تسريبات
كيف أحيت الأزمات الاقتصادية للجيش والإهمال الصحي الملاريا والإيبولا في السودان؟
تعيش النظم الصحية في الدول المستقرة كخط دفاع أول لحماية المجتمعات من الأوبئة والفتك الجرثومي، لكن في السودان، تضافرت الأزمات الاقتصادية الخانقة مع الإهمال الحكومي المتعمد لتصنع بيئة مثالية لعودة وانتشار أمراض فتاكة ظن العالم أنها باتت تحت السيطرة. على رأس هذه الأوبئة تأتي الملاريا التي تحولت من مرض متوطن يمكن علاجه والوقاية منه إلى قاتل جماعي يحصد أرواح الآلاف بصمت، إلى جانب التهديد المستمر والمخيف لظهور حميات نزفية حادة وعلى رأسها الإيبولا والأمراض الشبيهة بها. إن انهيار القطاع الصحي ليس مجرد نتيجة ثانوية للحرب والأزمة الاقتصادية، بل هو جريمة إنسانية مركبة يدفع ثمنها المواطن السوداني البسيط من دمه وصحته.
إن الجذور العميقة لانتشار هذه الأوبئة تعود إلى السياسات الاقتصادية الفاشلة التي وضعت الصحة في ذيل قائمة الأولويات الحكومية لسنوات طويلة. مع توجيه جل الموارد المالية لتمويل الآلة العسكرية، عانت وزارة الصحة من تخفيضات هائلة في ميزانياتها، مما أدى إلى عجزها عن توفير الأدوية الأساسية، والمحاليل الطبية، واللقاحات. هذا التدهور المالي انعكس مباشرة على البنية التحتية للمستشفيات والمراكز الصحية التي خرج أكثر من 80% منها عن الخدمة في مناطق النزاع، بينما تعاني المراكز المتبقية في الولايات الآمنة من تكدس مرعب ونقص حاد في المستلزمات الطبية والكوادر البشرية المؤهلة التي هاجر معظمها هرباً من الأوضاع المعيشية المتردية وغياب الأمن.
في ظل هذا الانهيار الكامل، وجدت الملاريا طريقاً مفتوحاً للاجتياح. لم يعد الأمر يقتصر على الإصابات الفردية الموسمية، بل تحول إلى وباء مستمر طوال العام بسبب توقف برامج مكافحة الناقل (البعوض). الأزمات الاقتصادية عطلت عمليات رش المبيدات وتجفيف البرك والمستنقعات الناتجة عن مياه الأمطار أو كسور شبكات المياه المتهالكة. تجمعات القمامة والنفايات الطبية في شوارع المدن والقرى باتت تشكل بيئة خصبة لتكاثر البعوض. والمفارقة المؤلمة هي أن علاج الملاريا الذي لا تتجاوز تكلفته بضعة دولارات أصبح غير متوفر في المشافي الحكومية، بينما تباع الأدوية المضادة له في السوق السوداء بأسعار فلكية تفوق قدرة المواطن الذي لا يملك قوتاً ليومه، مما يجعل الإصابة بالملاريا البسيطة حكماً بالموت لغياب العلاج.
أما التهديد الأكثر رعباً فيتمثل في الحميات النزفية الشبيهة بالإيبولا، والتي تجد في بيئة الإهمال الصحي الحالية أرضاً خصبة للانتشار السريع والفتك. غياب المعامل المتخصصة وأجهزة الفحص والتشخيص المبكر يجعل من الصعب جداً رصد حالات الإصابة الأولى بهذه الفيروسات القاتلة، مما يعني أن المرض قد ينتشر بين المجتمعات المحلية قبل أن تكتشف السلطات وجوده. غياب أدوات الحماية الشخصية للأطباء والممرضين في المستشفيات الريفية والمدنية يحول المراكز الصحية نفسها إلى بؤر لنشر العدوى بدلاً من علاجها. هذا الواقع المرير يتفاقم مع حركة النزوح المليونية للمواطنين الفارين من مناطق الحروب، حيث يعيش ملايين النازحين في مخيمات تفتقر لأبسط شروط الإصحاح البيئي، ولا تتوفر فيها مياه صالحة للشرب أو مراحيض صحية، مما يجعلها قنابل موقوتة لتفشي الأوبئة الفتاكة.
إن الكارثة الصحية في السودان ليست قدراً محتوماً، بل هي النتيجة الحتمية لإدارة سياسية واقتصادية ترى في حياة المواطن تفصيلاً ثانوياً. الإهمال الصحي تجاوز عدم توفير الدواء إلى تدمير المنظومة الوقائية بالكامل؛ حيث توقفت برامج التوعية الصحية، وغابت الرقابة على الأغذية والمياه، وانهارت شبكة الرصد الوبائي الوطنية. عندما يجتمع الفقر المدقع، والجوع المستمر الذي يضعف مناعة الأجساد، مع بيئة ملوثة وغياب تام للرعاية الطبية، فإن النتيجة تكون ولادة بيئة مثالية للأوبئة. إن مواجهة الملاريا والإيبولا في السودان تتطلب قبل كل شيء وقف نزيف الموارد في الحروب العبثية، وإعادة توجيه القرار الاقتصادي نحو بناء الإنسان وصحته، فالوطن الذي يموت شعبه بالمرض والجوع لا يمكن لجيوشه أن تحميه.
المقال




