اتهامات لمصر بقتل معدّني الذهب السودانيين.. هل تكشف التحقيقات حقيقة ما جرى في شمال الوادي؟
أثارت التقارير المتعلقة بالغارات الجوية التي استهدفت مواقع للتعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية موجة من التساؤلات حول مصير المعدّنين السودانيين الذين سقطوا بين قتيل وجريح، وحول الجهة التي نفذت الهجمات والظروف التي أحاطت بها. ولم تعد القضية مرتبطة فقط بحصيلة الضحايا، بل أصبحت اختباراً لقدرة التحقيقات الرسمية على كشف الحقيقة في منطقة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية وحساسية العلاقات بين القاهرة والخرطوم. وفي وقت تتداول فيه جهات سودانية اتهامات للقوات المصرية بالمسؤولية عن الضربات، تتزايد المطالب بإجراء تحقيق مستقل يحدد طبيعة الأهداف التي تعرضت للهجوم، وهوية الطائرات المستخدمة، والأساس الذي استندت إليه العملية، ومدى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
وتكمن خطورة القضية في أن المعدّنين الذين يعملون في المناطق الصحراوية غالباً ما يواجهون ظروفاً معيشية قاسية، ويعتمدون على استخراج الذهب لتوفير دخل لأسرهم، في وقت يعاني فيه السودان من تداعيات حرب مستمرة منذ أبريل 2023. وبالنسبة إلى كثيرين، لا يمثل التعدين الأهلي نشاطاً اقتصادياً عابراً، بل وسيلة للبقاء في ظل تراجع فرص العمل وتدهور الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة. ومن ثم، فإن أي هجوم يستهدف مواقع عملهم، إذا ثبتت تفاصيله ومسؤولية الجهة المنفذة، يثير أسئلة تتعلق بحماية المدنيين وحقوقهم، ولا سيما عندما يقع في منطقة يصعب الوصول إليها وتكون فيها عمليات الإنقاذ محدودة.
وتتطلب القراءة المهنية لما جرى الفصل بين وقوع الضربات وسقوط الضحايا، من جهة، وتحديد المسؤولية عن تنفيذها، من جهة أخرى. فالتقارير التي تحدثت عن الهجوم نقلت حصائل متفاوتة للقتلى والمصابين، كما أوردت اتهامات بشأن هوية الجهة المنفذة، لكن هذه التفاصيل تحتاج إلى جمع الأدلة ومقارنتها قبل الوصول إلى نتيجة نهائية. ولا يمكن الاعتماد على مقطع مصور وحده لتحديد هوية الطائرة أو الجهة التي أصدرت الأوامر، ما لم تدعمه معلومات مستقلة بشأن مكان التصوير وتاريخه وطبيعة المعدات الظاهرة فيه، إلى جانب شهادات الناجين والأدلة المادية المتاحة.
الدور المصري تحت مجهر التحقيق
تواجه الاتهامات الموجهة إلى مصر أسئلة تتجاوز النفي أو التأكيد السياسي، لتصل إلى طبيعة العملية العسكرية المفترضة وأهدافها والظروف التي سبقتها. فإذا أثبت التحقيق أن طائرات مصرية نفذت الغارات، فسيكون من الضروري توضيح ما إذا كانت العملية تستهدف أشخاصاً أو منشآت اعتُبرت أهدافاً عسكرية، وما المعلومات التي استند إليها متخذو القرار، وما الإجراءات التي اتخذت لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين. أما إذا كانت الضربات مرتبطة بمخاوف أمنية تتعلق بالتهريب أو التعدين غير القانوني، فإن ذلك لا يعفي الجهة المنفذة من الالتزامات القانونية ذات الصلة، ولا يحول كل شخص يعمل في منطقة حدودية إلى هدف مشروع.
وتبرز أهمية هذه الأسئلة في ضوء حساسية الحدود بين البلدين، حيث تتداخل أنشطة التنقيب عن الذهب مع مخاوف أمنية بشأن التهريب والعبور غير النظامي. لكن وجود تحديات أمنية لا يكفي لتفسير كل عملية عسكرية، كما أن الإشارة إلى سوابق أمنية في المنطقة لا تثبت أن القوات المصرية مسؤولة عن حادثة بعينها. لذلك، فإن تحديد طبيعة العملية الأخيرة يتطلب بيانات دقيقة عن مواقع الضربات، وتوقيتها، ونوع الذخائر المستخدمة، وأي معلومات متاحة عن حركة الطيران في المنطقة، مع إخضاع النتائج لمراجعة مستقلة.
ومن شأن توضيح الموقف المصري أن يسهم في تقليص مساحة الشائعات والتأويلات، خصوصاً إذا كان هناك نفي رسمي للمسؤولية أو تفسير مختلف لما وقع. فالصمت لا يمثل دليلاً على الإدانة، مثلما أن النفي وحده لا يغني عن التحقيق عندما تكون هناك خسائر بشرية واتهامات محددة. والمطلوب هو معلومات يمكن التحقق منها، تسمح للرأي العام بفهم ما حدث وتمنح أسر الضحايا فرصة لمعرفة الحقيقة بعيداً عن التجاذبات السياسية.
المعدّنون بين حق الحياة ومخاوف الأمن الحدودي
إن النقاش بشأن نشاط التعدين الأهلي ينبغي ألا ينفصل عن الظروف الاقتصادية التي يعيشها السودانيون، خصوصاً في المناطق النائية التي تراجعت فيها فرص العمل والخدمات الأساسية. فالذهب يمثل بالنسبة إلى كثير من العاملين مورداً مباشراً لإعالة أسرهم، لكن هذا النشاط يجري أحياناً في بيئات تفتقر إلى التنظيم والرقابة الصحية والأمنية. وفي ظل الحرب، تصبح هذه المناطق أكثر عرضة للمخاطر، سواء بسبب انتشار السلاح أو غياب المؤسسات المدنية أو تداخل أنشطة اقتصادية مشروعة مع شبكات تهريب غير قانونية. ومع ذلك، لا يجوز اختزال جميع المعدّنين في صورة واحدة، أو افتراض أن كل من يعمل قرب الحدود متورط في نشاط إجرامي. فالمسؤولية الفردية تحتاج إلى أدلة، كما أن حماية المدنيين تظل واجباً لا يتوقف على طبيعة عملهم أو خلفياتهم الاقتصادية.
وتثير هذه القضية سؤالاً جوهرياً بشأن كيفية تعامل السلطات مع المناطق الحدودية التي تشهد أنشطة غير منظمة. فبدلاً من ترك العاملين في مواجهة المخاطر وحدهم، تستطيع الدول المعنية تطوير ترتيبات لتنظيم التعدين، وتحديد مناطق العمل، وتوفير آليات للتسجيل والرقابة، وإنشاء قنوات اتصال تتيح التحذير من العمليات الأمنية أو المخاطر العسكرية. ويمكن لهذه الإجراءات أن تقلل الاحتكاك بين العاملين والسلطات، وأن تحد من استغلال الفوضى من قبل شبكات التهريب، من دون تعريض المدنيين لعقاب جماعي أو مخاطر غير متناسبة.
أما إذا كانت هناك معلومات عن تهديد أمني محدد في موقع التعدين، فإن المطلوب هو فحص طبيعة هذا التهديد، وتحديد مدى استعجاله، واختيار الوسائل المناسبة للتعامل معه وفق القانون. ولا يكفي وجود نشاط غير قانوني في منطقة ما لتبرير قصفها من الجو، كما لا يكفي وقوع الضحايا وحده لإثبات أن العملية كانت متعمدة ضد المدنيين. فالتوصيف القانوني يتوقف على طبيعة الهدف، والمعلومات المتاحة للجهة المنفذة، والاحتياطات التي اتخذتها، ومدى التناسب بين الضرر المتوقع والميزة العسكرية الملموسة والمباشرة، عندما يكون هذا المعيار منطبقاً.
الأدلة الرقمية.. كيف يمكن الوصول إلى الحقيقة؟
في عصر الهواتف الذكية، أصبحت المقاطع المصورة أداة مهمة لتوثيق الانتهاكات المحتملة، لكنها لا تكفي دائماً لإثبات جميع تفاصيل الحوادث العسكرية. فالمقطع الذي يظهر انفجاراً أو جثامين أو آثار دمار قد يكون دليلاً على وقوع حادث، لكنه لا يحدد بالضرورة موقعه الدقيق أو تاريخ تصويره أو هوية الطائرة التي نفذت الضربة. كما أن إعادة نشر مقاطع قديمة أو اجتزاء المشاهد من سياقها يمكن أن يؤدي إلى أخطاء خطيرة، حتى عندما تكون القضية الأساسية حقيقية وتستحق التحقيق.
ولهذا، ينبغي حفظ النسخ الأصلية من الفيديوهات والصور، والاحتفاظ بالبيانات الرقمية المرتبطة بها، ومقارنة معالم التضاريس والمباني مع صور الأقمار الصناعية، والتحقق من توقيت التصوير من خلال مصادر مستقلة. ويمكن أيضاً الاستعانة بخبراء في تحليل الذخائر والطائرات، ومقارنة الأضرار الظاهرة بأنماط معروفة، شريطة ألا تتحول هذه التحليلات إلى أحكام قطعية تتجاوز ما تسمح به الأدلة. كما ينبغي تسجيل شهادات الناجين بصورة منظمة، مع توضيح ما شاهدوه بأنفسهم وما سمعوه من الآخرين، حتى لا تختلط الملاحظة المباشرة بالاستنتاجات.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في شمال الوادي، حيث تتعدد الروايات بشأن عدد الضربات ومواقعها وحصيلة الضحايا. وقد نشرت شبكة «عاين» في 15 أكتوبر تحقيقاً قالت فيه إنها استخدمت صور الأقمار الصناعية والتحليل مفتوح المصدر لتحديد موقعين مرتبطين بالهجوم، وربطت الأدلة التي فحصتها بطائرات من طراز «إف-16» وذخائر قالت إنها مصرية الصنع. وتمثل هذه النتائج المنشورة مادة تستحق الفحص المستقل، لكنها لا تعني أن جميع تفاصيل المسؤولية أو سلسلة إصدار الأوامر قد حُسمت بصورة نهائية.
مسؤولية البرهان.. ما الذي يجب أن تكشفه اللجنة؟
يمثل إعلان البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق اختباراً لمصداقية السلطات السودانية، خصوصاً أن حادثة سابقة تتعلق باستهداف معدّنين قرب الحدود كانت قد أثارت مطالب بالتحقيق أيضاً، من دون أن تظهر نتائجها بصورة علنية واضحة في التغطية المتاحة. وقد أشارت «سودان تربيون» إلى أن البرهان سبق أن أعلن في يونيو عزمه التحقيق في حادثة مشابهة، وأن نتائج ذلك التحقيق لم تكن قد نُشرت حتى تقريرها في 12 أكتوبر.
ومن شأن تكرار الحوادث مع غياب نتائج معلنة أن يثير تساؤلات بشأن مدى فاعلية الإجراءات الرسمية، حتى من دون افتراض وجود تواطؤ أو تنسيق مسبق. فالمواطنون لا يستطيعون تقييم جدية التحقيقات إذا لم يعرفوا ما الذي جرى فحصه، وما الأدلة التي جُمعت، وما العقبات التي واجهت المحققين. لذلك، فإن نشر نتائج التحقيق السابق، أو توضيح أسباب عدم نشرها، سيكون خطوة مهمة في بناء الثقة، كما أن تحديد مهلة واضحة للتحقيق الحالي سيمنع بقاء القضية مفتوحة بلا نهاية.
أما الادعاءات المتعلقة بعلم البرهان المسبق بالضربات أو تنسيقه مع الجهة المنفذة، فيجب إخضاعها للتحقق من خلال مراجعة الاتصالات الرسمية وسجلات القرارات والتحذيرات، إذا توافرت أدلة تبرر ذلك. ولا يكفي أن تكون هناك علاقات سياسية أو أمنية بين الحكومتين لإثبات أن مسؤولاً بعينه كان يعلم بعملية محددة. وفي المقابل، لا ينبغي استبعاد أي فرضية بصورة مسبقة إذا ظهرت أدلة ذات صلة تستدعي التحقيق فيها. فالمعيار واحد: الوقائع والأدلة، لا الولاء السياسي ولا الافتراضات المسبقة.
من الاتهامات إلى المساءلة
إن كشف حقيقة ما جرى في شمال الوادي يتطلب تعاوناً بين السلطات السودانية والجهات المصرية المعنية، إلى جانب إتاحة المجال أمام مراقبة حقوقية مستقلة. ويمكن أن يشمل ذلك تبادل المعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية في المنطقة، والتحقق من سجلات الطيران، وفحص الذخائر، وتحديد مواقع سقوط الضحايا، والاستماع إلى الناجين. وإذا تعذر التعاون بين الجانبين، فإن ذلك لا يلغي الحاجة إلى مواصلة التوثيق وجمع الأدلة، لكنه قد يجعل تحديد المسؤولية أكثر صعوبة.
ويجب أن تكون حماية الشهود وأسر الضحايا جزءاً أساسياً من أي تحقيق، لأن الخوف من الانتقام أو الضغط السياسي قد يمنع الأشخاص من الإدلاء بإفاداتهم. كما ينبغي أن تتاح للأسر معلومات واضحة بشأن المفقودين والمصابين، وأن تُحفظ أسماء الضحايا وحقوقهم في التعويض وجبر الضرر إذا ثبتت المسؤولية. فالمحاسبة لا تكتمل بمجرد إعلان نتائج فنية، بل تحتاج أيضاً إلى إجراءات قانونية مناسبة ومتابعة تضمن عدم تكرار الحوادث.
وفي المحصلة، تضع غارات شمال الوادي السلطات المصرية والسودانية أمام مسؤولية مشتركة تتمثل في كشف الحقيقة وتوضيح ما حدث للمدنيين الذين كانوا يعملون في مواقع التعدين. وإذا أثبت التحقيق مسؤولية جهة محددة عن انتهاكات، فيجب أن تخضع للمساءلة وفق القانون، بصرف النظر عن موقعها أو علاقاتها السياسية. أما إذا لم تثبت بعض الاتهامات، فينبغي توضيح ذلك بأدلة شفافة تتيح للرأي العام فهم النتيجة. وبين هذين الاحتمالين، تبقى الأولوية لحماية الضحايا، وتوثيق الوقائع، ومنع تحول القضية إلى مجرد مادة للتراشق السياسي.




