تسريبات

لقاء العلمين يفتح أبواب التسوية السودانية.. ماذا يريد البرهان من واشنطن وما الذي يعرقل إنهاء الحرب؟

اجتماع قائد الجيش السوداني بمسعد بولس يضع مستقبل السلطة في صدارة الحسابات السياسية.. وتحركات الوساطة تختبر قدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الحرب إلى البحث عن مخرج ينهيها


لم تعد التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالحرب السودانية مجرد لقاءات بروتوكولية أو محاولات لتبادل الرسائل بين العواصم، بل أصبحت جزءاً من معركة سياسية أوسع تتعلق بمستقبل السلطة، وحدود نفوذ القيادات العسكرية، وشكل الدولة التي يمكن أن تخرج من حرب أنهكت مؤسسات السودان ومجتمعه. وفي هذا السياق، يكتسب اللقاء الذي يتناوله برنامج «القصة» بين قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، في مدينة العلمين المصرية، أهمية تتجاوز مكان انعقاده إلى طبيعة الملفات التي يُفترض أن تحكم مسار العلاقة بين الطرفين.

ويضع عنوان الحلقة الثانية هذا اللقاء في صلب الأسئلة المتعلقة بمستقبل التسوية السياسية، وما إذا كانت الاتصالات الدولية قادرة على إحداث اختراق في جدار الأزمة السودانية، التي ظلت تتأرجح بين مبادرات وقف إطلاق النار، والتفاهمات المؤقتة، واستمرار العمليات العسكرية.

غير أن قراءة أي لقاء سياسي تقتضي التمييز بين انعقاده بوصفه واقعة، وبين الأهداف التي يُعتقد أنه يسعى إلى تحقيقها والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه. فمجرد اجتماع مسؤولين لا يعني التوصل إلى اتفاق، كما أن استمرار التواصل لا يثبت وجود تفاهمات سرية بشأن مستقبل الحكم.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا دار في لقاء العلمين؟ بل أيضاً: ما الذي تستطيع واشنطن والقوى الإقليمية فعله لدفع الأطراف السودانية نحو تسوية قابلة للتنفيذ، وما حدود استعداد القيادة العسكرية للقبول بترتيبات قد تغير موازين السلطة القائمة؟

العلمين.. حين تتجاوز الاجتماعات حدود البروتوكول

تأتي أهمية لقاءات المسؤولين المعنيين بالملف السوداني من طبيعة الأزمة نفسها، إذ لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحول إلى أزمة متعددة الأبعاد تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية والضغوط الدولية.

فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أضعفت مؤسسات الدولة، ووسعت نطاق الاحتياجات الإنسانية، وأجبرت أعداداً كبيرة من السودانيين على النزوح واللجوء، بينما بقيت فرص التوصل إلى تسوية شاملة مرتبطة بقدرة الأطراف على الاتفاق على وقف القتال ومستقبل الحكم.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح اللقاءات الدبلوماسية وسيلة لاختبار المواقف، وتحديد مساحة التوافق الممكنة، ومعرفة ما إذا كانت الأطراف مستعدة للانتقال من التصريحات العامة إلى التزامات محددة.

ويمثل التواصل مع مسؤول أمريكي يتولى ملفاً إقليمياً مهماً فرصة لمناقشة الرؤية الأمريكية بشأن الأزمة، وأولويات واشنطن المتعلقة بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، وفتح مسار سياسي يتيح للسودانيين تقرير مستقبل بلادهم.

لكن قيمة هذه اللقاءات لا تُقاس بمستوى المسؤولين المشاركين فيها وحده، وإنما بما ينتج عنها من خطوات عملية. فقد تنتهي الاجتماعات إلى تفاهمات أولية تحتاج إلى مفاوضات إضافية، وقد تكشف عن خلافات يصعب تجاوزها في المدى القريب، وقد تمهد لترتيبات جديدة إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات المطلوبة.

ولذلك، فإن التعامل مع لقاء العلمين باعتباره نقطة تحول حاسمة قبل معرفة تفاصيله ونتائجه الفعلية قد يؤدي إلى قراءة متسرعة للمشهد. وفي المقابل، فإن تجاهل دلالته المحتملة يغفل الدور الذي يمكن أن تؤديه الاتصالات السياسية في تحريك ملف ظل أسير المواجهات العسكرية.

واشنطن والبرهان.. اختبار الثقة وشروط إنهاء الحرب

تحتل العلاقة بين واشنطن والقيادة العسكرية السودانية موقعاً مهماً في حسابات الأزمة، بالنظر إلى الدور الأمريكي في التحركات الدبلوماسية المتعلقة بوقف القتال، وما تملكه الولايات المتحدة من أدوات سياسية يمكن توظيفها للضغط على الأطراف المتحاربة.

لكن هذه العلاقة لا يمكن اختزالها في لقاء واحد، لأنها ترتبط بمجموعة من الملفات المتشابكة، من بينها شروط وقف إطلاق النار، ومستقبل العملية السياسية، والجهات التي يمكن أن تشارك في إدارة المرحلة التالية للحرب.

ويطرح عنوان الحلقة الثانية من «القصة» سؤالاً بشأن ما دار في لقاء البرهان ومسعد بولس، غير أن تحديد طبيعة التفاهمات التي ناقشها الطرفان يحتاج إلى الاطلاع على مضمون اللقاء أو البيانات الصادرة بشأنه. ولا تتوافر في المعلومات المتاحة هنا تفاصيل موثقة تسمح بالجزم بأن الاجتماع تناول اتفاقاً محدداً أو أنه انتهى إلى نتائج بعينها.

ومع ذلك، فإن السياق السياسي يوضح لماذا تحظى مثل هذه اللقاءات بالاهتمام. فواشنطن تسعى إلى الدفع باتجاه إنهاء الحرب، بينما تواجه القيادة السودانية أسئلة متعلقة بمستقبل سلطتها، وطبيعة الضمانات التي يمكن أن تطلبها، ومدى استعدادها لقبول تسوية تفتح المجال أمام ترتيبات سياسية مختلفة.

وتبرز هنا معضلة أساسية: قد تكون الأطراف مستعدة لمناقشة وقف إطلاق النار، لكنها تختلف بشأن ما يأتي بعده. فالهدنة لا تحسم تلقائياً مسألة إدارة الدولة، ولا تحدد وحدها العلاقة المستقبلية بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، ولا تضمن أن الخلافات التي أدت إلى الحرب لن تتجدد.

ومن ثم، فإن أي تحرك دبلوماسي جاد يحتاج إلى الجمع بين الترتيبات العسكرية والعملية السياسية، بحيث لا يصبح وقف القتال مجرد إجراء مؤقت يتيح للأطراف إعادة تنظيم صفوفها قبل استئناف المواجهات.

التسوية السياسية.. العقدة التي تتجاوز وقف إطلاق النار

تتمثل إحدى أبرز مشكلات الأزمة السودانية في أن الاتفاق على وقف الحرب لا يعني بالضرورة الاتفاق على شكل الدولة التي ستليها. فالأطراف قد تتفق على ضرورة تخفيف التصعيد، لكنها تختلف بشأن مستقبل المؤسسات العسكرية، وطبيعة الحكومة المقبلة، وآليات الانتقال السياسي، والضمانات التي ينبغي توفيرها لمنع تجدد الصراع.

ولهذا، فإن أي مبادرة لا تتعامل مع هذه الأسئلة قد تنجح في تحقيق هدوء مؤقت، لكنها ستواجه صعوبات كبيرة عندما تنتقل المفاوضات إلى الملفات المتعلقة بالسلطة.

وتحتاج التسوية المستدامة إلى تحديد واضح للالتزامات العسكرية، وآليات مراقبة التنفيذ، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب مسار سياسي يتيح مشاركة مدنية واسعة ويعالج أسباب النزاع.

كما يتطلب نجاحها التعامل مع مخاوف الأطراف من المستقبل، من دون السماح بتحويل تلك المخاوف إلى ذريعة لإدامة الحرب أو تعطيل أي تقدم نحو السلام.

ومن هنا، فإن أهمية أي لقاء بين البرهان ومسعد بولس تكمن في مدى قدرته على تقريب المواقف بشأن هذه الملفات، وليس في حجم الاهتمام الإعلامي الذي يحيط به.

فإذا اقتصر التواصل على تبادل المواقف من دون تحديد خطوات قابلة للتنفيذ، فقد يظل جزءاً من سلسلة اتصالات لا تغير واقع الحرب. أما إذا أفضى إلى توافق بشأن أولويات واضحة، فقد يشكل مدخلاً لتحريك المسار السياسي، حتى لو احتاج الوصول إلى اتفاق نهائي إلى وقت أطول.

الدور الإقليمي.. مصر والسعودية وحسابات الوساطة

لا يمكن فصل أي تحرك دبلوماسي بشأن السودان عن الدور الذي تؤديه دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر والسعودية، بحكم ارتباط استقرار السودان بأمن الإقليم والبحر الأحمر، وبسبب التداعيات الإنسانية والسياسية التي تترتب على استمرار الحرب.

وتكتسب مصر أهمية خاصة في أي نقاش بشأن الأزمة السودانية بسبب الجوار الجغرافي والروابط التاريخية والإنسانية بين البلدين، فضلاً عن تأثير استمرار القتال على حركة السكان وأمن الحدود والاستقرار الإقليمي.

أما السعودية، فقد ارتبط اسمها بمسار جدة الذي استضاف محادثات بين الجيش وقوات الدعم السريع، وركز على التزامات تتعلق بحماية المدنيين وتسهيل المساعدات الإنسانية ووقف الأعمال العدائية.

لكن تعدد الأطراف التي تسعى إلى الوساطة لا يضمن بالضرورة نجاحها. فقد تتباين الأولويات الإقليمية والدولية، وقد تختلف تقديرات الوسطاء بشأن ترتيب الملفات أو طبيعة الضمانات اللازمة، الأمر الذي يجعل تنسيق الجهود عاملاً مهماً في أي عملية تفاوضية.

ومن هنا، فإن نجاح التحركات المرتبطة بلقاء العلمين يتطلب وضوحاً بشأن الأهداف، وتحديداً للأدوار، وتنسيقاً بين المسارات المختلفة، حتى لا تتحول المبادرات المتعددة إلى قنوات متوازية تستهلك الوقت من دون أن تنتج اتفاقاً شاملاً.

كما أن أي تسوية لا يمكن أن تستقر إذا ظلت محصورة في تفاهمات بين القيادات العسكرية والوسطاء الخارجيين، من دون معالجة المطالب السياسية والمدنية المرتبطة بمستقبل الدولة السودانية.

المدنيون ومستقبل الحكم.. الطرف الذي لا يمكن تجاوزه

تظل مشاركة القوى المدنية في أي عملية سياسية من أبرز الملفات التي تحدد طبيعة التسوية المقبلة. فالحرب لا تهدد موازين القوى العسكرية وحدها، بل تضرب أيضاً قدرة المجتمع على ممارسة حياته السياسية والاقتصادية، وتضع مستقبل مؤسسات الدولة أمام تحديات كبيرة.

ولا يمكن أن يكون إنهاء الحرب مستداماً إذا اقتصر على اتفاق بين الأطراف المسلحة، من دون وجود تصور واضح لكيفية استعادة المؤسسات المدنية، وتوفير الخدمات، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة.

كما أن العملية السياسية تحتاج إلى ضمانات تمنع احتكار القرار، وتتيح معالجة الخلافات عبر المؤسسات بدلاً من اللجوء إلى السلاح.

لكن مشاركة المدنيين لا ينبغي أن تكون مجرد إضافة شكلية إلى اتفاق جاهز، بل يجب أن ترتبط بدور واضح في تحديد الأولويات السياسية والاقتصادية، وصياغة ترتيبات المرحلة الانتقالية، ومراقبة تنفيذ الالتزامات المتعلقة بوقف الحرب.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تفاهمات قد تنتج عن لقاءات دولية بشأن السودان ستظل بحاجة إلى اختبار أساسي: هل تفتح المجال أمام عملية سياسية أوسع، أم تقتصر على ترتيب العلاقة بين الأطراف التي تمتلك القوة العسكرية؟

العلمين أمام اختبار النتائج

في نهاية المطاف، لا تكفي أهمية لقاء العلمين في حد ذاتها للحكم على فرص نجاح التسوية السودانية. فالاجتماعات السياسية قد تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة الخلافات العميقة أو ضمان التزام الأطراف بما تتوصل إليه.

ويظل نجاح أي تحرك مرهوناً بقدرته على الانتقال من مستوى الاتصالات إلى إجراءات ملموسة، تبدأ بتخفيف معاناة المدنيين، وتوفير ضمانات لوقف القتال، ثم تفتح الطريق أمام عملية سياسية تعالج جذور الأزمة.

كما يتطلب الأمر شفافية أكبر بشأن ما يجري في مسارات التفاوض، حتى لا تتحول التكهنات بشأن الاجتماعات إلى بديل عن المعلومات الموثوقة، أو تُقدَّم النتائج المحتملة على أنها اتفاقات منجزة.

إن السؤال الحقيقي الذي يطرحه لقاء البرهان ومسعد بولس ليس ما إذا كان الطرفان قد اجتمعا، بل ما إذا كان هذا التواصل قادراً على تقريب السودان من نهاية الحرب. فبين حسابات السلطة ومتطلبات السلام، تبقى قيمة الدبلوماسية مرتبطة بما تستطيع تحقيقه على الأرض، وبمدى قدرتها على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات تنقذ المدنيين وتعيد فتح الطريق أمام دولة سودانية مستقرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى