تسريبات
الطيران الحربي والبراميل المتفجرة في السودان.. بين الرواية الرسمية والواقع الميداني
يُمثّل استخدام الطيران الحربي في النزاع السوداني أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، إذ تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية بالإنسانية، والروايات الرسمية بالشهادات الميدانية، والمصالح السياسية بالمبادئ القانونية. وفي ظل تقارير متزايدة عن قصف جوي يستهدف مناطق مدنية، من بينها قرية أم قرفة في شمال كردفان، تبرز الحاجة إلى قراءة متأنية لهذا الملف من مختلف زواياه.
الرواية العسكرية الرسمية
يُصرّ الجيش السوداني في بياناته الرسمية على أن عملياته الجوية تستهدف حصراً مواقع عسكرية وتجمعات لقوات الدعم السريع. ويؤكد أن الطيران الحربي لا يستهدف المدنيين، وأن أي خسائر مدنية هي نتيجة “أضرار جانبية” ناتجة عن تمركز قوات الدعم السريع داخل الأحياء السكنية واستخدام المدنيين كدروع بشرية.
هذه الرواية تتكرر في معظم النزاعات المسلحة، حيث تُحمّل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية الخسائر المدنية. غير أن منظمات حقوقية تُشير إلى أن تكرار حوادث القصف على مناطق سكنية بعيدة عن خطوط التماس يُضعف هذه الرواية ويُثير تساؤلات جدية حول مدى دقة الاستهداف.
الواقع الميداني: شهادات تتحدى الرواية الرسمية
في المقابل، تُقدّم الشهادات الميدانية من مناطق القصف صورة مختلفة. ففي قرية أم قرفة بشمال كردفان، يتحدث السكان عن قصف جوي استهدف أحياء سكنية دون وجود أي أهداف عسكرية ظاهرة في المنطقة. ويصف الشهود استخدام براميل متفجرة، وهي ذخائر عشوائية بطبيعتها لا يمكن توجيهها نحو هدف محدد.
وتتكرر هذه الشهادات في قرى وبلدات أخرى في شمال كردفان وجنوبها وفي دارفور والنيل الأزرق. ويُبلغ سكان محليون عن غارات جوية على أسواق ومدارس ومساجد ومنازل، في مناطق لا وجود عسكرياً ظاهراً فيها. هذه الشهادات، رغم صعوبة التحقق منها بشكل مستقل، تُشكّل نمطاً متكرراً يصعب تجاهله.
البراميل المتفجرة.. لماذا هي إشكالية؟
يُثير استخدام البراميل المتفجرة تحديداً إشكالية قانونية وأخلاقية كبيرة. فهذا السلاح، الذي استُخدم على نطاق واسع في النزاع السوري، مصمم لإحداث أكبر قدر من الدمار في مساحة واسعة. ولا يحتوي على أي نظام توجيه، ما يعني أن إسقاطه في منطقة مأهولة سيؤدي حتماً إلى إصابة مدنيين.
من الناحية العسكرية، يُجادل البعض بأن البراميل المتفجرة تُستخدم لأنها رخيصة التكلفة ومتاحة بكميات كبيرة، خاصة في ظل استنزاف الذخائر الموجهة. غير أن هذا المبرر العسكري لا يُعفي من المسؤولية القانونية، إذ أن القانون الدولي الإنساني يحظر استخدام أسلحة عشوائية بطبيعتها في مناطق مأهولة بغض النظر عن الدوافع أو المبررات.
التحديات أمام التحقق والتوثيق
أحد أكبر التحديات في توثيق انتهاكات القصف الجوي في السودان هو صعوبة الوصول الميداني. فمناطق النزاع خطرة على الصحفيين والباحثين، والاتصالات مقطوعة أو محدودة في كثير من المناطق، والبنية التحتية الصحية والقضائية مدمرة.
كما أن أطراف النزاع تفرض قيوداً على حركة الإعلاميين والباحثين، وتُقيّد وصول المنظمات الإنسانية إلى مناطق معينة. هذا يجعل الاعتماد على شهادات السكان والصور ومقاطع الفيديو الملتقطة بالهواتف المحمولة هو المصدر الأساسي للمعلومات، مع كل ما يحمله ذلك من تحديات تتعلق بالتحقق والدقة.
ومع ذلك، تُبذل جهود من قِبَل منظمات مثل مختبر الأدلة التابع للمجلس الأطلسي، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، لتحليل الصور ومقاطع الفيديو والتحقق من صحتها وموقعها الجغرافي.
السياق الأوسع: حرب بلا قواعد
ما يحدث في أم قرفة وشمال كردفان هو جزء من صورة أكبر لنزاع فقد فيه جميع الأطراف التزامهم بقواعد الحرب. فقوات الدعم السريع متهمة بدورها بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، تشمل القتل والنهب والعنف الجنسي والتهجير القسري. والجيش السوداني متهم بالقصف الجوي العشوائي واستهداف مناطق مدنية.
هذا الانهيار الشامل لقواعد الاشتباك يجعل المدنيين في السودان بلا أي حماية فعلية. فلا مناطق آمنة، ولا ممرات إنسانية مضمونة، ولا آلية دولية قادرة على فرض احترام القانون الدولي الإنساني.
المواقف الدولية.. بين الإدانة والعجز
تتوالى الإدانات الدولية لاستهداف المدنيين في السودان، لكن هذه الإدانات تبقى في معظمها كلامية دون أثر فعلي على الأرض. مجلس الأمن الدولي منقسم، والاتحاد الأفريقي يفتقر إلى آليات فرض، والدول الكبرى منشغلة بأزمات أخرى.
وتُطالب منظمات حقوقية باتخاذ خطوات ملموسة تشمل: فرض حظر شامل على توريد الأسلحة إلى جميع أطراف النزاع، وتوسيع ولاية آليات التحقيق الدولية، وإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات فردية على القادة العسكريين المسؤولين عن انتهاكات موثقة.
لا يمكن لأي تحليل لملف القصف الجوي في السودان أن يكتمل دون الإشارة إلى أن الحل الجذري يكمن في وقف شامل لإطلاق النار والعودة إلى مسار سياسي يُنهي النزاع. فطالما استمرت الحرب، ستستمر الطائرات في التحليق، وستستمر البراميل في السقوط، وستستمر قرى مثل أم قرفة في دفع ثمن حرب لم تخترها.
إن حماية المدنيين في السودان ليست مسؤولية طرف واحد، بل هي مسؤولية جميع الأطراف المتقاتلة، والمجتمع الدولي، والمنظمات الإقليمية. وهي مسؤولية لا تحتمل التأجيل، لأن كل يوم تأخير يعني مزيداً من الأرواح المفقودة، ومزيداً من القرى المدمرة، ومزيداً من الأطفال الذين يكبرون على صوت الانفجارات بدلاً من صوت الحياة.




