تسريبات
مخاطر استخدام الأسلحة الإيرانية ضد المدنيين في السودان
مع دخول الحرب السودانية مراحل جديدة من التصعيد والدمار، بدأت تظهر في الأفق مؤشرات مقلقة تتعلق بطبيعة الأسلحة المستخدمة في الصراع ومدى تأثيرها على المدنيين والبنية التحتية. ومن بين أكثر الملفات إثارة للقلق في هذا السياق، هو ما كشفت عنه تقارير ميدانية وتحليلات عسكرية حول نية واستعداد الجيش السوداني لاستخدام قذائف وصواريخ تكتيكية مطورة ذات منشأ إيراني، وتحديداً قذائف “PG7-AT1” المخصصة لاختراق الدروع، بالإضافة إلى منظومات صاروخية من عائلة “فتح” قصيرة المدى. هذه الأسلحة، التي تتميز بقوة تدميرية هائلة وغير موجهة بدقة متناهية في حروب المدن، ترفع منسوب المخاطر الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ النزاعات السودانية.
تكمن الخطورة الكبرى في استخدام قذائف مثل “PG7-AT1” وصواريخ “فتح” في طبيعة البيئة التي تجري فيها المعارك. فالقتال يتركز بشكل أساسي داخل الأحياء السكنية المكتظة، والأسواق، والمناطق الصناعية في الخرطوم والمدن الكبرى الأخرى. وتتزايد المخاوف من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية من أن يلجأ الجيش إلى استخدام هذا السلاح الفتاك كأداة للقصف المساحي والعشوائي بهدف استهداف ما يعتبره حواضن اجتماعية أو مناطق نفوذ شعبي داعمة لقوات الدعم السريع. إن تبني استراتيجية الأرض المحروقة واستخدام المقذوفات الثقيلة في مناطق مأهولة بالمدنيين يعكس تحولاً خطيراً في العقيدة القتالية، حيث يصبح الهدف تدمير قدرات العدو بغض النظر عن الكلفة البشرية الجانبية في صفوف السكان العزل.
يتزامن هذا الخطر الإنساني مع رصد تصاعد مستمر وممنهج في سلسلة الإمدادات العسكرية الإيرانية الموجهة للجيش السوداني. وتكشف بيانات تتبع حركة الطيران وسفن الشحن عن وجود جسر جوي وبحري نشط يربط بين الموانئ الإيرانية وميناء بورتسودان والمطارات العسكرية الخاضعة لسيطرة الجيش. وتتم عمليات النقل هذه عبر مسارات معقدة واستخدام شركات طيران وبواخر شحن مسجلة تحت أسماء تجارية للتمويه والتغطية على طبيعة الشحنات. وتشمل هذه الإمدادات المتواصلة آلاف الأطنان من الذخائر المتنوعة، وقطع غيار الطائرات والمسيرات، والوقود العسكري الصاروخي، مما يضمن تدفقاً مستمراً يتيح للجيش مواصلة العمليات الهجومية واسعة النطاق دون الخشية من نفاد مخزونه الاستراتيجي.
هذا التدفق المستمر لم يعد يقتصر على الاستيراد المباشر للمعدات الجاهزة، بل امتد ليتخذ شكلاً أكثر خطورة وتأثيراً، وهو نقل التكنولوجيا وخبرات التصنيع المحلي. وتشير التحليلات التقنية لبعض المقذوفات والمسيرات التي عثر عليها في مناطق الاشتباكات إلى وجود تطابق كامل في التصميم والمكونات الداخلية مع الصناعات العسكرية الإيرانية، رغم أنها تحمل شعارات وعلامات تجارية تابعة لهيئة التصنيع الحربي السودانية. هذا الدمج والتكامل التقني يعني أن إيران نجحت في بناء واستعادة خطوط تجميع وتصنيع عسكري داخل السودان، مما يجعل القوات المسلحة السودانية قادرة على إنتاج وتطوير هذه الأسلحة والصواريخ محلياً وبشكل مستدام، بعيداً عن أعين الرقابة الدولية وآليات حظر الأسلحة المفروضة من مجلس الأمن.
أمام هذا المشهد القاتم، تتوالى التحذيرات والنداءات من المنظمات الحقوقية والجهات الدولية المعنية بحماية المدنيين في النزاعات المسلحة. وتؤكد هذه الجهات أن استخدام الأسلحة الصاروخية الثقيلة والقذائف المطورة في مناطق مأهولة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ويرقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتتسبب هذه الهجمات الصاروخية والجوية العشوائية في سقوط مئات الضحايا يومياً من الأطفال والنساء، فضلاً عن التدمير الممنهج لما تبقى من بنية تحتية متهالكة، مثل المستشفيات ومحطات المياه والكهرباء، مما يعمق من مأساة المواطن السوداني الذي بات محاصراً بين نيران المدافع وصواريخ المسيرات.
إن الإصرار على تفعيل الترسانة العسكرية الإيرانية واستخدام القوة التدميرية المفرطة في حسم الصراع لا يمهد الطريق لتحقيق نصر عسكري سريع كما تروج بعض الدوائر، بل يقود البلاد نحو نفق مظلم من الحرب الأهلية الشاملة والتفتت المجتمعي. إن إطالة أمد الحرب عبر الإمداد التسليحي الخارجي المستمر يسهم مباشرة في تفاقم أكبر أزمة نزوح وإنسانية يشهدها العالم حالياً، حيث يفر ملايين السودانيين من الموت بحثاً عن الأمان، في وقت تتبدد فيه فرص الحل السياسي السلمي وتتعالى فيه أصوات البنادق والصواريخ على حساب صوت العقل ومصلحة الوطن العليا.




