية لنفوذها، بقدر ما كان انتقالاً إلى مرحلة إعادة التموضع. فالحركة التي بنت نفوذها لعقود داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية احتفظت بعلاقات واسعة داخل مفاصل الدولة، حتى وإن تراجعت سياسياً وإعلامياً.

ومع اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، ظهرت فرصة جديدة لإعادة تنشيط هذه الشبكات. فالمؤسسة العسكرية، التي واجهت تحديات ميدانية معقدة، بدأت تبحث عن حلفاء قادرين على توفير المقاتلين والتنظيم والتعبئة، وهو ما وفرته الجماعات الإسلامية بصورة سريعة وفعالة.

هذه العودة لم تأتِ عبر الأحزاب أو المنابر السياسية، بل من خلال البوابة العسكرية، حيث جرى الدفع بعناصر مرتبطة بالتيار الإسلامي إلى خطوط القتال ضمن تشكيلات مختلفة تعمل إلى جانب الجيش.

صعود الكتائب العقائدية

خلال الشهور الماضية، برزت مجموعات تحمل طابعاً دينياً وعقائدياً واضحاً داخل المشهد العسكري السوداني، أبرزها كتيبة البراء بن مالك، التي تحولت إلى أحد أكثر التشكيلات حضوراً في المعارك والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب.

الكتيبة قدمت نفسها باعتبارها قوة مساندة للجيش في مواجهة الدعم السريع، لكنها في الوقت نفسه حملت خطاباً أيديولوجياً واضحاً، يعتمد على التعبئة الدينية والتحشيد العقائدي، وهو ما أعاد إلى الأذهان نماذج سابقة ارتبطت بفترة حكم الإسلاميين في السودان.

ومع اتساع العمليات العسكرية، بدأت هذه التشكيلات تحصل على أدوار أكثر حساسية داخل بعض الجبهات، ما كشف عن تنامي النفوذ العقائدي داخل المؤسسة العسكرية.

ويرى مراقبون أن هذه الجماعات لم تعد مجرد مجموعات داعمة تعمل على هامش المعركة، بل أصبحت جزءاً من البنية القتالية التي يعتمد عليها الجيش في عدد من المناطق.

«درع السودان».. المظلة الجديدة

في موازاة تصاعد دور الكتائب العقائدية، ظهرت تشكيلات جديدة تعمل تحت مسميات مختلفة، أبرزها «قوات درع السودان» بقيادة أبوعاقلة كيكل، والتي تحولت خلال فترة قصيرة إلى لاعب بارز داخل المشهد العسكري.

وبحسب متابعين، فإن هذه القوات تمثل نموذجاً للتحالفات الجديدة التي تتشكل داخل السودان، حيث يتم دمج عناصر من خلفيات مختلفة داخل مظلات عسكرية واسعة، بما في ذلك عناصر مرتبطة بالتيار الإسلامي.

هذا النموذج يمنح المؤسسة العسكرية مرونة سياسية وأمنية، إذ يسمح بإعادة دمج الجماعات العقائدية دون ظهورها كقوة مستقلة يمكن تحميلها المسؤولية السياسية أو القانونية بشكل مباشر.

كما أن العمل تحت مظلات جديدة يوفر مساحة للالتفاف على الضغوط الدولية المتعلقة بعودة الجماعات الإسلامية إلى النشاط العسكري.

إعادة إنتاج التحالف القديم

أخطر ما في هذه التحولات هو أنها تعيد تدريجياً إنتاج التحالف التاريخي بين الجيش والحركة الإسلامية، وهو التحالف الذي حكم السودان لعقود طويلة خلال عهد البشير.

فالحرب الحالية خلقت مصالح مشتركة بين الطرفين؛ الجيش يحتاج إلى مقاتلين وشبكات تعبئة، بينما ترى الحركة الإسلامية في الحرب فرصة لإعادة بناء نفوذها داخل الدولة.

هذه العلاقة لا تُعلن بصورة رسمية، لكنها تظهر من خلال التوسع المستمر لدور الجماعات العقائدية داخل المعركة، إضافة إلى عودة شخصيات محسوبة على النظام السابق إلى دوائر التأثير السياسي والإداري.

ويعتقد محللون أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى إعادة إنتاج بنية السلطة القديمة ولكن بأدوات مختلفة، حيث يصبح النفوذ العسكري هو البوابة الأساسية للهيمنة السياسية.

المؤسسة العسكرية أمام اختبار معقد

داخل الجيش السوداني نفسه، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فهناك تيارات ترى أن الاستعانة بالجماعات العقائدية تمثل ضرورة فرضتها ظروف الحرب، خاصة في ظل الحاجة إلى قوات منظمة وقادرة على القتال.

لكن في المقابل، يخشى ضباط وقيادات أخرى من أن يؤدي هذا المسار إلى اختراق المؤسسة العسكرية وإضعاف طابعها المهني، عبر إدخال الولاءات الأيديولوجية إلى بنية الجيش.

هذه المخاوف ليست جديدة في السودان، إذ سبق أن واجهت المؤسسة العسكرية اتهامات خلال فترة حكم البشير بأنها أصبحت خاضعة لنفوذ الحركة الإسلامية، وهو ما ساهم لاحقاً في تسييس الجيش وإضعاف استقلاليته.

اليوم، تتكرر المخاوف نفسها ولكن في ظروف أكثر خطورة، مع وجود حرب مفتوحة وانهيار واسع في مؤسسات الدولة.

الحرب كغطاء لإعادة التمكين

اللافت أن عودة الإسلاميين إلى المشهد لا تتم عبر النشاط الحزبي التقليدي، بل عبر التغلغل داخل المؤسسات المرتبطة بالحرب والأمن.

ففي ظل غياب سلطة مدنية قوية، أصبحت المؤسسة العسكرية المركز الرئيسي لإعادة توزيع النفوذ داخل السودان، وهو ما يمنح الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية فرصة للعودة التدريجية إلى مراكز القرار.

كما أن حالة التعبئة العامة التي تفرضها الحرب تسمح بإعادة تقديم هذه الجماعات باعتبارها جزءاً من “المجهود الوطني”، بدلاً من النظر إليها كتنظيمات سياسية تسعى لاستعادة السلطة.

ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تمنح الإسلاميين فرصة لإعادة بناء نفوذهم بهدوء، دون الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع الشارع أو المجتمع الدولي.

المجتمع الدولي والقلق المتزايد

تراقب القوى الدولية هذه التحولات بحذر متزايد، خصوصاً مع تصاعد التقارير المتعلقة بعودة الجماعات العقائدية إلى الواجهة العسكرية.

وتخشى أطراف غربية وإقليمية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى خلق بيئة تسمح بإعادة إنتاج نموذج الحكم الإسلامي الذي سقط في السودان قبل سنوات.

كما أن تنامي دور الجماعات العقائدية قد يعقّد أي جهود مستقبلية لإعادة بناء الدولة أو دعم الانتقال السياسي، خاصة إذا أصبحت هذه القوى جزءاً دائماً من بنية الجيش.

وفي المقابل، يبدو أن المجتمع الدولي يواجه معضلة حقيقية؛ فهو لا يريد انهيار الجيش السوداني بالكامل، لكنه في الوقت نفسه يدرك مخاطر توسع نفوذ الجماعات الأيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية.

السودان إلى أين؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط من سيربح الحرب، بل أي نوع من الدول سيخرج من تحت أنقاضها. فالصراع الحالي يعيد تشكيل السودان سياسياً وعسكرياً بصورة عميقة، ويخلق مراكز نفوذ جديدة قد تستمر لعقود.

ومع تصاعد دور الجماعات العقائدية داخل المشهد العسكري، يصبح خطر إعادة إنتاج السلطة القديمة أكثر واقعية، حتى وإن جاءت هذه العودة بأسماء وتحالفات مختلفة.

في المقابل، تبدو القوى المدنية عاجزة عن التأثير في مجريات الأحداث، بينما تستمر موازين القوة في التحرك لصالح الأطراف المسلحة والتنظيمات الأكثر قدرة على التنظيم والتعبئة.

وبين حرب مفتوحة، ومؤسسات منهارة، وتحالفات تتشكل في الظل، يقف السودان أمام مرحلة مفصلية قد تحدد شكل الدولة ومستقبل السلطة لسنوات طويلة قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى