تسريبات

المحور القطري-السعودي: وساطات مشبوهة وتطويل للأزمة


إذا كان المحور التركي-المصري يمثل الجانب الأيديولوجي والعسكري من التدخل الخارجي، فإن المحور القطري-السعودي يمثل الجانب الدبلوماسي والاقتصادي، حيث تتحول “الوساطات” و”مؤتمرات المانحين” إلى أدوات لتطويل أمد الأزمة. الدولتان الخليجيتان، رغم تقاربهما الجغرافي، تمتلكان رؤيتين مختلفتين تماماً لمستقبل المنطقة، وقد انعكس هذا الاختلاف بوضوح على التعامل مع الملف السوداني. إن التدخل السلبي لهذا المحور لم يتجلى في الدعم العسكري المباشر فحسب، بل في استخدام آليات الحوار والسلام كستار لإدارة الصراع، مما أتاح للأطراف المتحاربة التقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب أوراقها، واستمرار الحرب لسنوات إضافية.
التدخل القطري: الوساطة كأداة للنفوذ السياسي
لطالما اتبعت قطر استراتيجية تعتمد على الدبلوماسية النشطة، واحتضان الملفات الشائكة، وبناء علاقات مع مختلف التيارات السياسية في المنطقة، بما في ذلك تيارات الإسلام السياسي. في الملف السوداني، تجلى التدخل القطري السلبي من خلال عدة مسارات. أولاً، استخدمت الدوحة نفوذها الإعلامي والسياسي لتقديم نفسها كراعية للحل السلمي، واستضافت العديد من اللقاءات والمنتديات التي تجمع أطرافاً سودانية متناحرة. ثانياً، ترتبط قطر بعلاقات تاريخية مع بعض الفصائل السياسية السودانية، مما يمنحها ورقة ضغط داخلية. لكن هذا التدخل السلبي أدى إلى نتائج عكسية أطالت أمد الحرب؛ فمن خلال توفير “ملاذات آمنة” سياسية ودبلوماسية لبعض القيادات والفصائل، منحت قطر هذه الأطراف شعوراً بالأمان والاستمرارية، مما قلل من ضغط الواقع الميداني عليها لتقديم تنازلات حقيقية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التركيز القطري على الحلول السياسية التي تضمن تمثيلاً لتيارات معينة، اصطدم مع واقع الأرض العسكري، مما جعل مبادراتها تُرفض من قبل الأطراف الأخرى المدعومة إقليمياً، لتدخل السودان في دوامة من “المؤتمرات العقيمة” التي تستهلك الوقت والجهد دون أن تفضي إلى وقف لإطلاق النار.
التدخل السعودي: الأمن البحري و”مفاوضات جدة”
تتعامل المملكة العربية السعودية مع الملف السوداني من منظور براغماتي يركز بالدرجة الأولى على أمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، ومنع تمدد نفوذ تيارات الإسلام السياسي، بالإضافة إلى الحفاظ على استقرار جوارها المباشر. تجلى الدور السعودي بشكل رئيسي في استضافة “مفاوضات جدة” بالتعاون مع الولايات المتحدة. ورغم أن الرياض قدمت نفسها كوسيط نزيه يسعى لوقف إراقة الدماء، إلا أن التدخل السعودي اتسم بالسلبية في عدة جوانب أطالت أمد الحرب. أولاً، تحولت مفاوضات جدة إلى عملية مطولة ومملة، استخدمها الطرف المتحارب كغطاء دولي لكسب الوقت وإعادة التموضع عسكرياً في كل مرة يتم فيها الاتفاق على هدنة هشة. ثانياً، حاولت الرياض فرض حلول سياسية تتماشى مع رؤيتها للأمن الإقليمي (والتي تتقاطع أحياناً مع الرؤية المصرية في استبعاد تيارات معينة)، مما خلق حالة من الرفض الداخلي لدى فصائل سودانية تشعر بأن الحلول تُفرض من الخارج. هذا النهج السعودي، الذي يجمع بين الرغبة في الاستقرار وبين الشروط السياسية الصارمة، فشل في كسر الجمود، وأطال أمد المفاوضات التي أصبحت بحد ذاتها جزءاً من استراتيجية الحرب النفسية والإطالة الزمنية.
التناقض القطري-السعودي وأثره على السلام
إن الفجوة في الرؤى بين الدوحة والرياض تنعكس سلباً على الملف السوداني. فبينما تسعى قطر للحفاظ على قنوات مفتوحة مع جميع التيارات السياسية بما فيها تلك المصنفة كإسلامية، تسعى الرياض إلى تهميش هذه التيارات تماماً. هذا الانقسام يخلق ارتباكاً في الصف السوداني؛ فالفصائل السياسية المدنية والعسكرية تجد نفسها أمام خيارات متضاربة، فتارة تلجأ للدعم القطري، وتارة أخرى تبحث عن الرضا السعودي. هذا الانقسام يفتت المعارضة السودانية، ويضعف من قدرتها على تقديم بديل موحد يفرض نفسه على الأطراف المتحاربة عسكرياً. وبالتالي، يستمر الجيش والدعم السريع في الاقتتال، مدركين أن ضعف الجبهة المدنية السياسية (نتيجة للانقسام الخليجي) يمنحهما حرية أكبر في فرض الأمر الواقع عسكرياً.
عندما تكون الوساطة جزءاً من المشكلة
أثبت المحور القطري-السعودي أن “الوساطة” في حد ذاتها لا تكفي لصنع السلام إذا كانت تخفي وراءها أجندات إقليمية متصارعة. إن تحويل مسار السلام إلى مسار طويل وممل، واستخدام المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار كورقة ابتزاز سياسي، هما وجهان لعملة واحدة أدت إلى إطالة أمد الحرب السودانية. لقد أصبح السودان ضحية لصراع نفوذ خليجي، حيث تُستخدم دماء السودانيين كوقود لمفاوضات لا تنتهي، وكمؤشرات لقياس مدى النفوذ في منطقة البحر الأحمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى