قضية دارفور في قلب الخلاف.. اتهامات لمناوي للبرهان والجيش بالتراجع عن مطالب الإقليم
تعود قضية دارفور إلى واجهة المشهد السياسي السوداني مع تصاعد الحديث عن الخلافات بين قيادة الجيش وعدد من الحركات المسلحة المتحالفة معها، وفي مقدمتها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي. فبينما تتجه الأنظار إلى المسارات السياسية المقترحة لإنهاء الحرب، تبرز تساؤلات حول موقع قضايا الأقاليم، وما إذا كانت التسوية المقبلة ستضع ملف دارفور في قلب الحل أم ستتعامل معه باعتباره ملفًا يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الحرب الحالية لم تلغِ جذور الصراع في دارفور، بل أعادت إنتاجها في سياق أكثر تعقيدًا. فالإقليم الذي شهد سنوات طويلة من الحرب والنزوح والتوترات السياسية والقبلية أصبح مرة أخرى إحدى أبرز ساحات الصراع السوداني، الأمر الذي يجعل أي تسوية وطنية غير قادرة على معالجة وضعه عرضة لاختبارات صعبة.
وفي هذا السياق، تُنسب إلى مناوي انتقادات لقيادة الجيش بشأن مسارات الحل السياسي، واتهامات بأن بعض المقترحات قد تؤدي إلى تراجع قضية دارفور في سلم الأولويات. وبصرف النظر عن مدى دقة كل رواية متداولة، فإن جوهر الخلاف يعكس سؤالًا أعمق: هل تستطيع القوى السودانية بناء تسوية تنهي الحرب من دون إعادة إنتاج الأسباب التي أدت إلى اندلاع النزاعات في الأطراف؟
دارفور.. قضية تتجاوز الحرب الحالية
لفهم الخلاف الحالي، لا بد من العودة إلى جذور قضية دارفور. فالإقليم لم يدخل دائرة الصراع بسبب الحرب الحالية فقط، وإنما شهد منذ سنوات طويلة توترات سياسية وأمنية مرتبطة بالتنمية، وتقاسم السلطة والثروة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والنزاعات المحلية على الأرض والموارد.
وقد أدى فشل الحكومات المتعاقبة في معالجة هذه الملفات بصورة نهائية إلى ظهور حركات مسلحة تبنت مطالب سياسية وإقليمية. وكانت اتفاقية جوبا للسلام محاولة لمعالجة جانب من هذه الأزمة، من خلال إشراك عدد من الحركات المسلحة في العملية السياسية وإقرار ترتيبات تتعلق بالحكم والثروة والأمن.
لكن تنفيذ الاتفاق واجه تحديات عديدة، ثم جاءت الحرب لتعيد ترتيب الأولويات. ومع اندلاع القتال بين الجيش والدعم السريع، أصبحت الأولوية بالنسبة إلى كثير من الأطراف هي وقف الانهيار الأمني واستعادة السيطرة على المدن والمناطق الاستراتيجية. غير أن الحرب لم تلغِ القضايا القديمة.بل إن بعضها أصبح أكثر إلحاحًا.
مناوي ودفاعه عن قضية الإقليم
يمثل مناوي حالة سياسية خاصة لأنه خرج من رحم حركة مسلحة تأسست أساسًا على خلفية قضية دارفور، ثم انتقل إلى العمل السياسي وتولى منصب حاكم الإقليم.
ولهذا فإن موقعه السياسي مرتبط بدرجة كبيرة بقدرته على الدفاع عن مصالح دارفور. فإذا دخل في أي تسوية سياسية دون ضمانات واضحة للإقليم، فقد يجد نفسه أمام انتقادات من القوى التي ينتمي إليها أو يمثلها.
ومن هنا يمكن فهم حساسية مواقفه تجاه أي مسار سياسي يرى أنه لا يعطي دارفور المكانة التي تستحقها.
بالنسبة إلى مناوي، فإن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء قضية دارفور. بل إن المرحلة التي تلي الحرب قد تكون أهم من الحرب نفسها، لأنها ستحدد طبيعة الدولة السودانية لعقود قادمة.
هل سيستمر المركز في التحكم في القرار السياسي والاقتصادي؟
هل تحصل الأقاليم على صلاحيات أكبر؟
هل تستمر ترتيبات تقاسم السلطة والثروة؟
هل تتم معالجة ملف النازحين واللاجئين؟
هل تحصل مناطق النزاع على برامج حقيقية لإعادة الإعمار؟
هذه ليست أسئلة جانبية، وإنما تمثل جوهر القضية التي قامت عليها الحركات المسلحة.
الخلاف حول مسارات الحل
مع تعدد المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب، أصبح هناك أكثر من تصور لطريقة الوصول إلى السلام. بعض المسارات تركز على وقف إطلاق النار أولًا، ثم الانتقال إلى عملية سياسية. مسارات أخرى تضع مسألة تشكيل حكومة انتقالية أو إعادة بناء مؤسسات الدولة في مقدمة الأولويات. وهناك أطراف ترى أن أي حل يجب أن يبدأ بمعالجة القضايا الإقليمية والعدالة والمساءلة. هذا التعدد في الرؤى يمكن أن يكون مصدر قوة إذا جرى توحيده ضمن عملية سياسية شاملة، لكنه قد يتحول إلى مصدر خلاف إذا شعرت بعض القوى بأن الحل يجري تصميمه بعيدًا عنها.
وهنا تبرز مخاوف الحركات المسلحة. فأي تسوية يتم التوصل إليها بين القوى الكبرى من دون مشاركة فعلية للحركات قد تجعل هذه الأخيرة أمام أمر واقع جديد. وقد يؤدي ذلك إلى رفضها أو إلى محاولة تعديل الاتفاق لاحقًا.
هل تتراجع قضية دارفور؟
الاتهام بأن قضية دارفور قد يتم التنازل عنها في مسارات الحل يحتاج إلى التمييز بين الموقف السياسي والوقائع المثبتة. فقد ترى قيادة الجيش أن الأولوية الحالية هي إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، وأن قضايا الأقاليم يمكن إدراجها في مرحلة لاحقة. لكن بالنسبة إلى الحركات المسلحة، فإن تأجيل هذه الملفات يحمل مخاطر كبيرة. التجربة السودانية السابقة جعلت هذه القوى شديدة الحذر من الوعود المؤجلة.
فقد شهد السودان اتفاقات متعددة لم تؤدِّ دائمًا إلى تنفيذ كامل للالتزامات المتعلقة بالأقاليم. لذلك فإن الحديث عن ضمانات واضحة يصبح مسألة أساسية بالنسبة إلى أي حركة تريد المشاركة في التسوية المقبلة.
البرهان ومركزية الدولة
من زاوية أخرى، يمكن فهم موقف قيادة الجيش ضمن تصور مختلف للدولة. البرهان يقود مؤسسة عسكرية تواجه حربًا واسعة، ولذلك فإن أحد أهم أهداف القيادة العسكرية هو الحفاظ على وحدة الدولة ومنع تحول السودان إلى مناطق نفوذ منفصلة.
وهذا يتطلب، من وجهة نظرها، إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد القرار الأمني.لكن هنا تظهر المفارقة. فالسودان يحتاج إلى دولة موحدة، لكنه يحتاج أيضًا إلى معالجة الشعور بالتهميش الذي ساهم في إنتاج الحركات المسلحة.
إذا تحولت مركزية الدولة إلى مركزية مفرطة، فقد تعود المشكلة من جديد. أما إذا جرى الجمع بين وحدة الدولة ومنح الأقاليم صلاحيات حقيقية، فقد يكون من الممكن معالجة جذور الأزمة. وهذه هي المعادلة التي ستحدد نجاح أي تسوية سياسية.
مستقبل اتفاق جوبا
لا يمكن فصل الخلاف الحالي عن مستقبل اتفاق جوبا للسلام. الاتفاق كان أحد أهم التحولات السياسية التي أعادت تشكيل العلاقة بين الخرطوم والحركات المسلحة. وبموجبه دخل قادة حركات مسلحة إلى مؤسسات السلطة، وتم وضع ترتيبات خاصة بالأقاليم والقوات المسلحة والعدالة والتنمية.
لكن الحرب جعلت الكثير من بنوده موضع اختبار. فبعض الترتيبات الأمنية لم تكتمل بالشكل المطلوب، كما أن الظروف الاقتصادية والأمنية جعلت تنفيذ العديد من البنود أكثر صعوبة.
ومع استمرار الحرب، أصبح السؤال: هل ستعود الأطراف إلى الاتفاق بعد انتهاء القتال؟
أم ستتم صياغة اتفاق جديد؟
أم ستسعى قيادة الدولة إلى تجاوز الاتفاق وإعادة بناء النظام السياسي على أساس مختلف؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد بدرجة كبيرة مستقبل مناوي والحركات المسلحة.
استبعاد الحركات.. ماذا يعني؟
إذا اتجه المسار السياسي المقبل إلى تقليص دور الحركات المسلحة، فإن ذلك سيبعث برسالة سياسية قوية.
فالحركات قد تعتبر أن مشاركتها في الحرب لم تكن كافية للحصول على موقع في صناعة القرار.
وقد ترى أن التحالف العسكري الذي جمعها بالجيش كان تحالفًا مؤقتًا انتهى بمجرد تغير الحسابات السياسية.
في المقابل، قد يرى أنصار تقليص دورها أن المرحلة المقبلة يجب أن تنهي ظاهرة تعدد الجيوش والقوات المسلحة، وأن الدولة لا يمكن أن تستقر بوجود تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات.
وهنا لا يوجد تعارض بالضرورة بين هدفين:
توحيد السلاح وإشراك الأقاليم سياسيًا.
المشكلة تبدأ عندما يُفهم توحيد السلاح باعتباره إقصاءً سياسيًا. كما أن منح الحركات دورًا سياسيًا لا ينبغي أن يعني استمرار الجيوش الموازية. والتحدي الحقيقي هو بناء صيغة تحقق الأمرين معًا.
القوات المسلحة والحركات.. معادلة ما بعد الحرب
من الملفات التي ستحتاج إلى معالجة دقيقة مستقبل القوات التابعة للحركات المسلحة. الحرب الحالية جعلت بعض هذه القوات جزءًا من المعركة إلى جانب الجيش.
لكن استمرارها كقوات مستقلة بعد انتهاء الحرب قد يمثل مشكلة بالنسبة إلى بناء مؤسسة عسكرية موحدة. وفي الوقت نفسه، فإن دمجها بصورة مفاجئة قد يخلق مخاوف لدى الحركات بشأن فقدان نفوذها أو قدرة قواتها على حماية مناطقها.
لذلك فإن عملية الدمج يجب أن تكون جزءًا من اتفاق سياسي وأمني شامل. ويجب أن تتضمن ترتيبات واضحة للرتب والتدريب والانتشار والقيادة، إلى جانب معالجة الأسباب التي دفعت هذه القوى إلى حمل السلاح.
النازحون واللاجئون.. الاختبار الأصعب
أي حل سياسي لا يضع ملف النازحين واللاجئين في مقدمة أولوياته سيكون ناقصًا. فالحرب في دارفور خلقت موجات كبيرة من النزوح واللجوء، وأدت إلى تدمير أو اضطراب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مناطق واسعة.العودة ليست مجرد قرار بالعودة إلى المنازل. إنها تحتاج إلى الأمن، وإعادة الممتلكات، وإعادة الخدمات، وإعادة بناء المدارس والمراكز الصحية، وضمان عدم تجدد النزاعات المحلية.
كما تحتاج إلى معالجة قضية الأرض والحواكير والنزاعات على الموارد.وهذه الملفات لا يمكن حلها بمجرد توقيع اتفاق سياسي في الخرطوم.بل تحتاج إلى برامج طويلة الأجل على الأرض.
العدالة والمساءلة
تظل العدالة واحدة من أكثر القضايا حساسية في دارفور.فأي تسوية تتجاهل مطالب الضحايا قد تترك جروح الحرب مفتوحة.لكن العدالة أيضًا تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وقادرة على العمل، وإلى إجراءات قانونية تحظى بثقة المجتمع.
والتحدي هنا أن أطرافًا مختلفة في الحرب تواجه اتهامات بانتهاكات، ما يجعل ملف العدالة حساسًا لجميع القوى تقريبًا. ومع ذلك، فإن تأجيل العدالة إلى أجل غير معلوم قد يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف.ولهذا يجب أن تكون العدالة جزءًا من التسوية، وليس مجرد ملف ثانوي.
هل يستطيع مناوي الحفاظ على موقعه؟
بالنسبة إلى مناوي، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا سياسيًا كبيرًا.فالحاكم الذي كان جزءًا من ترتيبات السلام السابقة أصبح اليوم جزءًا من معادلة الحرب.وإذا اتجهت القيادة إلى تشكيل مسار سياسي جديد لا يمنحه الدور الذي يريده، فسيحتاج إلى تحديد كيفية التعامل مع الوضع.
هل يختار التصعيد السياسي؟
هل يحاول التفاوض للحصول على ضمانات؟
هل يركز على قضية دارفور بدلًا من منصبه الشخصي؟
الاختيار بين هذه الخيارات سيحدد صورته المستقبلية.فإذا استطاع تقديم نفسه باعتباره مدافعًا عن مصالح الإقليم ضمن مشروع وطني شامل، فقد يحافظ على نفوذ سياسي مهم.أما إذا تحول الخلاف إلى صراع على المناصب فقط، فقد يفقد جزءًا من الدعم الذي يستند إليه.
الجيش أيضًا أمام اختبار
لا تقع مسؤولية نجاح التسوية على الحركات المسلحة وحدها.
قيادة الجيش أمام اختبار كبير أيضًا.
فالجيش الذي يخوض حربًا باسم الحفاظ على الدولة يحتاج بعد انتهاء الحرب إلى بناء دولة قادرة على استيعاب الاختلافات.
وهذا يعني أن القوة العسكرية وحدها لن تكون كافية.
إعادة بناء المؤسسات، وإطلاق عملية سياسية واسعة، ومعالجة قضايا الأقاليم، وإعادة الإعمار، وتحقيق العدالة، كلها عناصر ضرورية لبناء الاستقرار.
وإذا تم التعامل مع الحركات المسلحة باعتبارها مجرد مشكلة أمنية، فقد تظهر حركات جديدة في المستقبل.
أما إذا تم تحويلها من قوى مسلحة إلى قوى سياسية ضمن نظام ديمقراطي ومؤسساتي، فقد تكون نهاية الحرب فرصة لمعالجة أحد أقدم أزمات السودان.
التسوية الشاملة هي الاختبار الحقيقي
في النهاية، فإن قضية دارفور لا يمكن فصلها عن الأزمة السودانية كلها.
الحرب الحالية ليست مجرد صراع بين قوتين عسكريتين.
إنها نتيجة تراكم طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا فإن إنهاء المعارك لا يعني بالضرورة إنهاء الأزمة.
السلام الحقيقي يحتاج إلى معالجة جذور الصراع.
وهنا يكمن جوهر الخلاف المحتمل بين مناوي وقيادة الجيش.
فإذا كانت التسوية المقبلة تركز فقط على إنهاء القتال وتشكيل سلطة جديدة، فقد تبقى قضايا دارفور معلقة.
أما إذا كانت التسوية تتضمن إعادة بناء الدولة على أساس المشاركة والعدالة والتنمية واللامركزية، فقد تكون هناك فرصة حقيقية لإغلاق صفحة الحرب.




