تسريبات

حرب تتجاوز الحدود.. كيف تحولت خطوط الإمداد الخارجية إلى جزء من معركة السودان؟

السودان وسلاسل الإمداد الإقليمية.. حين تصبح المطارات ومسارات النقل جزءاً من معادلة الحرب


كلما طال أمد الحرب السودانية، ازدادت الحاجة إلى فهم ما يجري خارج ساحات القتال، لا باعتباره خلفية سياسية للصراع، بل بوصفه جزءاً من البيئة التي تسمح للعمليات العسكرية بالاستمرار. فالمعارك التي تدور داخل السودان تتأثر بقدرة الأطراف على الحصول على الأسلحة والذخائر والمعدات، وبوجود مسارات للنقل والتمويل، وبمواقف الدول التي تملك التأثير في حركة الطيران والعبور عبر الحدود. ولهذا، فإن دراسة المطارات التي تستقبل طائرات الشحن، وشركات النقل التي تربط بين عدة دول، والتحولات التي تطرأ على البنية التحتية الجوية، أصبحت مدخلاً أساسياً لفهم البعد الإقليمي للحرب.

ومنذ اندلاع القتال في أبريل 2023، لم تعد حركة الإمدادات مسألة داخلية تخص القوات المتحاربة وحدها. فقد تناولت تقارير وتحقيقات مختلفة شبكات خارجية مرتبطة بطرفي الصراع، بينما كشفت متابعة الطيران وصور الأقمار الصناعية عن مسارات تستحق التحقيق في طبيعتها والجهات المستفيدة منها. وتبرز في هذا السياق مطارات مثل بورتسودان وشرق العوينات، إلى جانب مواقع أخرى وردت في مواد استقصائية عن الحركة الجوية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

غير أن رسم خريطة لهذه المسارات لا ينبغي أن يتحول إلى قائمة اتهامات غير متمايزة. فهناك فرق بين دولة توفر دعماً سياسياً، وأخرى تسمح باستخدام منشأة جوية، وشركة تنفذ رحلة شحن، وجهة تتسلم معدات عسكرية. كما أن إثبات تورط طرف في نقل شحنة محددة لا يعني بالضرورة أن جميع أنشطته التجارية أو اللوجستية مرتبطة بالحرب. ومن هنا، فإن المساءلة الجادة تبدأ بتحديد الوقائع والمسؤوليات، ثم ربطها بالأدلة المتاحة.

من الدعم السياسي إلى المؤشرات اللوجستية

يمثل الدعم السياسي أحد مستويات الانخراط الإقليمي في النزاعات، لكنه يختلف من حيث الطبيعة والأثر عن الدعم العسكري المباشر. فالتصريحات الرسمية والمواقف الدبلوماسية قد تعكس تحالفات أو حسابات أمنية، بينما تحتاج الادعاءات المتعلقة بنقل الأسلحة أو توفير المعدات العسكرية إلى أدلة أكثر تحديداً، مثل سجلات الرحلات أو وثائق الشحن أو نتائج التحقيقات المستقلة.

وفي الملف السوداني، تناولت تقارير صحفية وبحثية مسارات جوية ربطت بين مطارات خارج البلاد وبورتسودان، الذي أصبح مركزاً مهماً للسلطات المرتبطة بالجيش خلال الحرب. وبرزت ضمن هذه التقارير رحلات لطائرات شحن إيرانية، بينها EP-FAB، التي ربطت «إيكاد» نشاطها بنقل مسيّرات إيرانية إلى السودان. كما أظهرت التحقيقات التي تناولت شرق العوينات مؤشرات على وجود نشاط جوي وتغيرات في المنشأة، إلى جانب تقارير دولية بحثت في صلة الموقع بنقل المسيّرات التركية.

وتكتسب هذه الوقائع أهميتها عندما تُقرأ بصورة متقاطعة، لا باعتبار كل واحدة منها دليلاً كافياً على وجود منظومة موحدة. فوجود رحلة إيرانية إلى بورتسودان لا يثبت وحده أن جميع الرحلات القادمة من إيران كانت عسكرية، كما أن وجود طائرة نقل تركية في شرق العوينات لا يحدد تلقائياً طبيعة حمولتها أو وجهتها النهائية. لكن تواتر الرحلات وتزامنها مع مؤشرات أخرى قد يوفر أساساً للتحقيق في وجود علاقات تشغيلية بين المطارات والجهات التي تتولى النقل.

شرق العوينات وموقع مصر في الحسابات الإقليمية

أثار مطار شرق العوينات اهتماماً دولياً بعد تقارير تناولت ظهور مسيّرات تركية متقدمة في المنشأة الواقعة جنوب غربي مصر قرب الحدود السودانية. وفي فبراير 2026، نشرت «رويترز» تقريراً تناول نشر مسيّرات «بيرقدار أكينجي» في موقع جوي قرب الحدود، وناقش ما قد يمثله ذلك من تحول في طبيعة الانخراط العسكري المرتبط بالحرب. واستند التقرير إلى صور أقمار صناعية ومعلومات من خبراء، مع الإشارة إلى أن مصر كانت تدعم الجيش السوداني سياسياً في مواجهته مع قوات الدعم السريع. <Cite refs={[“turn815251news16”]}/>

ويطرح هذا الملف أسئلة بشأن العلاقة بين الموقع الجغرافي للمنشأة، وحركة الطائرات التي تصل إليها، وطبيعة المعدات الموجودة فيها. فالمطار القريب من الحدود يمكن أن يؤدي وظائف متعددة، لكن إثبات استخدامه في دعم عمليات عسكرية داخل السودان يتطلب ربط الأدلة المتعلقة بالموقع بمعلومات عن الرحلات والحمولات والجهات المستفيدة.

وتبرز أهمية التحقق لأن الحديث عن الدور الإقليمي للدول لا ينبغي أن يعتمد على افتراض أن كل تحرك يجري داخل أراضيها يخدم غرضاً واحداً. فإثبات استخدام منشأة في نشاط عسكري محدد يحتاج إلى معلومات عن طبيعة الترتيبات التي سمحت بذلك، ومدى علم الجهات الرسمية بها، وما إذا كانت المعدات قد انتقلت بالفعل إلى داخل السودان. وكلما كانت الأدلة أكثر تحديداً، أمكن توجيه المساءلة إلى الجهات المسؤولة عن القرار أو التنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بوصف جغرافي عام.

الحرب السودانية وشبكات الدعم المتعددة

لا يقتصر البعد الخارجي للحرب على الجيش السوداني. فقد تناولت تحقيقات دولية أيضاً شبكات الإمداد المرتبطة بقوات الدعم السريع، بما يشير إلى أن الصراع أصبح متداخلاً مع مسارات نقل وتمويل تمتد عبر دول متعددة. وفي تحقيق نشرته «رويترز» في يوليو 2026، تناولت الوكالة طائرات مرتبطة بشركات تعود إلى متعاقد عسكري أمريكي سابق، وقالت إنها استخدمت في رحلات دعمت قوات الدعم السريع عبر مسارات شملت تشاد وليبيا والصومال ومناطق داخل السودان. وأشارت الوكالة إلى اعتماد التحقيق على سجلات الطيران وصور الأقمار الصناعية وبيانات أخرى، مع نقل نفي جهات معنية لأي تورط في العمليات المزعومة. <Cite refs={[“turn815251news12”]}/>

وفي تقرير لاحق، نقلت «رويترز» أن مسودة تقرير أممي خلصت إلى أن طائرات مرتبطة بالشبكة نفسها استخدمت في نقل مقاتلين وأسلحة ومسيّرات لصالح قوات الدعم السريع. وتكتسب هذه التطورات أهمية لأنها تبرز أن شبكات الإمداد لا تتبع مساراً واحداً، وأن تحليل البنية اللوجستية للحرب يتطلب دراسة التدفقات المرتبطة بكل طرف بصورة منفصلة، ثم تحديد أوجه التشابه والاختلاف بينها. <Cite refs={[“turn815251news13”]}/>

ولا يعني وجود شبكات متعددة أن مسؤولية الأطراف متساوية في كل واقعة، كما لا يجوز استخدام الأدلة المتعلقة بأحد أطراف الصراع لإثبات اتهام موجه إلى الطرف الآخر. فلكل مسار طائراته وشركاته ومطاراته والجهات التي قد تكون مسؤولة عنه، ولكل ادعاء معيار إثبات ينبغي تطبيقه بصورة مستقلة. لكن الصورة العامة تشير إلى أن استمرار الحرب لا يمكن فهمه بمعزل عن الموارد التي تصل إلى أطرافها عبر الحدود.

المساءلة لا تتوقف عند تحديد بلد المغادرة

من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة بيانات الطيران اعتبار بلد المغادرة دليلاً نهائياً على الجهة التي أمرت بالرحلة أو موّلتها. فقد تنطلق الطائرة من مطار في دولة معينة، بينما تكون ملكيتها أو إدارتها أو الجهة المستفيدة من حمولتها مرتبطة بأطراف أخرى. وقد تتدخل شركات وسيطة في حجز الشحنة أو تشغيل الطائرة، فيما تبقى الجهة النهائية التي تسلم المعدات غير واضحة في السجلات المتاحة.

ولهذا، ينبغي أن يتضمن التحقيق في كل رحلة أسئلة محددة: من يملك الطائرة؟ من يشغلها؟ من حجز الرحلة؟ ما الجهة التي أعلنت عن الشحنة؟ هل توجد وثائق توضح طبيعة الحمولة؟ ومن تسلمها بعد الوصول؟ وهل تتوافر معلومات مستقلة تؤكد استخدام المعدات في نشاط عسكري؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تسمح بتحديد المسؤولية بدقة.

كما أن وجود طائرة عسكرية أو حكومية في مطار لا يكفي وحده لإثبات أن الحكومة أمرت بنقل أسلحة إلى طرف في النزاع. لكن إذا ظهرت أدلة على مشاركة مؤسسات رسمية في تنظيم الرحلة أو توفير المنشأة أو تسليم المعدات، فإن ذلك يغير مستوى المساءلة ويستدعي فحصاً أكثر تحديداً لطبيعة الدور الذي أدته تلك المؤسسات.

وتتطلب المساءلة أيضاً منح الأطراف المعنية فرصة الرد على الاتهامات، ونشر أي نفي أو تفسير رسمي ذي صلة، ثم مقارنة الردود بالأدلة المستقلة. فالتغطية الصحفية التي تسعى إلى كشف شبكات الإمداد لا تكتمل بمجرد عرض الاتهام، بل تحتاج إلى بيان أساسه وحدوده وما إذا كانت المعلومات المتاحة تؤيده أو تناقضه.

القانون الدولي واختبار المسؤولية

تثير عمليات نقل الأسلحة إلى مناطق النزاع أسئلة قانونية تتعلق بالالتزامات الدولية، والقيود المفروضة على بعض الجهات أو المناطق، ومدى علم الأطراف بمخاطر استخدام المعدات في ارتكاب انتهاكات. غير أن تحديد المسؤولية القانونية يتطلب النظر في طبيعة السلاح، والجهة التي نقلته، والقيود القانونية المنطبقة، والأدلة التي تثبت علم الأطراف أو مشاركتهم في العملية.

ولا يمكن استنتاج وقوع انتهاك قانوني من مجرد وجود طائرة شحن أو من وصول معدات إلى مطار. كما أن وصف رحلة بأنها «مشبوهة» لا يعني أنها غير قانونية، ما لم تتوافر معلومات تسمح بتحديد القاعدة التي خالفتها العملية والجهة المسؤولة عن ذلك. وفي المقابل، فإن توثيق نقل أسلحة إلى جهة خاضعة لقيود، أو إثبات تجاوز إجراءات قانونية ملزمة، يمكن أن يوفر أساساً لتحقيقات رسمية ومساءلة محددة.

وتزداد أهمية هذه المسألة في السودان بسبب اتساع نطاق الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية. فقد نقلت «رويترز» في سبتمبر 2026 عن تقرير أممي معلومات بشأن الدعم العسكري الخارجي واستخدام المسيّرات وتداعيات الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، في سياق تحقيقات بشأن انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني. <Cite refs={[“turn815251news14”]}/>

ويؤكد هذا السياق أن مراقبة الإمداد ليست مسألة تقنية منفصلة عن حماية المدنيين. فمعرفة مصدر المعدات والجهات التي توفرها قد تساعد على فهم كيفية استمرار القدرات العسكرية، كما يمكن أن تسهم في تحديد المسؤوليات إذا ارتبطت هذه المعدات بانتهاكات موثقة. لكن الربط بين شحنة محددة وهجوم بعينه يظل بحاجة إلى أدلة خاصة بالواقعة، لا إلى الاستنتاج من وجود مسار إمداد عام.

ما الذي يمكن أن يوقف تدفقات الإمداد؟

إن تقليص تدفق الأسلحة إلى السودان يتطلب أكثر من دعوات عامة إلى وقف القتال. فهناك حاجة إلى تحسين تبادل المعلومات بين الدول، وتعزيز الرقابة على شركات الشحن والطائرات التي تعمل في مناطق النزاع، والتحقق من المستفيد النهائي من المعدات العسكرية، وتطبيق القيود القانونية القائمة بصورة متسقة. كما يتطلب الأمر تعاوناً بين الجهات المعنية بالطيران والجمارك والرقابة المالية، حتى لا تتحول الثغرات بين الأنظمة المختلفة إلى مجال يسمح باستمرار عمليات النقل غير المعلنة.

ولا ينبغي أن تتحول إجراءات الرقابة إلى عائق أمام وصول المساعدات الإنسانية المشروعة، بل يجب أن تميز بوضوح بين الإغاثة المدنية والإمدادات العسكرية. فتعطيل الغذاء والدواء لا يوقف الحرب، وإنما يزيد كلفة الصراع على السكان، بينما تستهدف الرقابة الفعالة الجهات والشحنات التي توجد أدلة على ارتباطها بنقل الأسلحة أو دعم العمليات العسكرية.

كما أن الشفافية في نشر المعلومات المتعلقة بالرحلات والشحنات المشبوهة تساعد على تقليل مساحة الإنكار والتضليل، وتمنح الصحفيين والباحثين فرصة لمقارنة الروايات الرسمية بالأدلة المتاحة. لكن هذه الشفافية ينبغي أن تقترن بمعايير تحقق واضحة، حتى لا تتحول البيانات الأولية إلى اتهامات غير دقيقة أو أحكام نهائية قبل اكتمال التحقيق.

خاتمة: لا سلام من دون فهم مصادر القوة العسكرية

تكشف خريطة الإمداد الجوي المرتبط بالحرب السودانية أن الصراع يتجاوز الحدود التي تدور داخلها المعارك، وأن المطارات وشركات النقل والطرق اللوجستية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في استمرار القدرات العسكرية. فبورتسودان وشرق العوينات وغيرهما من المواقع التي وردت في التحقيقات تمثل نقاطاً تستحق المتابعة، لكن فهم أدوارها يتطلب أدلة تفصيلية تحدد طبيعة الرحلات والحمولات والجهات المستفيدة، بدلاً من الاكتفاء بالاستنتاج من المواقع أو التوقيتات.

وفي الوقت نفسه، تشير التحقيقات المتعلقة بشبكات الإمداد المرتبطة بطرفي الحرب إلى ضرورة التعامل مع كل مسار بصورة مستقلة، وتحديد المسؤولية بناءً على الأدلة، لا على الانتماء السياسي أو الجغرافي وحده. فالمساءلة الفعالة لا تقوم على تعميم الاتهامات، بل على إثبات الوقائع وتحديد الجهات التي اتخذت القرارات أو نفذت عمليات النقل أو استفادت منها.

إن وقف الحرب يحتاج إلى معالجة الأسباب الداخلية للصراع، لكنه يحتاج أيضاً إلى تقليص الموارد التي تسمح باستمراره. ومن دون رقابة جدية على تدفقات الأسلحة والتمويل والخدمات اللوجستية، قد تبقى المبادرات الدبلوماسية عاجزة عن تغيير حسابات الأطراف المتحاربة. أما كشف مسارات الإمداد والتحقق منها ومساءلة المسؤولين عنها، فيمكن أن يشكل جزءاً من جهد أوسع لحماية المدنيين وتقليل فرص استمرار القتال. فالسؤال الذي ينبغي أن يحكم التحقيقات المقبلة ليس فقط من أين جاءت الطائرة، بل من نظم الرحلة، وماذا نقلت، ولمن وصلت الشحنة، وما الأدلة التي تثبت ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى