زوايا

هل يُعاد إنتاج الإرهاب في السودان؟


تتداول تقارير إعلامية، إلى جانب قراءات وتحليلات أمنية، معلومات تشير إلى احتمال وجود جهود لتدريب أو تجنيد عناصر تنتمي إلى جماعات متطرفة خارج السودا

 وتحديدًا في مناطق تنشط فيها حركة الشباب الصومالية، تمهيدًا لإعادة توجيهها نحو الساحة السودانية.

كما تذهب بعض هذه التقارير إلى الإشارة إلى احتمال ارتباط هذه التحركات بدعم من أطراف إقليمية ودول مساندة لحكومة بورتسودان.

وحتى الآن، لا تتوافر أدلة عامة مستقلة يمكن التحقق منها تثبت هذه المزاعم بصورة قاطعة، الأمر الذي يجعل التعامل معها يقتضي أعلى درجات الحذر، ويستدعي تحقيقًا مهنيًا وشفافًا يستند إلى الوقائع والأدلة، لا إلى التكهنات أو الاتهامات غير الموثقة.

ومع ذلك، فإن مجرد تداول مثل هذه المعلومات يفرض تساؤلًا بالغ الأهمية.. هل يقف السودان على أعتاب مرحلة يُعاد فيها إنتاج ظاهرة الإرهاب، لتتحول الحرب الدائرة من نزاع داخلي إلى ساحة تستقطب جماعات متطرفة عابرة للحدود؟ وكما يقول المثل العربي (لا دخان بلا نار)، فإن مثل هذه المؤشرات تستوجب التحقق الجاد، لا التسليم بها ولا تجاهلها.

لقد برهنت تجارب العقود الماضية، من أفغانستان إلى العراق وسوريا وليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي، أن التنظيمات المتشددة لا تنشأ دائمًا بصورة تلقائية، بل تجد في الحروب الممتدة، والانهيار المؤسسي، والفراغات الأمنية، بيئة مواتية للنمو والتمدد. كما تستفيد من شبكات التجنيد والتمويل والدعم اللوجستي العابرة للحدود، وهو ما يجعل أي مؤشرات في هذا الاتجاه محل اهتمام أمني وإقليمي ودولي.

ويحذر مختصون في شؤون الأمن الإقليمي من أن ظهور جماعات تعتمد أساليب مشابهة لتنظيمات مثل داعش أو القاعدة أو بوكو حرام داخل السودان سيغيّر طبيعة الأزمة بصورة جذرية، لتتحول من صراع داخلي إلى تهديد أمني إقليمي يمتد أثره إلى القرن الأفريقي ومنطقة الساحل والبحر الأحمر، وربما إلى نطاق أوسع.

كما أن استغلال مناطق عُرفت في مراحل سابقة بوجود نشاط أو نفوذ لتيارات أيديولوجية متشددة قد يسهم في إعادة إنتاج دوائر العنف والتطرف، ويزيد من تعقيد جهود التسوية السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، الأمر الذي يتطلب يقظة أمنية عالية، وتعاونًا وثيقًا بين دول الإقليم والمؤسسات الدولية المختصة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الإرهاب في حد ذاته، بل احتمال توظيفه كأداة لإعادة تشكيل موازين القوى أو التأثير في مسارات النزاعات المسلحة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحقيقات مستقلة، وآليات فعالة لتبادل المعلومات، ورصد أي شبكات محتملة للتجنيد أو التمويل أو التدريب، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفقًا للقانون الدولي واستنادًا إلى أدلة موثقة.

إن استقرار السودان لا يُبنى عبر تبادل الاتهامات، وإنما عبر ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المؤسسات الوطنية، ودعم التعاون الإقليمي، وضمان الشفافية والمساءلة في مواجهة أي تهديد يمس أمن البلاد.

وفي نهاية المطاف، يبقى أمن السودان جزءًا لا يتجزأ من أمن الإقليم والقارة الأفريقية. وإذا أثبتت تحقيقات مستقلة وموثوقة وجود أي محاولات لإدخال جماعات متطرفة إلى الأراضي السودانية، أو توظيف الإرهاب لخدمة أهداف سياسية أو عسكرية من قبل أي جهة كانت، فإن ذلك لن يشكل تهديدًا للسودان وحده، بل سيمثل تحديًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي ودول المنطقة تحمل مسؤولياتها في كشف الحقيقة، ومنع أي استغلال للإرهاب كوسيلة لإدارة الصراعات أو إعادة تشكيل موازين القوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى