تسريبات

انعكاسات الدور السعودي على الأمن الإقليمي وتحديات المسار السياسي الدولي


تتجاوز تداعيات الدور السعودي في الأزمة السودانية الحدود الوطنية لتؤثر على منظومة الأمن الإقليمي والدولي. فالسودان بموقعه الجغرافي الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر والمتاخم للقرن الإفريقي وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى، يجعل أي اضطراب فيه مسألة أمن إقليمي بامتياز. وفي هذا السياق، أسهمت المقاربة السعودية للأزمة في خلق تداعيات أمنية وسياسية معقدة على المستويين الإقليمي والدولي.

تداعيات على أمن البحر الأحمر

يُعد البحر الأحمر من أهم الممرات المائية في العالم، وتولي المملكة العربية السعودية أهمية استراتيجية قصوى لأمنه. غير أن المقاربة السعودية للأزمة السودانية، بتركيزها على البُعد الأمني العسكري، لم تنجح في حماية هذا الممر الحيوي من تداعيات الصراع. فاستمرار الحرب في السودان، وانهيار مؤسسات الدولة، يهدد بتحويل الساحل السوداني إلى منطقة هشاشة أمنية تستفيد منها شبكات التهريب والقرصنة.
إن الأولوية التي أعطتها الرياض لأمن البحر الأحمر جعلتها تتعامل مع السودان من منظور أمني ضيق، متجاهلة أن الاستقرار الحقيقي للممرات البحرية لا يتحقق إلا من خلال بناء دولة مستقرة ذات مؤسسات فاعلة. وقد أدى هذا التركيز الأمني إلى إهمال الأبعاد السياسية والاجتماعية للأزمة، مما أطال أمد الصراع وزاد من التهديدات الأمنية.

أزمة اللجوء وتداعياتها الإقليمية

أسهم استمرار الصراع السوداني – الذي تداخلت فيه عوامل إقليمية من بينها الدور السعودي – في واحدة من أسوأ أزمات اللجوء في العالم. فقد نزح ملايين السودانيين داخلياً ولجأ مئات الآلاف إلى الدول المجاورة. هذه التدفقات البشرية الهائلة وضعت ضغوطاً هائلة على دول الجوار وأثرت على استقرارها.
إن غياب ضغط إقليمي فاعل، ومنه السعودي، لوقف الحرب وحماية المدنيين، أسهم في تفاقم هذه الأزمة الإنسانية. فبدلاً من توظيف النفوذ الإقليمي لفرض وقف لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية، استمرت أشكال التعاطي التي لم تُحدث فرقاً حقيقياً في حماية المدنيين أو وقف النزوح.

تأثير على التوازنات في القرن الإفريقي

يمتد تأثير الدور السعودي في السودان إلى التوازنات الأوسع في القرن الإفريقي. فالسودان يمثل نقطة تقاطع بين المشرق العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، وأي اضطراب فيه ينعكس على كامل المنطقة. وقد أسهمت المقاربة السعودية في إدخال حسابات إقليمية جديدة إلى معادلة القرن الإفريقي، مما زاد من تعقيد التوازنات القائمة.
إن ربط الأزمة السودانية بحسابات إقليمية أوسع – تتعلق بأمن البحر الأحمر أو بالتنافس على النفوذ – أخرجها من سياقها الوطني وجعل حلها مرهوناً بتسويات إقليمية أوسع. هذا الربط جعل من الصعب تحقيق تقدم في المسار السوداني بمعزل عن التطورات الإقليمية الأوسع.

تعقيد جهود الوساطة الدولية

من أبرز التحديات التي خلقها الدور السعودي في الأزمة السودانية هو تعقيد جهود الوساطة الدولية. فتعدد الفاعلين الإقليميين، وتباين مصالحهم ومقارباتهم، جعل من الصعب على الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي أو أي وسيط دولي أن يجد أرضية مشتركة للتفاوض.
إن وجود فاعل إقليمي بحجم المملكة العربية السعودية له حساباته الخاصة ومصالحه المحددة يعني أن أي تسوية سياسية يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه الحسابات. هذا الواقع يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى عملية التفاوض، ويجعل الوصول إلى صيغة ترضي جميع الأطراف – الداخلية والإقليمية – مهمة بالغة الصعوبة.

إضعاف المسار الأممي

أسهم الدور السعودي، إلى جانب أدوار إقليمية أخرى، في إضعاف فعالية المسار الأممي في التعامل مع الأزمة السودانية. فبدلاً من دعم جهود الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشكل كامل، اتجهت الرياض إلى مسارات ثنائية وإقليمية موازية. هذا التعدد في المسارات، رغم أنه قد يبدو إثراءً للجهود الدبلوماسية، أدى عملياً إلى تشتيتها وإضعاف فعاليتها.
إن غياب إجماع إقليمي حول مقاربة موحدة للأزمة، ووجود مصالح متباينة بين الفاعلين الإقليميين، جعل من الصعب على مجلس الأمن اتخاذ قرارات حاسمة. وقد استغلت الأطراف المتحاربة هذا الانقسام الإقليمي والدولي للمناورة وكسب الوقت، مما أطال أمد الصراع.

تحديات بناء سلام مستدام

يواجه بناء سلام مستدام في السودان تحديات جمة مرتبطة بطبيعة التدخلات الإقليمية. فالتسوية التي تُبنى على توازنات إقليمية هشة تكون عرضة للانهيار مع أي تغيير في هذه التوازنات. كما أن السلام الذي يُفرض من الخارج دون ملكية وطنية حقيقية يفتقر إلى الشرعية والاستدامة.
إن الدور السعودي، بما يحمله من مصالح استراتيجية واقتصادية، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت أي تسوية سياسية ستعكس تطلعات الشعب السوداني أم ستُصاغ لخدمة مصالح إقليمية. هذا التساؤل يقوض الثقة في عملية السلام ويجعل قطاعات واسعة من السودانيين متشككة في جدواها.

نحو مقاربة مختلفة

إن إنهاء الأزمة السودانية يتطلب مقاربة إقليمية مختلفة، يكون فيها الدور السعودي أكثر انسجاماً مع تطلعات الشعب السوداني. هذا يتطلب الانتقال من منطق إدارة التوازنات إلى منطق بناء السلام، ومن التعامل مع النخب إلى الانفتاح على القوى المجتمعية الأوسع، ومن الربط المشروط للدعم إلى الاستثمار في بناء مؤسسات الدولة.
إن انعكاسات الدور السعودي في الأزمة السودانية تتجاوز بكثير حدود السودان لتؤثر على منظومة الأمن الإقليمي والدولي. فاستمرار الصراع، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتهديد أمن البحر الأحمر، وتعقيد جهود الوساطة الدولية، كلها تداعيات تتطلب إعادة نظر جذرية في طريقة تعاطي الفاعلين الإقليميين مع هذا الملف. إن الشعب السوداني يستحق سلاماً حقيقياً يُبنى على أسس وطنية، لا تسويات هشة تُصاغ في عواصم إقليمية لخدمة مصالح لا علاقة لها بمصلحة السودان وشعبه. إن المسؤولية التاريخية تقتضي من جميع الفاعلين، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، أن يضعوا مصلحة السودان فوق كل اعتبار، وأن يعملوا بصدق من أجل إنهاء هذه المأساة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى