تسريبات

فساد حكومة بورتسودان والصفقات الحكومية.. من يراقب أموال الدولة في زمن الحرب؟


وفي السودان، تزداد أهمية هذا الملف مع استمرار الحرب وانتقال مؤسسات السلطة إلى بورتسودان، حيث أصبحت الحكومة تواجه تحديات اقتصادية ومالية غير مسبوقة. لكن هذه الظروف لا تعفيها من واجب حماية المال العام، بل تجعل مسؤوليتها أكبر، لأن كل مبلغ تنفقه الدولة يجب أن يخضع لحسابات دقيقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمشتريات والاتفاقات والخدمات التي تمول من الإيرادات العامة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه على حكومة بورتسودان هو: من يراقب العقود التي توقعها الوزارات والمؤسسات الحكومية؟ ومن يحدد الشركات التي تحصل على المشاريع؟ وهل يتم الإعلان عن المناقصات بصورة تسمح بالمنافسة، أم أن بعض العقود تمنح عبر إجراءات استثنائية لا يعرف المواطن تفاصيلها؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية في ظل التقارير التي تحدثت عن ضعف الرقابة المالية على المؤسسات والشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية. فقد أشار تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2025 إلى أن الشركات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية تتمتع بنفوذ اقتصادي واسع، وأن بعض هذه الشركات لا يخضع للمراجعة العامة بالشكل الكافي.

وهذا الواقع يثير مخاوف من تضارب المصالح، خصوصاً عندما تكون المؤسسة نفسها طرفاً في إدارة القرار أو منح الامتيازات أو تنفيذ العقود. ففي أي دولة تحترم قواعد الإدارة العامة، يجب أن تكون هناك حدود واضحة بين الجهة التي تتخذ القرار والجهة التي تستفيد منه. ولا يجوز للمؤسسات التي تتمتع بسلطة عامة أن تستخدم نفوذها للحصول على امتيازات تجارية لا تتوفر للقطاع الخاص.

وتزداد خطورة هذه المسألة في العقود المرتبطة بالاستيراد والتوريد. فالسودان يحتاج إلى استيراد الغذاء والدواء والوقود والمعدات والمواد الخام، لكن ارتفاع تكلفة هذه السلع لا يرتبط فقط بسعر الدولار، بل قد يتأثر أيضاً بعدد الوسطاء والرسوم والإجراءات والاحتكارات. وعندما تغيب المنافسة، قد ترتفع تكلفة التعاقد على الدولة، ثم يتحمل المواطن النتيجة من خلال الأسعار والضرائب وتراجع الخدمات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للعقود الحكومية المبرمة خلال الحرب، خاصة العقود ذات القيمة المالية الكبيرة، والعقود التي منحت لشركات حديثة التأسيس أو مرتبطة بمسؤولين أو جهات نافذة. ويجب أن تشمل المراجعة أسماء الشركات والمساهمين الحقيقيين، وقيمة العقود، ومدة التنفيذ، وشروط الدفع، والضمانات المقدمة، ومدى الالتزام بالتنفيذ.

ولا ينبغي أن تكون السرية ذريعة لإخفاء جميع المعلومات. فمن الممكن حماية التفاصيل الأمنية الحساسة، مع نشر القيمة الإجمالية للعقد والجهة المنفذة وطبيعة المشروع ومصادر التمويل. فالشفافية لا تعني كشف أسرار الدولة، وإنما تعني منع استخدام السرية لحجب المعلومات المالية التي تخص المواطنين.

ومن الملفات التي تستحق اهتماماً خاصاً المشتريات الحكومية المتعلقة بالخدمات اللوجستية والنقل والتخزين، خصوصاً في ظل اعتماد البلاد على الموانئ والمعابر لاستيراد الاحتياجات الأساسية. فهذه القطاعات تمثل نقاطاً استراتيجية في الاقتصاد، ويمكن أن يؤدي ضعف الرقابة فيها إلى ارتفاع تكاليف السلع وإضعاف قدرة الشركات الصغيرة على المنافسة.

كما أن الضرائب والجمارك تمثل مصدراً مهماً للإيرادات العامة. ولذلك يجب معرفة كيفية تحصيلها، والجهات التي تتولى إدارتها، وأوجه استخدامها. فلا يمكن أن تطالب الحكومة المواطن بتحمل المزيد من الرسوم والضرائب في الوقت الذي لا تقدم فيه حساباً واضحاً عن الإيرادات التي تجمعها.

وقد أشار البنك الإفريقي للتنمية في تقريره الاقتصادي لعام 2026 إلى أن السودان يواجه قيوداً حادة في تعبئة الموارد المالية المحلية، بسبب ضعف الإيرادات واتساع الاقتصاد غير الرسمي ومحدودية الوصول إلى التمويل. وأكد التقرير أن تحسين إدارة المالية العامة والشفافية والمساءلة من الشروط الأساسية لاستعادة المصداقية الاقتصادية.

إن هذه المؤشرات تجعل إصلاح نظام التعاقدات الحكومية ضرورة اقتصادية وليست مجرد مطلب سياسي. فالدولة التي تخسر مواردها بسبب العقود غير الفعالة أو ضعف التحصيل أو تضارب المصالح، ستجد نفسها مضطرة إلى تقليل الإنفاق على الخدمات أو زيادة الرسوم أو الاعتماد على مصادر تمويل أكثر تكلفة.

ويتحمل البرهان مسؤولية سياسية عن ضمان عدم تحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة المصالح الخاصة. كما تتحمل الحكومة ووزارة المالية والوزارات المعنية مسؤولية نشر المعلومات وإتاحة البيانات للمراجعين والصحفيين والباحثين.

وإذا كانت سلطة بورتسودان تؤكد أنها تعمل من أجل الحفاظ على مؤسسات الدولة، فإن حماية المال العام يجب أن تكون جزءاً أساسياً من هذا الالتزام. فالمؤسسات لا تستعيد ثقة المواطنين بالقوة أو بالخطابات، وإنما بالقدرة على تقديم الحسابات وكشف التجاوزات ومحاسبة المسؤولين.

والمطلوب اليوم ليس إطلاق اتهامات عامة، بل تشكيل لجنة مستقلة لمراجعة العقود الحكومية منذ أبريل 2023، مع صلاحيات الوصول إلى الوثائق المالية ومراجعة حسابات الشركات المستفيدة. وينبغي نشر نتائج هذه المراجعة، وإحالة أي شبهات جنائية إلى الجهات القضائية المختصة.

كما يجب وضع سجل وطني للعقود الحكومية، يتيح الاطلاع على أسماء الشركات وقيم المشاريع ومراحل التنفيذ، مع ضمان حق المواطنين في تقديم البلاغات والشكاوى. وينبغي أن تكون هناك حماية للمبلغين والصحفيين الذين يكشفون مخالفات موثقة.

إن السؤال عن فساد حكومة بورتسودان لا يمكن أن يظل مجرد سجال سياسي. إنه سؤال عن مستقبل دولة تحتاج إلى كل جنيه وكل دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب. فكل عقد غير شفاف قد يعني مستشفى لم يتم بناؤه، أو مدرسة لم تتم صيانتها، أو دواء لم يصل إلى مريض، أو طريقاً ظل مدمراً سنوات إضافية.

والسؤال الموجه إلى البرهان وحكومته واضح: هل يمكن نشر العقود الحكومية الكبرى، والكشف عن الشركات المستفيدة منها، وتقديم حسابات دقيقة عن الأموال التي أنفقت خلال الحرب؟ إن الشفافية ليست تهديداً للدولة، بل هي شرط أساسي لحمايتها من الفساد واستعادة ثقة شعبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى