تسريبات

أم قرفة.. قرية سودانية تدفع ثمن الحرب


في ريف شمال كردفان، حيث تمتد السهول والوديان وتتوزع القرى الصغيرة التي يعتمد سكانها على الزراعة والرعي، تقع قرية أم قرفة التي وجدت نفسها فجأة في قلب نزاع لا علاقة لها به. فوفقاً لروايات محلية، تعرّضت القرية لقصف جوي نُسب إلى الطيران الحربي التابع للجيش السوداني، في حادثة تُجسّد المأساة التي تعيشها مئات القرى السودانية العالقة بين نيران المتقاتلين.
يوم القصف.. دقائق غيّرت كل شيء
يروي سكان القرية أن صباح ذلك اليوم بدا عادياً حتى سُمع هدير الطائرات في السماء. لم يكن صوت الطائرات غريباً على المنطقة التي تشهد تحركات عسكرية متكررة، لكن ما ميّز تلك اللحظات هو أن الطائرات لم تمرّ مروراً عابراً، بل أخذت تحوم فوق القرية قبل أن تبدأ بإلقاء حمولتها.
ويقول أحد الشهود إن الانفجار الأول كان هائلاً لدرجة أن الأرض اهتزت تحت أقدامه، وإنه رأى سحابة من الغبار والدخان تتصاعد من وسط القرية. ثم توالت الانفجارات، وأخذ السكان يركضون في كل اتجاه بحثاً عن مأوى، بينما كانت شظايا المعدن والحجارة تتطاير في الهواء.
ويصف شاهد آخر كيف انهار منزل جاره بالكامل، وكيف هرع الأهالي بأيديهم العارية لرفع الأنقاض وإخراج من بداخلها. لم تكن هناك سيارات إسعاف، ولم تكن هناك فرق إنقاذ، ولم يكن هناك مستشفى قريب. كان هناك فقط أشخاص عاديون يحاولون إنقاذ جيرانهم وأقاربهم.
البراميل المتفجرة.. دمار شامل في قرية صغيرة
تُشير الروايات إلى أن القصف تضمّن إلقاء براميل متفجرة، وهي ذخائر عشوائية تُحدث دماراً واسعاً في محيط سقوطها. في قرية صغيرة مثل أم قرفة، حيث تتقارب المنازل وتضيق الأزقة، يُصبح تأثير هذه الذخائر مدمراً بشكل مضاعف. فموجة الانفجار لا تقتصر على نقطة السقوط، بل تمتد لتُدمّر المنازل المجاورة وتُصيب سكانها بالشظايا.
ويُقدّر السكان أن عدداً من المنازل دُمّر بالكامل، وأن منازل أخرى تصدّعت وأصبحت غير صالحة للسكن. كما لحقت أضرار بمسجد القرية وبئر المياه الذي يعتمد عليه الأهالي في الشرب والري. هذه الأضرار، رغم أنها قد تبدو “مادية” في التقارير، تعني في الواقع أن أسرة فقدت مأواها، وأن قرية فقدت مصدر مياهها، وأن مجتمعاً صغيراً فقد مقومات بقائه.
الطيران الحربي في سماء كردفان
لا يمكن فهم ما حدث في أم قرفة بمعزل عن السياق العسكري الأوسع في شمال كردفان. فمنذ اندلاع النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحوّلت ولايات كردفان إلى ساحة مواجهات عنيفة. ويلجأ الجيش السوداني إلى الطيران الحربي كأداة رئيسية في هذه المواجهات، مستفيداً من تفوقه الجوي في مواجهة قوات الدعم السريع التي تنتشر على الأرض.
غير أن هذا التفوق الجوي يتحوّل إلى نقمة على المدنيين عندما تُنفَّذ الغارات في مناطق مأهولة دون تمييز كافٍ بين الأهداف العسكرية والمدنية. وتُفيد تقارير محلية بأن الطائرات الحربية والمروحيات تحلّق بشكل شبه يومي فوق قرى وبلدات شمال كردفان، ما يُبقي السكان في حالة خوف دائم وترقّب مستمر.
النزوح.. مأساة إضافية
في أعقاب القصف، اضطر عدد من سكان أم قرفة إلى النزوح بحثاً عن الأمان. وتركوا وراءهم منازلهم وأراضيهم ومواشيهم وذكرياتهم. والنزوح في السياق السوداني ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو انهيار كامل لنمط حياة. فالأسر التي تعتمد على الزراعة تفقد موسمها، والأسر التي تعتمد على الرعي تفقد قطعانها، والأطفال يفقدون مدارسهم.
ويتوزع النازحون من أم قرفة والقرى المجاورة على مناطق أخرى في شمال كردفان أو في ولايات أخرى، حيث يواجهون ظروفاً إنسانية صعبة في ظل نقص حاد في الغذاء والماء والمأوى والرعاية الصحية. وتُحذّر منظمات إغاثية من أن استمرار القصف سيُفاقم أزمة النزوح ويُرهق الموارد الشحيحة أصلاً.
الأطفال.. الضحايا الصامتون
في كل حادثة قصف، يبقى الأطفال هم الضحايا الأكثر هشاشة. فهم لا يفهمون لماذا تسقط القنابل من السماء، ولا لماذا انهار منزلهم، ولا لماذا لم يعد صديقهم إلى المدرسة. والأثر النفسي للقصف على الأطفال قد يستمر لسنوات، ويتجلى في كوابيس متكررة، وخوف دائم من أصوات الطائرات، وصعوبة في التركيز والتعلم.
وتُشير تقارير منظمات حماية الطفل إلى أن جيلاً كاملاً من الأطفال السودانيين ينشأ في ظل الحرب، محروماً من التعليم والرعاية الصحية والأمان. وفي قرى مثل أم قرفة، حيث الخدمات أساساً محدودة، يكون الأثر على الأطفال أكثر حدة.
مطالب الأهالي.. بسيطة وعادلة
لا يطلب سكان أم قرفة الكثير. يريدون فقط أن يتوقف القصف، وأن يعودوا إلى حياتهم العادية، وأن يزرعوا أراضيهم ويرعوا مواشيهم ويُرسلوا أطفالهم إلى المدارس. يريدون أن يشعروا بأن هناك من يحميهم، وأن حياتهم لها قيمة.
ويُناشد الأهالي المنظمات الإنسانية والدولية التدخل لوقف القصف، وتوفير مساعدات عاجلة للمتضررين، وضمان عدم تكرار ما حدث. كما يُطالبون بإجراء تحقيق مستقل في حادثة القصف، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتعويض المتضررين.
أم قرفة ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي مجتمع من البشر لهم أحلامهم وحياتهم وكرامتهم. وما حدث فيها هو تذكير مؤلم بأن الحروب لا تُقاتل فيها الجيوش فقط، بل يدفع ثمنها الأبرياء. وما لم يتوقف هذا النزاع، ستبقى أم قرفة وأخواتها من القرى السودانية شاهدة على فشل العالم في حماية أبسط حقوق الإنسان: الحق في الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى