تسريبات
فرض حظر شامل على السلاح في السودان
بينما تركز معظم التحليلات حول الصراع السوداني على الجوانب العسكرية والإنسانية، يلمس المقال المنشور في “Foreign Policy” بتاريخ 3 سبتمبر 2026، بقلم مايكل والتز ومسعد بولس، الوتر الأكثر حساسية والأعمق تأثيراً: المستقبل السياسي للسودان. في رسالة سياسية بالغة الأهمية والوضوح، يعلن الكاتبان أن لا الجيش السوداني (SAF) ولا قوات الدعم السريع (RSF) يمتلكان الشرعية لحكم السودان بعد انتهاء الحرب. هذا الطرح ليس مجرد رأي عابر، بل هو جوهر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، والتي ترفض منطق “المنتصر يأخذ كل شيء”، وتدفع بقوة نحو مسار مدني مستقل. يستكشف هذا المقال أبعاد هذه المعادلة السياسية، وتداعياتها على مستقبل الحكم في السودان.
تفكيك شرعية الانتصار العسكري
لطالما كانت الحروب الأهلية في المنطقة تُنهي بتسويات تعترف بالأمر الواقع العسكري، حيث يُمنح القائد الأقوى أو المنتصر دوراً محورياً في المرحلة الانتقالية. المقال يكسر هذه القاعدة التقليدية بشكل صادم وحاسم. يحمّل الكاتبان الطرفين مسؤولية الانتهاكات الجسيمة؛ فيتهمان الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معه بارتكاب إبادة جماعية وعنف جنسي منهجي، وفي الوقت نفسه يؤكدان أن الجيش السوداني ارتكب فظائع مماثلة، وأن كلاهما مسؤول عن عرقلة ونهب المساعدات الإنسانية. هذه “الإدانة المزدوجة” أو “التشويه المتبادل” تؤدي إلى نتيجة منطقية وحتمية: لا يمكن لأي طرف ارتكب هذه الجرائم أن يحظى بشرعية أخلاقية أو سياسية لحكم شعب سوداني عانى الأمرين. الانتصار العسكري في هذه الحالة لن يكون نهاية للحرب، بل سيكون بداية لحرب أخرى، أو لحكم استبدادي يعتمد على القمع والسلاح. لذا، ترفض واشنطن منطق الغلبة العسكرية كأساس لشرعية الحكم.
الدفع نحو مسار مدني سوداني مستقل
البديل الذي يطرحه المقال ليس وصاية دولية، ولا فرض حلول من الخارج، بل “حوار مدني سوداني مستقل وذي مصداقية”. هذا الطرح يعكس إدراكاً أمريكياً عميقاً بأن الحل الدائم يجب أن ينبثق من الداخل السوداني. المجتمع المدني السوداني، الذي لعب دوراً بطولياً في الثورة وفي إدارة الأزمات المحلية أثناء الحرب، هو الضامن الوحيد لمستقبل ديمقراطي. مشروع القرار والسياسة الأمريكية المصاحبة له تهدف إلى “تهيئة المجال” لهذا المسار المدني. من خلال الهدنة الإنسانية، ووقف تدفق السلاح، وتحييد العسكريين عن المعادلة السياسية، تخلق واشنطن مساحة آمنة للقوى المدنية، والنقابات، ولجان المقاومة، والقيادات التقليدية والمجتمعية، للجلوس على طاولة الحوار وتحديد مستقبل بلادهم.
رسالة طمأنة وتحذير للطرف العسكري
تحمل هذه الرسالة السياسية بعداً نفسياً واستراتيجياً مزدوجاً. بالنسبة للقيادات العسكرية في كلا المعسكرين، هي رسالة تحذير قاسية: لا تراهنوا على أن انتصاركم العسكري سيمنحكم كرسي الحكم، لأن المجتمع الدولي لن يعترف بشرعيتكم. هذا قد يساهم في كسر حلقة التصعيد، ويجعل القيادات العسكرية تدرك أن الاستمرار في الحرب هو انتحار سياسي. وفي الوقت نفسه، هي رسالة طمأنة للقوى المدنية السودانية والمجتمع الدولي: الولايات المتحدة لن تكرر أخطاء الماضي بالتعامل مع العسكر كخيار وحيد للاستقرار. الدفع نحو مسار مدني يعني أن الدعم السياسي والمالي لإعادة الإعمار سيكون مشروطاً بوجود حكومة مدنية منتخبة أو توافقية تعبر عن إرادة الشعب، وليس حكومة عسكرية مفروضة بقوة البنادق.
تحديات المسار المدني وكيفية تجاوزها
يدرك الكاتبان أن الدفع نحو مسار مدني ليس بالأمر الهين. القوى المدنية نفسها تعاني من تشتت وضعف، والعسكر يحاولون دائماً اختراقها أو توظيفها. لذا، فإن مشروع القرار لا يكتفي بالدعوة للحوار، بل يخلق بيئة مواتية له. الحظر الشامل على السلاح يحد من قدرة العسكر على ترهيب المدنيين. والهدنة الإنسانية تخفف من معاناة الشعب، مما يعيد الثقة في عملية السلام. كما أن استهداف شبكات التمويل الخارجي يقطع الأذرع المالية التي يستخدمها العسكر لشراء الذمم وتقسيم القوى المدنية.
الخيار المدني كضمان للاستقرار الإقليمي
إن رفض واشنطن للانتصار العسكري والدفع نحو الحل المدني ليس مجرد موقف مبدئي يدعم الديمقراطية، بل هو حساب استراتيجي بحت. التاريخ يثبت أن الدول التي يحكمها عسكريون وصلوا للسلطة عبر الحرب الأهلية تكون دولاً هشة، قابلة للانفجار، ومصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي. السودان المدني، الديمقراطي، الذي ينبع حكمه من إرادة شعبه، سيكون شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب، وتأمين البحر الأحمر، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وبناء اقتصاد إقليمي متكامل.
يُجسد المقال تحولاً جوهرياً في الفكر السياسي الأمريكي تجاه السودان. إن فصل المسار العسكري عن المسار السياسي، ورفض منح الشرعية للمنتصر عسكرياً، يمثل طوق نجحة للسودان من دائرة العنف المزمن. إن مستقبل السودان، كما يؤكد المقال، يجب ألا يُكتب بحبر الدماء والبارود، بل يجب أن يُصاغ في حوار مدني حر، يضمن للشعب السوداني حق تقرير مصيره، ويمنح البلاد فرصة حقيقية للسلام الدائم والازدهار.




