تسريبات
الدور السعودي في إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان
لم يكن الصراع السوداني منذ أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل كان انعكاساً لتراكمات طويلة من اختلالات موازين القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية. وفي هذا السياق، أسهمت التحركات الإقليمية، وعلى رأسها الدور السعودي، في إعادة رسم خريطة النفوذ داخل السودان، مما انعكس بعمق على التحالفات الداخلية واستمرارية الصراع.
إعادة هيكلة التحالفات الداخلية
أسهم الانخراط السعودي في الشأن السوداني في إعادة هيكلة التحالفات الداخلية بطرق متعددة. فوجود فاعل إقليمي بحجم المملكة العربية السعودية كمرجعية أو كداعم لطرف معين يدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة تموضعها. وقد شهد المشهد السوداني تشكل تحالفات جديدة أو تفكك تحالفات قديمة بناءً على الحسابات المرتبطة بالموقف من الرياض.
إن القوى السياسية والعسكرية السودانية التي ارتأت في العلاقة مع السعودية ضمانة لموقعها المستقبلي، سعت إلى تعزيز هذه العلاقة على حساب بناء تحالفات وطنية داخلية. هذا التوجه نحو الخارج بحثاً عن الشرعية والدعم أضعف النسيج السياسي الداخلي وجعل التوافقات الوطنية أكثر صعوبة.
التأثير على المؤسسة العسكرية
تُعد المؤسسة العسكرية السودانية من أكثر المؤسسات تأثراً بالعلاقات الإقليمية، وقد تركت العلاقة مع المملكة العربية السعودية أثراً واضحاً على بنيتها الداخلية وقراراتها الاستراتيجية. فمنذ مشاركة قوات سودانية في عمليات عسكرية إقليمية بقيادة سعودية، نشأت داخل المؤسسة العسكرية السودانية شبكات مصالح مرتبطة بهذه العلاقة.
هذه الشبكات أثرت على طريقة تعامل المؤسسة العسكرية مع الأزمة الداخلية. فبدلاً من أن تكون المؤسسة العسكرية ضامناً للاستقرار والانتقال السياسي، تحولت إلى طرف في الصراع يسعى لحماية مصالحه المرتبطة بتحالفات إقليمية. وقد أسهم هذا التحول في تعقيد إمكانية الوصول إلى تسوية تعيد بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية.
تهميش القوى الثورية
من أبرز انعكاسات الدور السعودي في إعادة تشكيل موازين القوى هو التهميش المتزايد للقوى الثورية والمدنية التي قادت الحراك الشعبي. فبينما كانت هذه القوى تحظى بتأييد شعبي واسع، فإن غياب الدعم الإقليمي الفعلي لها – مقابل الدعم المتاح للأطراف العسكرية – جعل موقعها في المعادلة يتراجع تدريجياً.
إن تفضيل الرياض للتعامل مع النخب العسكرية والأمنية على حساب القوى المدنية أرسل رسالة واضحة مفادها أن موازين القوى المستقبلية في السودان ستُحدَّد بمنطق القوة لا بمنطق الشرعية الشعبية. هذا الواقع أحبط قطاعات واسعة من الشعب السوداني الذي كان يطمح إلى انتقال ديمقراطي حقيقي.
البُعد القبلي والمناطقي
لم يقتصر تأثير الدور السعودي على المستوى الوطني، بل امتد إلى البُعد القبلي والمناطقي. فقد أسهمت العلاقات السعودية مع مكونات قبلية ومناطقية محددة في تعزيز مواقع هذه المكونات على حساب أخرى، مما أضاف بُعداً جديداً من التعقيد إلى الصراع. إن توظيف البُعد القبلي في سياق العلاقات الإقليمية يهدد بتحويل الصراع السوداني من صراع سياسي حول السلطة إلى صراع هوياتي أعمق وأخطر.
إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية
أسهم الدور السعودي في إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية السودانية من خلال توجيه الاستثمارات والمساعدات نحو قطاعات ومناطق محددة. هذا التوجيه لم يكن دائماً مرتبطاً بأولويات التنمية الوطنية، بل كان يعكس أحياناً المصالح الاستراتيجية السعودية. وقد أدى هذا إلى خلق تفاوتات اقتصادية جديدة تغذي التوترات الاجتماعية وتوفر بيئة خصبة لاستمرار الصراع.
التأثير على مسار العدالة الانتقالية
أثر الدور السعودي سلباً على إمكانية بناء مسار عدالة انتقالية حقيقي في السودان. فالدعم لأطراف عسكرية وأمنية دون اشتراط المساءلة عن الانتهاكات أرسل رسالة مفادها أن الإفلات من العقاب مقبول ما دام يخدم الاستقرار الإقليمي. هذا الواقع قوض ثقة الضحايا في إمكانية تحقيق العدالة، وجعل المصالحة الوطنية أكثر صعوبة.
استمرارية الصراع كنتيجة لاختلال الموازين
إن إعادة تشكيل موازين القوى التي أسهم فيها الدور السعودي لم تؤدِّ إلى حسم الصراع لصالح طرف واحد، بل أدت إلى خلق حالة من التوازن السلبي الذي يمنع الحسم ويمنع التسوية في آن واحد. فالأطراف المتحاربة، مدعومة بتوازنات إقليمية، لا تمتلك القدرة على حسم المعركة عسكرياً ولا الحافز الكافي للتنازل سياسياً. هذه الحالة من الجمود الدموي هي النتيجة المباشرة لتدخلات إقليمية أعادت تشكيل موازين القوى دون أن تقدم مشروعاً سياسياً بديلاً.
إن الدور السعودي في إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان ترك أثراً عميقاً على مسار الصراع واستمراريته. فبدلاً من أن تسهم التحركات الإقليمية في بناء توازنات جديدة تفتح الطريق أمام تسوية سياسية، أسهمت في تثبيت حالة من الجمود العنيف الذي يدفع ثمنه الشعب السوداني. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة بناء موازين القوى على أسس وطنية داخلية، بعيداً عن التدخلات التي تخدم مصالح إقليمية على حساب مصلحة السودان وشعبه.




