لقاء العلمين يفضح مأزق البرهان.. واشنطن تفتح باب التفاوض وبورتسودان تخشى انكشاف القرار
من مأدبة غداء في مصر إلى أزمة ثقة في السودان: لقاء مسعد بولس وعبد الفتاح البرهان يعيد طرح سؤال السلطة الفعلية، ويكشف حجم التناقض بين الرسائل الدبلوماسية الأمريكية وحسابات القوى المتصارعة داخل معسكر بورتسودان.
لم يكن اللقاء الذي جمع قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس في مدينة العلمين الجديدة مجرد محطة عابرة في جدول الاتصالات الدبلوماسية المتعلقة بالحرب السودانية. فالإعلان الأمريكي عن اللقاء، الذي جاء عبر تغريدة لبولس على منصة «إكس»، وضع بورتسودان أمام اختبار سياسي جديد، وأعاد إلى الواجهة أسئلة تتجاوز تفاصيل الاجتماع نفسه: هل يملك البرهان حرية اتخاذ قرار مستقل بشأن وقف الحرب؟ وهل تستطيع القيادة العسكرية الانتقال من خطاب الحسم إلى تسوية سياسية من دون الاصطدام بالقوى التي تستفيد من استمرار القتال؟
بحسب ما ورد في حلقة برنامج «القصة»، جرى اللقاء خلال مأدبة غداء استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في العلمين الجديدة، بحضور البرهان وبولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية ومبعوثه إلى المنطقة. وبينما أعلن الجانب الأمريكي عن الاجتماع بصورة مباشرة، تحدثت الحلقة عن حالة من السرية أحاطت بمشاركة البرهان، معتبرة أن هذه السرية ترتبط بحسابات داخلية وضغوط تمارسها الحركة الإسلامية داخل معسكر السلطة في بورتسودان.
وتكتسب هذه الرواية أهميتها من التوقيت الذي جرى فيه اللقاء. فقد جاء بعد أزمة التأشيرة الأمريكية التي حالت، وفق ما ناقشته الحلقة، دون سفر البرهان إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما جاء في ظل استمرار الحرب، وتعثر مساعي التوصل إلى هدنة إنسانية، وتصاعد الضغوط الدولية المطالبة بإيجاد مسار سياسي ينهي القتال ويمهد لقيام سلطة مدنية.
إعلان واشنطن في مواجهة تحفظات بورتسودان
كان أبرز ما ميّز اللقاء، وفق رواية الحلقة، التباين بين طريقة الإعلان عنه في واشنطن وطريقة التعامل معه في بورتسودان. فقد نشر مسعد بولس تفاصيل اللقاء، مؤكداً موقف الولايات المتحدة الداعم للشعب السوداني ووحدة السودان وسيادته، ومشدداً على ضرورة الدفع نحو حل سياسي ينهي الحرب ويخفف المعاناة الإنسانية، وصولاً إلى حكومة مدنية يقودها السودانيون.
هذه الرسائل لا تتعلق ببروتوكول اللقاء وحده، بل تحدد الإطار الذي تريد واشنطن وضع اتصالاتها مع القيادة السودانية داخله. فالولايات المتحدة، بحسب الموقف الذي نقلته الحلقة، لا تقدم الاجتماع باعتباره تأييداً سياسياً مطلقاً للبرهان، ولا باعتباره اعترافاً نهائياً بشرعية السلطة القائمة في بورتسودان، بل كجزء من جهود أوسع لإنهاء الحرب وإعادة فتح الطريق أمام حل سياسي.
في المقابل، أشارت الحلقة إلى محاولات من جانب الوفد والإعلام المرتبط بحكومة بورتسودان للتقليل من دلالة الاجتماع، عبر نفي وجود لقاء ثنائي خاص ومباشر، والتأكيد أن الأمر اقتصر على الوجود في مأدبة الغداء التي استضافها الرئيس المصري. ويعكس هذا التباين، إذا صحت القراءة التي قدمها البرنامج، حساسية سياسية لدى أطراف داخل المعسكر الحاكم من أن يُفهم التواصل مع المسؤول الأمريكي على أنه استعداد لتقديم تنازلات أو الدخول في تفاهمات لا تحظى بإجماع القوى المؤثرة في الداخل.
لكن الإعلان الأمريكي وحده لا يكفي لإثبات أن البرهان حاول إخفاء اللقاء لأسباب محددة، كما أن نفي وجود اجتماع منفصل لا يحسم بمفرده طبيعة المحادثات التي جرت. ما يمكن استخلاصه من الوقائع المعروضة هو أن الطرفين قدّما اللقاء ضمن سياقين مختلفين: واشنطن ربطته بالتسوية السياسية والإنسانية، بينما بدا الخطاب الصادر من بورتسودان أكثر تحفظاً تجاه دلالاته السياسية.
من أزمة التأشيرة إلى اختبار العلاقة مع واشنطن
لا يمكن قراءة لقاء العلمين بمعزل عن الأزمة التي سبقته بشأن سفر البرهان إلى الولايات المتحدة. فبحسب ما ورد في الحلقة، رفضت واشنطن منح قائد الجيش تأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في خطوة عكست مستوى التوتر في العلاقة، وأعادت الجدل بشأن طبيعة تعامل الإدارة الأمريكية مع السلطة القائمة في السودان.
ووفق تفسير البرنامج، فإن واشنطن تتعامل مع البرهان باعتباره صاحب نفوذ فعلي على الأرض، لكنها لا تمنح ذلك بالضرورة معنى الاعتراف السياسي الكامل بشرعيته. وهذا فارق أساسي في العلاقات الدولية: فالتواصل مع طرف يملك سلطة عسكرية أو إدارية لا يعني تلقائياً تبني روايته السياسية أو قبول رؤيته لمستقبل الحكم.
من هنا، اكتسب لقاء العلمين أهمية إضافية. فهو يشير إلى أن قنوات الاتصال لم تُغلق رغم الخلافات، لكنه لا يثبت أن الأزمة الدبلوماسية انتهت أو أن واشنطن غيّرت موقفها من مستقبل السلطة في السودان. وقد يكون اللقاء فرصة لنقل رسائل مباشرة بشأن الهدنة، وحماية المدنيين، والمسار السياسي، كما قد يكون محاولة لاختبار استعداد البرهان للتحرك ضمن صيغة تفاوضية أوسع.
والسؤال الأهم ليس ما إذا كان اللقاء قد حدث فحسب، بل ما إذا كانت الاتصالات ستنتج تحولاً عملياً في سلوك الأطراف المتحاربة. فالدبلوماسية تستطيع فتح الأبواب، لكنها لا تضمن تنفيذ الالتزامات، خصوصاً عندما تكون مراكز القرار داخل المعسكر الواحد متنافسة أو متعارضة.
هل يستطيع البرهان اتخاذ قرار وقف الحرب؟
تضع الحلقة مسألة القرار الداخلي في صلب تفسيرها للقاء، إذ تتحدث عن ضغوط تمارسها الحركة الإسلامية داخل المعسكر العسكري والسياسي في بورتسودان، وتذهب إلى أن البرهان يخشى ردود فعلها إذا أظهر استعداداً للتوصل إلى هدنة أو تسوية سياسية.
وتربط هذه القراءة بين السرية التي أحاطت باللقاء، وبين التحركات الجماهيرية التي تلت عودة البرهان إلى السودان، ولا سيما الحشد الذي تحدثت الحلقة عن تنظيمه في منطقة مروي شمال البلاد. وقد فسّر البرنامج هذه التحركات بوصفها رسائل تطمين إلى القوى الداعمة لاستمرار الحرب، ومؤشراً على محاولة الموازنة بين الضغوط الخارجية والحسابات الداخلية.
غير أن هذه القراءة تظل تحليلاً سياسياً قدمته الحلقة، ولا تكفي وحدها لإثبات أن الحشد كان مصنوعاً أو أن هدفه الوحيد إرسال رسالة إلى الحركة الإسلامية. لكن وضع الحدثين في سياقهما يفتح باباً مهماً للنقاش: هل يستطيع قائد الجيش أن يرسل إشارات إيجابية إلى الخارج بشأن التسوية، ثم يحافظ في الوقت نفسه على تماسك التحالفات التي يعتمد عليها في الداخل؟
تكمن المشكلة في أن وقف الحرب ليس قراراً تفاوضياً مجرداً. فهو يهدد، بالنسبة إلى بعض القوى، شبكة مصالح تشكلت حول التعبئة العسكرية، وتوزيع النفوذ، والسيطرة على الموارد، وتحديد مستقبل السلطة. وكلما تعددت الجهات المستفيدة من استمرار القتال، أصبح الوصول إلى قرار موحد أكثر تعقيداً، حتى عندما تتعرض البلاد لضغوط دولية أو إنسانية متزايدة.
ومن هذه الزاوية، لا يعود السؤال متعلقاً بقدرة البرهان على الجلوس إلى طاولة التفاوض، بل بقدرته على ضمان تنفيذ أي تفاهم يتم التوصل إليه. فالتوقيع على هدنة لا يكفي إذا كانت الأطراف المؤثرة داخل المعسكر نفسه ترفضها، أو إذا كانت القيادة لا تملك القدرة على ضبط ردود الفعل العسكرية والسياسية المترتبة عليها.
واشنطن بين وقف الحرب والحكومة المدنية
في رسالته التي نقلتها الحلقة، شدد بولس على دعم الشعب السوداني ووحدة البلاد وسيادتها، وعلى ضرورة إنهاء الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية وصولاً إلى حكومة مدنية يقودها السودانيون. وتحمل هذه الصياغة أكثر من مستوى سياسي: فهي تربط وقف القتال بمسار سياسي، ولا تختزل الأزمة في تفاهم عسكري مؤقت بين القيادات.
فمن منظور التسوية، قد توقف الهدنة إطلاق النار لفترة محددة، لكنها لا تعالج وحدها أزمة الحكم ولا تحدد شكل الدولة بعد الحرب. ولذلك يصبح الانتقال إلى حكومة مدنية جزءاً من النقاش بشأن مآلات الصراع، وليس مجرد مطلب يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم.
وتشير الحلقة كذلك إلى أن اللقاء جاء في وقت تتزايد فيه الأسئلة بشأن مستقبل السودان، وسط تدهور الوضع الإنساني وتراجع الخدمات وتفاقم الأزمة الاقتصادية. وفي مثل هذا السياق، لا تُقاس قيمة الاتصالات الدبلوماسية بعدد الاجتماعات أو التصريحات، بل بقدرتها على فتح ممرات للمساعدات، وتقليل العنف، وإعادة الأطراف إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ.
لكن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب وضوحاً في الالتزامات، وضمانات للتنفيذ، ومشاركة سياسية لا تجعل مستقبل البلاد رهينة حسابات القيادات العسكرية وحدها. كما يتطلب معالجة المخاوف التي تدفع الأطراف إلى التمسك بالسلاح، من دون تحويل تلك المخاوف إلى مبرر لاستمرار الحرب إلى أجل غير محدد.
مأدبة واحدة وأسئلة أكبر من اللقاء
تكشف قصة العلمين، كما عرضتها الحلقة، عن مفارقة أساسية في الأزمة السودانية: فبينما تستمر الاتصالات الخارجية بحثاً عن تسوية، يتواصل الصراع داخل المعسكرات السياسية والعسكرية بشأن من يملك القرار، ومن يحدد شروط التفاوض، ومن يتحمل كلفة أي تنازل.
قد يكون اللقاء بداية نافذة دبلوماسية جديدة، لكنه قد يبقى أيضاً حدثاً بروتوكولياً إذا لم تتبعه خطوات عملية. ولا توجد في المعلومات الواردة في التفريغ تفاصيل كافية للحكم على ما إذا كان البرهان قد قدم التزامات محددة خلال الاجتماع، أو ما إذا كانت واشنطن قد حصلت على تعهدات قابلة للقياس بشأن الهدنة.
لذلك، فإن أهمية اللقاء لا تكمن في المأدبة نفسها، ولا في الجدل حول ما إذا كان اجتماعاً ثنائياً منفصلاً أم محادثة جرت على هامشها. الأهم هو ما سيأتي بعده: هل ستتحول الرسائل إلى مفاوضات جادة؟ وهل ستتمكن القيادة السودانية من توحيد قرارها بشأن الحرب؟ وهل سيجد المدنيون طريقاً حقيقياً للمشاركة في تحديد مستقبل البلاد؟
حتى تتضح الإجابات، سيظل لقاء العلمين اختباراً مزدوجاً: اختباراً لجدية واشنطن في تحويل الضغط الدبلوماسي إلى مسار سياسي، واختباراً لقدرة البرهان على التعامل مع التناقضات داخل معسكره. وبين هذين الاختبارين، يبقى السودانيون هم الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر من استمرار الحرب، بينما ينتظرون أن تتحول الوعود السياسية إلى تغيير ملموس في حياتهم اليومية.




