كيف تحوّلت الحرب السودانية إلى بوابة مفتوحة أمام التدخلات الإقليمية ونهب الثروات؟
كلما طال أمد الحرب الدائرة في السودان، تراجعت قدرة المؤسسات الوطنية على ضبط الأوضاع، واتسعت المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها شبكات المصالح العابرة للحدود، سواء عبر الدعم السياسي أو الإمدادات العسكرية أو استغلال الموارد الطبيعية أو توظيف الموقع الجغرافي للبلاد. وفي خضم هذا المشهد، يجد المواطن السوداني نفسه محاصراً بين نيران الحرب وتدهور الاقتصاد وانعدام الأمن، بينما تزداد الأسئلة حول قدرة القيادة القائمة على حماية البلاد من التحول إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الخارجية.
إن خطورة الحرب لا تكمن فقط في الخسائر البشرية والدمار الذي أصاب المدن والبنية التحتية، بل أيضاً في أنها أضعفت قدرة السودان على إدارة حدوده وموارده وعلاقاته الخارجية بصورة مستقلة. فالدولة التي تنشغل مؤسساتها بالصراع المسلح، وتتراجع فيها الرقابة على النشاط الاقتصادي، تصبح أكثر عرضة لظهور مراكز نفوذ موازية، وقد تجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد على أطراف خارجية لتأمين احتياجات عسكرية أو اقتصادية عاجلة. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه الحاجة إلى عامل يؤثر في خياراتها السياسية، خصوصاً إذا غابت الشفافية بشأن طبيعة التفاهمات الخارجية وشروطها والالتزامات التي قد تترتب عليها. ولا يعني ذلك أن كل تعاون إقليمي يشكل تدخلاً، بل إن المشكلة تبدأ عندما تصبح مصالح الدولة غير واضحة، أو عندما تُتخذ قرارات مصيرية بعيداً عن الرقابة العامة والمؤسسات المختصة.
لقد أظهرت التجربة السودانية أن إضعاف المسار المدني لا يضمن استقرار الحكم، وأن السيطرة على مؤسسات الدولة لا تعني بالضرورة القدرة على إدارتها. فمنذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، دخل السودان مرحلة سياسية اتسمت بتراجع فرص الانتقال المدني واتساع الانقسامات بين القوى السياسية والعسكرية. ثم جاءت الحرب في أبريل 2023 لتكشف عمق الخلل في بنية السلطة الأمنية والعسكرية، وتظهر أن التنافس على القوة والنفوذ لم يكن خلافاً عابراً يمكن احتواؤه بقرارات إدارية أو تفاهمات مؤقتة. وعندما تتحول الخلافات داخل المنظومة المسلحة إلى مواجهة واسعة، لا تبقى النتائج محصورة في الأطراف المتحاربة، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، وتضع مستقبل الدولة أمام مخاطر لا يمكن معالجتها بمجرد تحقيق تقدم ميداني.
وفي ظل هذا الواقع، يتحمل قادة الدولة مسؤولية سياسية وأخلاقية كبيرة في توضيح أهداف الحرب وحدودها، وتقديم تصور واقعي لإنهائها، وتحديد الكلفة التي يتحملها المواطنون مقابل استمرارها. فليس كافياً أن تعلن السلطة تمسكها بوحدة البلاد أو الدفاع عن السيادة، إذا لم يقترن ذلك بإجراءات عملية تحمي السكان وتضمن وصول المساعدات وتمنع انهيار المؤسسات. كما لا يمكن اختزال الوطنية في تأييد طرف عسكري أو رفض آخر، لأن المعيار الأساسي ينبغي أن يكون قدرة أي سياسة على تقليل معاناة المواطنين والحفاظ على الدولة وفتح الطريق أمام نظام سياسي يخضع للمحاسبة. وكلما غابت الإجابات الواضحة عن هذه الأسئلة، ازدادت المخاوف من أن يصبح استمرار الحرب هدفاً قائماً بذاته، بدلاً من أن يكون وسيلة مؤقتة لمعالجة أزمة سياسية وأمنية.
وتبرز المخاطر الإقليمية بصورة خاصة في بلد يمتلك موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، ويجاور عدداً من الدول، ويشكل حلقة مهمة في طرق التجارة والنقل وحركة الأفراد والبضائع. فالموانئ والمطارات والمعابر الحدودية ليست مجرد منشآت خدمية، بل عناصر أساسية في الأمن القومي والاقتصاد والسياسة الخارجية. وإذا تراجعت قدرة الدولة على مراقبتها وإدارتها، أو أصبحت هذه المرافق جزءاً من ترتيبات مرتبطة بأطراف متنافسة، فإن ذلك قد يخلق مخاطر تتجاوز حدود الحرب الحالية. ولذلك، فإن حماية البنية التحتية الاستراتيجية لا ينبغي أن تُترك للمقاربات العسكرية وحدها، بل يجب أن تخضع لسياسة وطنية متكاملة تجمع بين الأمن والرقابة المالية والشفافية والتعاون الإقليمي المنضبط بالقانون.
ومن بين الملفات التي تكشف حساسية هذه المسألة، ما أثير في النص المتداول عن غارات جوية نُسبت إلى الطيران المصري واستهدفت مناطق للتعدين التقليدي شمال السودان، مع ادعاءات بسقوط قتلى وجرحى بين المعدّنين. وتستدعي هذه الرواية التعامل معها بمنتهى الجدية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تحقيق مستقل يثبت تفاصيلها، ويحدد مكان الحادثة وطبيعتها والجهة المسؤولة عنها وحصيلة الضحايا. فخطورة الاتهام لا تبرر تقديمه بوصفه حقيقة نهائية قبل التحقق، كما أن غياب التأكيد المستقل لا يبرر تجاهل المطالب المشروعة بكشف الحقيقة. وإذا ثبت وقوع اعتداء على مواطنين سودانيين أو على أراضي البلاد، فإن واجب الدولة يقتضي اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية المناسبة، وإعلان نتائج التحقيق بشفافية، وتقديم الدعم للمتضررين وأسرهم.
وتكشف أهمية هذه القضية عن سؤال أوسع يتعلق بقدرة السلطة على حماية المواطنين في المناطق الحدودية، ولا سيما أولئك الذين يعملون في أنشطة اقتصادية محفوفة بالمخاطر. فالعاملون في التعدين التقليدي يواجهون تحديات تتعلق بالسلامة والأمن وضعف الخدمات، وقد يجدون أنفسهم في مناطق بعيدة عن الرقابة الفعالة للمؤسسات الرسمية. وإذا أضيفت إلى ذلك تداعيات الحرب والتنافس على الموارد، تصبح هذه المناطق أكثر عرضة للاضطراب والاستغلال. ومن ثم، فإن حماية العاملين فيها لا ينبغي أن تكون مجرد استجابة بعد وقوع حادثة، بل جزءاً من خطة وطنية تشمل تنظيم النشاط التعديني، وتأمين المواقع، وتوفير الإسعاف والخدمات الأساسية، ومراقبة حركة الإنتاج، وضمان أن تعود العائدات إلى الاقتصاد الرسمي.
ويحتل الذهب مكانة خاصة في هذا السياق، نظراً إلى أهميته الاقتصادية وإمكانية استخدام عائداته في دعم الموازنة وإعادة الإعمار. غير أن ضعف المؤسسات واتساع الحرب قد يحولان هذه الثروة إلى مصدر للتنافس غير المشروع، خصوصاً عندما تتراجع الرقابة على الإنتاج والنقل والتصدير. فالذهب الذي يفترض أن يساعد على توفير الموارد اللازمة للخدمات العامة قد يتحول، في بيئة غير مستقرة، إلى عنصر في اقتصاد الحرب، حيث تتداخل المصالح التجارية مع النفوذ المسلح وتصبح عمليات التهريب أكثر صعوبة في الرصد. ولا يمكن الجزم بوجود شبكة بعينها أو تحديد المسؤولية عن مسارات محددة من دون أدلة، لكن من الواضح أن الحرب تجعل الحاجة إلى الرقابة والشفافية أكبر، لا أقل.
إن مواجهة هذه المخاطر تتطلب بناء منظومة رقابية مستقلة تتيح تتبع عائدات الموارد الطبيعية، ونشر البيانات المتعلقة بالإنتاج والتصدير والإيرادات، وتعزيز دور المؤسسات القانونية والمالية في منع التهريب وغسل الأموال. كما ينبغي أن يحصل العاملون في قطاع التعدين على الحماية القانونية والضمانات الأساسية، وألا يُتركوا لمواجهة المخاطر وحدهم في مناطق تفتقر إلى الخدمات. ومن المهم أيضاً أن تكون المجتمعات المحلية شريكاً في إدارة الموارد التي تُستخرج من مناطقها، حتى لا تتحول الثروة إلى مصدر جديد للتهميش أو الصراع. فالدولة التي تستطيع تنظيم مواردها وتوزيع عائداتها بصورة عادلة تكون أكثر قدرة على تقليل التوترات وتعزيز الثقة العامة.
أما العلاقات السودانية المصرية، فتحتاج إلى إدارة متوازنة تجمع بين التعاون في القضايا المشتركة والتمسك بالحقوق الوطنية في الملفات الخلافية. فالجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح تجعل العلاقة بين البلدين ذات أهمية كبيرة، لكنها لا تلغي ضرورة التعامل المؤسسي مع القضايا الحدودية والسياسية. وتظل قضية حلايب وشلاتين من الملفات التي تتطلب استمرار العمل الدبلوماسي والقانوني، استناداً إلى الوثائق والمواقف الرسمية، بعيداً عن التوظيف الإعلامي الذي قد يرفع مستوى التوتر من دون أن يحقق تقدماً. كما أن التعاون في مجالات التجارة والمياه والأمن الحدودي يمكن أن يخدم مصالح الطرفين، شريطة ألا يتحول إلى بديل عن استقلال القرار السوداني أو إلى مبرر لتجاهل أي وقائع تمس حقوق المواطنين.
وفي هذا الإطار، ينبغي التعامل بحذر مع التقارير والروايات التي تتحدث عن طبيعة الاتصالات بين القيادات السودانية ومسؤولين في دول المنطقة، ومنها ما نُسب إلى تقرير صحيفة «وول ستريت جورنال» في نوفمبر 2021 بشأن لقاءات سبقت انقلاب أكتوبر. فهذه التقارير تمثل مادة للنقاش والتحقيق الصحفي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات جميع الاستنتاجات السياسية التي قد تُبنى عليها. والمطلوب هو التمييز بين ما وثقته المصادر وما يظل محل ادعاء أو تحليل، مع المطالبة بالشفافية بشأن القرارات التي تؤثر في أمن البلاد ومستقبلها. إن استقلال القرار لا يتحقق بقطع العلاقات مع الخارج، بل بامتلاك مؤسسات وطنية قوية قادرة على التفاوض من موقع واضح، وتقديم تفسير علني للسياسات الكبرى، ومنع المصالح الضيقة من التحكم في الخيارات الاستراتيجية.
ولا يمكن فصل هذه الملفات عن أزمة الشرعية السياسية التي تفاقمت بعد الانقلاب ثم اندلاع الحرب. فالسلطة التي تستند في بقائها إلى القوة العسكرية تواجه صعوبة في بناء توافق وطني مستدام إذا لم تفتح المجال أمام المشاركة المدنية والمحاسبة. كما أن استمرار الحرب يضعف فرص إعادة بناء مؤسسات مستقلة، لأن الأولويات الأمنية تهيمن على بقية الملفات، ولأن الموارد تتجه نحو الصراع بدلاً من الخدمات والتنمية. ولهذا، فإن إنهاء الحرب ليس مجرد خطوة إنسانية عاجلة، بل شرط أساسي لاستعادة قدرة الدولة على إدارة علاقاتها الخارجية ومواردها وحدودها. فكلما استمر القتال، تقلصت مساحة القرار الوطني المستقل، وازدادت قدرة القوى المسلحة على فرض وقائع يصعب تغييرها لاحقاً.
ويقتضي الوصول إلى تسوية مستدامة وقف الأعمال القتالية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين والبنية التحتية، وإطلاق عملية سياسية لا تقتصر على توزيع المناصب بين القوى المتحاربة. وينبغي أن تتضمن هذه العملية ترتيبات أمنية واضحة لمعالجة تعدد مراكز القوة المسلحة، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس مهنية، ووضعها تحت سلطة دستورية مدنية. كما يتعين أن تتضمن ضمانات لعدم استخدام الموارد العامة في تمويل الصراعات، وأن تفتح المجال أمام إصلاح اقتصادي يتيح إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية واستعادة الخدمات الأساسية. ولا يمكن تحقيق ذلك بقرار منفرد أو باتفاق هش، بل يتطلب مشاركة واسعة من القوى المدنية والمجتمعات المحلية، ودعماً إقليمياً ودولياً يحترم استقلال القرار السوداني.
وتبقى العدالة عنصراً لا غنى عنه في أي مسار للخروج من الأزمة. فالتقارير المتعلقة بالانتهاكات، والاتهامات بشأن استهداف المدنيين، والوقائع التي قد تمس السيادة أو الموارد، ينبغي أن تخضع للتحقيق وفق إجراءات مهنية مستقلة. ولا ينبغي أن تكون المحاسبة انتقائية أو مرتبطة بهوية المتهم أو موقعه السياسي والعسكري. فالدولة التي تتجاهل حقوق الضحايا تضعف ثقة مواطنيها، والدولة التي تستخدم الاتهامات من دون أدلة تفتح الباب أمام التضليل والتصعيد. أما التحقيقات الشفافة، فتتيح تحديد المسؤوليات، وتمنح المتضررين فرصة للوصول إلى العدالة، وتساعد على منع تكرار الانتهاكات.
إن السودان يقف اليوم أمام اختبار تاريخي لا يتعلق فقط بقدرته على وقف الحرب، بل بقدرته على منع تكرار الظروف التي سمحت باندلاعها. فاستعادة الدولة لا تعني إعادة المؤسسات إلى شكلها السابق من دون مراجعة، وإنما بناء نظام أكثر قدرة على ضبط السلاح، وإدارة الموارد، وحماية الحدود، وإخضاع السلطة للقانون. كما أن استعادة السيادة لا تتحقق عبر خطاب سياسي مرتفع النبرة، بل عبر مؤسسات مستقلة وشفافة، واقتصاد يخضع للرقابة، وعلاقات خارجية تقوم على المصالح المتبادلة والندية، وسياسة داخلية تمنح المواطنين حق المشاركة في تحديد مستقبلهم.
وفي النهاية، فإن الخطر الأكبر لا يتمثل في أن تصبح دولة ما أكثر تأثيراً في السودان، أو أن تتنافس القوى الإقليمية على مصالحها فحسب، بل في أن تضعف الدولة إلى الحد الذي تعجز فيه عن تحديد مصالحها والدفاع عنها. وعندما يغيب التوافق الداخلي وتستمر الحرب وتتراجع الرقابة على الموارد، تصبح البلاد أكثر عرضة لأن تتحول أراضيها وثرواتها وممراتها الاستراتيجية إلى عناصر في حسابات الآخرين. ولهذا، فإن المدخل الحقيقي لحماية السودان يبدأ من الداخل: بوقف الحرب، واستعادة المسار السياسي، وبناء مؤسسات مهنية خاضعة للمساءلة، وإدارة الثروات بشفافية، والتحقيق في الوقائع التي تمس المواطنين والسيادة.
فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى دولة تستطيع ترجمة السيادة إلى حماية فعلية، والاستقلال إلى قرار وطني واضح، والموارد إلى تنمية يستفيد منها السكان. وكل تأخير في بناء هذه الدولة يمنح الحرب وقتاً إضافياً لتدمير ما تبقى من المؤسسات، ويزيد صعوبة استعادة الثقة بين المجتمع والسلطة. أما الطريق إلى الخروج من الأزمة، فيبدأ عندما تصبح حماية الإنسان مقدمة على حسابات البقاء في الحكم، وعندما تتقدم مصلحة البلاد على مصالح القوى المتنافسة، وعندما يدرك الجميع أن السودان لن يستعيد مكانته الإقليمية ما لم يستعد أولاً قدرته على إدارة شؤونه بنفسه.




