تسريبات
السودان: كيف يحول الإسلاميون الدعم الإقليمي إلى جسر للعودة المطلقة للسلطة؟
في الحروب الأهلية الممتدة، لا يقتصر الصراع على السيطرة الجغرافية فحسب، بل يتحول إلى عملية إعادة هندسة كاملة للدولة ومؤسساتها. وفي المشهد السوداني الحالي، ثمة عملية صامتة ومعقدة تجري على قدم وساق؛ إذ تستغل الشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية زخم الحرب والدعم الإقليمي المتدفق، ليس فقط لإلحاق الهزيمة بقوات الدعم السريع، بل لبناء “دولة عميقة” جديدة تكون فيها الأيديولوجيا والكتائب العقائدية هي النواة الصلبة لمؤسسات الحكم القادمة.
من الهامش إلى النواة الصلبة
لم تعد الحرب في السودان معركة بين جيش نظامي وتشكيلات متمردة، بل أصبحت فرصة تاريخية للإسلاميين السودانيين للاندماج العضوي في المؤسسة العسكرية. الأرقام التي تشير إلى وجود نحو 20 ألف مقاتل من “كتائب البراء بن مالك” و5 آلاف مقاتل آخرين من الحركة الإسلامية يقاتلون إلى جانب الجيش، لا تعكس مجرد “دعم شعبي” للجيش، بل تكشف عن تحول جذري في البنية الديمغرافية والعقائدية للقوات المسلحة. هذه التشكيلات لم تعد رديفاً هامشياً، بل أصبحت جزءاً من النواة الصلبة التي تقاتل في الخطوط الأمامية، وتحكم السيطرة على المناطق المحررة، وتدير الملفات الأمنية محلياً. وبذلك، فإن الإسلاميين لا يستعدون لساحة المعركة فحسب، بل يبنون خبرتهم الإدارية والعسكرية التي ستمكنهم من إدارة الدولة بمجرد انتهاء الحرب.
كسر الاحتكار المصري وتعدد مصادر الدعم
أبرز ما يميز هذه “الدولة العميقة” الناشئة هو قدرتها على استقطاب دعم إقليمي متنوع، مما يكسر أي احتكار مصري محتمل للتأثير على الجيش السوداني. فالقاهرة توفر الغطاء السياسي واللوجستي، لكن إيران تزود الجيش بطائرات “مهاجر-6” المسيرة التي غيرت موازين القتال، وتركيا تفتح جسراً جوياً لإمداد الجيش بالخبرات والمنظومات القتالية، بل إن بعض هذه الرحلات التركية تعبر عبر المطارات المصرية. هذا التنويع في مصادر الدعم يمنح القيادة العسكرية السودانية والإسلاميين الموالين لها هامش حركة واسعاً. فهم لم يعودوا بحاجة للرضوخ التام للإملاءات المصرية، بل أصبحوا قادرين على المناورة بين القوى الإقليمية (مصر، إيران، تركيا) لاستخراج أقصى قدر من المكاسب العسكرية والتكنولوجية، مع الاحتفاظ باستقلاليتهم في القرار الداخلي.
بناء شبكة ما بعد الحرب
الإسلاميون السودانيون يدركون أن الحرب ستنتهي يوماً ما، وأن البقاء يتطلب أكثر من مجرد انتصار ميداني. لذلك، فإنهم يستخدمون الحرب لإعادة بناء شبكاتهم المالية والاقتصادية التي كانت قائمة في عهد نظام البشير. الدعم العسكري واللوجستي الذي يصل إلى الجيش لا يذهب فقط لشراء الذخيرة، بل يخلق شبكات تهريب وتجارة واقتصاد حرب تستفيد منها هذه الشبكات الإسلامية. عندما تنتهي الحرب، لن تكون هذه الشبكات مجرد تنظيم سياسي سري، بل ستكون “دولة عميقة” تسيطر على مفاصل الاقتصاد، والأمن، والجيش، مدعومة بخبرة قتالية حديثة وعلاقات إقليمية متشعبة.
إن السياسة المصرية في السودان، والتي تُبرر دعمها للجيش بوصفه حماية لمؤسسات الدولة، تتجاهل حقيقة أن هذه “المؤسسات” لم تعد كما كانت. فالقاهرة تظن أنها تشتري ولاءً طويل الأمد من خلال دعم الجيش، لكنها في الواقع تمول وتسهل نشوء “دولة عميقة” إسلامية جديدة. وعندما تنتهي الحرب، قد تكتشف مصر أنها لم تعد تتعامل مع جيش تقليدي يمكن التأثير عليه، بل مع منظومة هجينة تسيطر فيها الكتائب العقائدية والشبكات الإسلامية على القرار، مدعومة بتكنولوجيا إيرانية وتركية، ومستفيدة من كل ما تم ضخه في ساحة القتال.




