خسائر المسيّرات وأسئلة الكفاءة التشغيلية.. ما الذي تكشفه الحوادث عن إدارة العمليات الجوية في السودان؟
أعاد تكرار الأخبار المتعلقة بسقوط الطائرات المسيّرة في السودان فتح النقاش حول كفاءة إدارة العمليات الجوية، ومدى قدرة القيادات العسكرية على توظيف التكنولوجيا الحديثة في بيئة قتالية معقدة. ومع انتقال الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى مرحلة يتزايد فيها الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة، لم تعد قيمة هذه الطائرات مرتبطة بمواصفاتها الفنية وحدها، بل أصبحت تتوقف أيضاً على كفاءة التخطيط للمهمات، والتنسيق بين الوحدات، وجودة المعلومات الاستخباراتية، وقدرة الأطقم على التعامل مع الظروف المتغيرة في الميدان. وفي هذا السياق، فإن سقوط طائرة مسيّرة، إذا تأكدت الواقعة، يثير أسئلة مشروعة بشأن أسباب الحادثة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود قصور عام لدى ضباط الجيش أو تحميل جهة قيادية محددة المسؤولية من دون معلومات موثوقة عن تفاصيل المهمة.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل ما تشهده جبهات كردفان من تغيرات ميدانية، واستخدام متزايد للطائرات المسيّرة في الاستطلاع والضربات بعيدة المدى ومحاولات تعطيل الإمدادات. فقد أشارت تقارير صحفية خلال عام 2026 إلى إعلان الجيش السوداني إسقاط طائرات مسيّرة من طراز FH-95 في مناطق مختلفة، في الوقت الذي تحدثت فيه قوات الدعم السريع عن إسقاط طائرات بيرقدار تركية الصنع. وتعكس هذه الإعلانات استخدام الطرفين لغة الخسائر الجوية في معركتهما لإظهار القدرة على مواجهة الخصم، لكنها لا توفر، بمفردها، معلومات كافية لتقييم الكفاءة التشغيلية لأي منهما. فتقييم الأداء العسكري يتطلب بيانات عن إجمالي الطلعات، وعدد المهمات التي نُفذت بنجاح، وطبيعة الخسائر وأسبابها، ومدى تكرار الأخطاء، فضلاً عن مقارنة النتائج بالأهداف التي وضعتها القيادة قبل بدء العمليات.
ومن الناحية المهنية، يمكن أن تنتج خسارة الطائرات المسيّرة عن أسباب مختلفة لا ترتبط جميعها بأداء الضباط. فقد تتعرض الطائرة للاستهداف بواسطة الدفاعات الجوية، أو تواجه تشويشاً إلكترونياً، أو تفقد الاتصال بمحطة التحكم، أو تتأثر بعطل فني، أو تُجبر على الهبوط نتيجة ظروف تشغيلية غير متوقعة. وقد يكون الخطأ البشري أحد الاحتمالات في بعض الحوادث، لكن تحديده يحتاج إلى تحقيق فني يدرس سجل الرحلة، والاتصالات بين الطاقم ومركز القيادة، وظروف المهمة، وحالة الطائرة قبل الإقلاع وبعده. ومن دون هذه المعلومات، فإن وصف سقوط طائرة بأنه دليل على ضعف الكفاءة التشغيلية لضباط الجيش يبقى استنتاجاً غير مثبت، حتى لو كان طرح أسئلة بشأن مستوى التدريب والتخطيط أمراً مشروعاً في أي مؤسسة عسكرية.
ومع ذلك، فإن تعقيد البيئة القتالية لا يعفي القيادات العسكرية من مسؤولية مراجعة الأداء عند وقوع الخسائر. فالعمليات التي تستخدم أنظمة جوية متطورة تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التدريب الفني، وتحديث المعلومات الاستخباراتية، وتقييم المخاطر، وتبادل البيانات بين الوحدات المعنية. وإذا أظهرت التحقيقات المتكررة أن خسائر معينة نتجت عن سوء تقدير أو قصور في التنسيق أو إهمال إجراءات السلامة، فإن ذلك يستدعي مراجعة آليات اتخاذ القرار وتحديد المسؤوليات وفقاً للأدلة. لكن الفرق كبير بين المطالبة بمراجعة أداء المؤسسة العسكرية، وهي مسألة طبيعية في أي حرب، وبين إصدار حكم مسبق بأن ضباطها يفتقرون إلى الكفاءة استناداً إلى روايات متداولة لم تُفحص بصورة مستقلة.
كما أن طبيعة الطائرات المسيّرة نفسها تجعل المقارنة بين الحوادث أمراً ضرورياً قبل استخلاص النتائج. فالمنظومات المخصصة للاستطلاع تختلف عن المنظومات المصممة لحمل الذخائر أو تنفيذ الهجمات، كما تختلف قدراتها على مقاومة التشويش والبقاء في الجو والعمل ضمن نطاقات مختلفة. وقد لا تعني خسارة طائرة استطلاع أن المهمة الأساسية فشلت بالكامل، إذا كانت قد جمعت معلوماتها قبل إسقاطها، كما أن وصول الطائرة إلى هدفها لا يعني بالضرورة نجاح العملية إذا أخفقت في تحقيق الغرض العسكري أو تسببت في أضرار غير متناسبة. ومن ثم، فإن الحكم على الكفاءة التشغيلية ينبغي أن يرتبط بنتيجة المهمة كاملة، وليس بمصير الطائرة وحده.
وتطرح الحرب السودانية أيضاً تحديات تتعلق بقدرة الأطراف على صيانة معداتها وتأمين قطع الغيار واستدامة تشغيلها في ظل القتال المستمر. فالمنظومات المتقدمة تحتاج إلى خبرات فنية وإمدادات منتظمة وبرمجيات ومعدات اتصال متوافقة، وقد تتأثر كفاءتها بظروف التشغيل أو نقص الصيانة أو صعوبة نقل المعدات إلى مناطق المواجهة. وتبرز هذه العوامل أهمية دراسة منظومة الإسناد اللوجستي إلى جانب أداء الطيارين أو مشغلي الطائرات، لأن المسؤولية عن الخسائر قد تكون مرتبطة بقرارات على مستويات متعددة، بدءاً من تخطيط المهمة وصولاً إلى صيانة المعدات وتحديث أنظمة الاتصال. ومع ذلك، لا يجوز افتراض أن هذه المشكلات وقعت في حادثة محددة من دون دليل يثبت ذلك.
ومن الجوانب التي تستحق التدقيق أيضاً العلاقة بين القرارات الميدانية والنتائج التي تتحقق على الأرض. فقد تؤدي المعلومات غير الدقيقة عن مواقع الخصم إلى إرسال الطائرات في مسارات محفوفة بالمخاطر، وقد يؤدي ضعف التنسيق إلى تعريضها للدفاعات المعادية، كما يمكن أن تؤثر التقديرات الخاطئة للظروف المحيطة في نجاح المهمة. وإذا كانت هناك مؤشرات موثوقة على تكرار مثل هذه الأخطاء، فمن حق الصحافة أن تطرح أسئلة بشأن آليات التخطيط والمراجعة داخل المؤسسة العسكرية. غير أن التحقيق الجاد ينبغي أن يستند إلى وثائق أو شهادات موثوقة أو بيانات يمكن التحقق منها، لا إلى اتهامات عامة تستهدف ضباطاً بعينهم أو مؤسسة كاملة من دون أساس كافٍ.
ولا تقتصر أهمية هذه المسألة على المنافسة بين الجيش والدعم السريع، بل تمتد إلى حماية المدنيين وتقليل مخاطر العمليات الجوية. فكلما زاد الاعتماد على الطائرات المسيّرة، أصبحت الحاجة أكبر إلى ضمان جودة المعلومات المتعلقة بالأهداف، ومراجعة إجراءات تحديد المواقع، وتقييم احتمال وجود مدنيين في محيطها. ولا يمكن فصل الكفاءة التشغيلية عن الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، لأن نجاح المهمة من الناحية التقنية لا يبرر استهداف المدنيين أو تنفيذ هجمات عشوائية أو غير متناسبة. وقد وثقت تقارير أممية خلال عام 2026 سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في هجمات بالطائرات المسيّرة في السودان، مع دعوات متكررة لجميع أطراف النزاع إلى حماية السكان والمنشآت المدنية.
وتقتضي القراءة المتوازنة كذلك عدم التعامل مع الروايات التي تصدر عن الدعم السريع بشأن خسائر الجيش بوصفها تقارير فنية محايدة، أو التعامل مع بيانات الجيش عن إسقاط طائرات الخصم باعتبارها دليلاً نهائياً على التفوق. فكل طرف لديه مصلحة في إبراز خسائر الطرف الآخر وتقليل أهمية خسائره، وقد تُستخدم أرقام الحوادث لإرسال رسائل إلى المقاتلين والسكان والجهات الخارجية. ومن هنا، فإن الصحافة مطالبة بمقارنة البيانات الرسمية بالمعلومات المستقلة، والتدقيق في تواريخ الصور ومواقعها، والتمييز بين سقوط الطائرة وإسقاطها بفعل دفاعات الخصم، وبين الخسارة الفنية والفشل العملياتي. ولا ينبغي إغفال احتمال أن تكون بعض الحوادث صحيحة، بينما تكون التفسيرات التي تقدم بشأنها مبالغاً فيها أو غير دقيقة.
إن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كان سقوط طائرة واحدة يثبت ضعف ضباط الجيش أو تفوق الدعم السريع، بل ما إذا كانت هناك أدلة على نمط متكرر من الإخفاقات، وما الأسباب الفعلية لذلك النمط، وكيف ينعكس على مجريات الحرب وحماية السكان. والإجابة تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وبيانات قابلة للمراجعة ومقارنة بين الحوادث، لا إلى أحكام تصدر تحت ضغط الدعاية العسكرية. وفي ظل غياب التفاصيل الفنية عن عدد من الوقائع المتداولة، يبقى الحديث عن ضعف الكفاءة التشغيلية فرضية تحتاج إلى إثبات، لا حقيقة يمكن إعلانها استناداً إلى سقوط الطائرات وحده.
وفي المحصلة، تظل خسائر المسيّرات مؤشراً يستحق المتابعة، لكنها لا تقدم وحدها مقياساً كاملاً لكفاءة أي جيش. فالتقييم المهني يتطلب فهم الظروف التي سبقت الحادثة، وطبيعة المهمة، والنتيجة التي تحققت، ومدى قدرة المؤسسة على التعلم من الأخطاء وتجنب تكرارها. وإذا ثبت وجود قصور في التخطيط أو التدريب أو التنسيق، فينبغي عرضه بوضوح استناداً إلى الأدلة، مع تحديد المسؤوليات بصورة دقيقة. أما تحويل كل خسارة إلى اتهام شامل، أو اعتبار كل إعلان عسكري انتصاراً مؤكداً، فلا يساعد الجمهور على فهم الحرب بقدر ما يرسخ الانقسام ويبعد النقاش عن الوقائع التي يمكن التحقق منها.




