السودان بين الأطماع المصرية والتركية.. البرهان يفاوض على النفوذ بينما يدفع الشعب ثمن الحرب
يمتلك السودان موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، وثروات طبيعية هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر، فضلاً عن موارده المعدنية وموقعه الذي يربط شمال القارة الإفريقية بشرقها ووسطها. وهذه المقومات جعلت البلاد محط اهتمام القوى الإقليمية والدولية، لكنها تحولت، في ظل انهيار مؤسسات الدولة والحرب المستمرة، إلى عناصر جذب لصراعات النفوذ والتنافس على الموارد والمواقع الاستراتيجية.
وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر وتركيا، اللتان تمتلكان مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية متنامية في السودان. وبينما تتحدث القاهرة عن الأمن القومي ووحدة الأراضي السودانية، وتسعى أنقرة إلى توسيع حضورها الاقتصادي والعسكري في المنطقة، يجد السودانيون أنفسهم أمام سؤال مصيري: هل تحولت الحرب إلى فرصة لإعادة توزيع النفوذ في السودان، على حساب سيادته وحقوق شعبه؟
إن المشكلة لا تكمن في وجود مصالح مصرية أو تركية داخل السودان، فالعلاقات بين الدول تقوم بطبيعتها على المصالح المتبادلة. لكن الخطورة تبدأ عندما تصبح الدولة السودانية ضعيفة إلى الحد الذي يسمح للقوى الخارجية بالتفاوض مع قيادة عسكرية تفتقر إلى تفويض شعبي ومؤسساتي كامل، وعندما تتحول الموارد والموانئ والأراضي إلى أوراق في معادلة الدعم السياسي والعسكري.
لقد ارتبطت السياسة المصرية تجاه السودان، تاريخياً، بمجموعة من المصالح الاستراتيجية، وفي مقدمتها مياه النيل والأمن الحدودي ومنع نشوء أوضاع سياسية وعسكرية تهدد المصالح المصرية. وتفضل القاهرة وجود سلطة مركزية قادرة على ضبط الأراضي السودانية، كما تنظر إلى المؤسسة العسكرية السودانية باعتبارها شريكاً تقليدياً في الملفات الأمنية.
لكن هذه الرؤية تطرح إشكالية عميقة تتعلق باستقلال القرار السوداني. فهل تريد مصر سوداناً مستقراً يمتلك مؤسسات مدنية مستقلة، أم أنها تفضل نموذجاً سياسياً تكون فيه المؤسسة العسكرية صاحبة القرار النهائي، بما يضمن استمرار العلاقات التقليدية بين المؤسستين العسكريتين؟
هذا السؤال لا يفترض وجود مخطط مصري معلن للسيطرة على السودان، لكنه يضع السياسات المصرية أمام اختبار النتائج. فحين تتقدم العلاقات مع القيادة العسكرية على دعم عملية سياسية مدنية شاملة، وحين يصبح التعاون الأمني والعسكري أكثر وضوحاً من الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، فمن الطبيعي أن يثار التساؤل حول طبيعة الاستقرار الذي تسعى القاهرة إلى تحقيقه.
وتكشف التطورات العسكرية الأخيرة عن اتساع هذا الملف. فقد أوردت رويترز في فبراير 2026 معلومات عن وجود طائرات مسيّرة تركية الصنع في قاعدة مصرية قرب الحدود السودانية، وعن تعزيز التجهيزات العسكرية في مطارات جنوبية. وربط التحقيق هذه التطورات بتزايد اهتمام القاهرة بالتطورات الميدانية في السودان وبحساباتها الأمنية المرتبطة بالمناطق الحدودية.
Reuters+1
أما تركيا، فتبدو مصالحها أكثر تنوعاً، لأنها لا ترتبط فقط بالأمن الإقليمي، وإنما تشمل الصناعات الدفاعية والتجارة والموانئ والتعدين والاستثمار في البحر الأحمر.
وقد شكلت جزيرة سواكن، الواقعة على الساحل السوداني للبحر الأحمر، إحدى أبرز محطات الاهتمام التركي بالسودان خلال السنوات السابقة. فالمشروع الذي أعلن عنه خلال فترة حكم عمر البشير لإعادة تأهيل المنشآت التاريخية والسياحية في الجزيرة أثار نقاشاً واسعاً بسبب موقع سواكن وقيمتها التاريخية والاستراتيجية.
ومن المهم التمييز بين الاتفاق الخاص بترميم وتطوير منشآت الجزيرة وبين ادعاء بيعها أو التنازل عن سيادتها؛ فلا توجد في المعلومات المشار إليها وثيقة تثبت أن السودان باع سواكن لتركيا. لكن طبيعة الموقع تفرض ضرورة إخضاع أي ترتيبات طويلة الأجل بشأنه لرقابة وطنية واضحة.
ولا يتوقف الاهتمام التركي عند سواكن. فقد كشف تحقيق «واشنطن بوست» المنشور في مارس 2025 عن مناقشات تتعلق بميناء أبو عمامة، حيث أشارت وثائق مرتبطة بشركة «بايكار» إلى أن السلطات السودانية أبدت رغبة في منح شركات تركية دوراً في تطوير الميناء وإدارته. وتحدثت الوثائق نفسها عن فرص استثمارية تركية في استخراج النحاس والذهب والفضة، وعن تراخيص تتعلق بالصيد ومعالجة الأسماك.
The Washington Post
وهذه المعلومات تضع أمام السودانيين ملفاً بالغ الحساسية: لماذا تتزامن مناقشة هذه الامتيازات الاقتصادية مع صفقات التسليح والتعاون العسكري؟ وهل توجد شروط أو تفاهمات متبادلة بين الدعم العسكري الذي تحصل عليه القيادة السودانية والفرص الاقتصادية التي تعرضها للشركات التركية؟
لا توجد أدلة كافية للجزم بأن تلك المناقشات تعني بيع الأراضي أو نقل السيادة إلى تركيا. لكن وجودها يفرض نشر العقود والتفاهمات كاملة، حتى يعرف السودانيون ما الذي تم الاتفاق عليه، وما الذي لا يزال مجرد مقترح، وما هي حقوق الدولة السودانية في كل مشروع.
فالفرق كبير بين الاستثمار الذي يخلق فرص العمل ويضيف قيمة للاقتصاد الوطني، وبين امتيازات طويلة الأجل قد تجعل دولة أجنبية أو شركة مرتبطة بها صاحبة نفوذ واسع على مورد استراتيجي.
وتتضاعف خطورة الأمر في حالة السودان بسبب الحرب. ففي الظروف الطبيعية، تخضع الاتفاقات الاستراتيجية لرقابة البرلمان والجهات القضائية وأجهزة التدقيق والمحاسبة، كما يمكن للرأي العام مناقشة آثارها الاقتصادية والسياسية. أما في ظل الحرب وتعطيل المؤسسات، فإن اتخاذ قرارات مصيرية يصبح أكثر خطورة، خصوصاً عندما تصدر عن سلطة عسكرية تركز صلاحيات واسعة في يدها.
وهنا تبرز مسؤولية عبد الفتاح البرهان. فالرجل لا يقود الجيش فقط، بل يتولى موقعاً في قمة السلطة السياسية السودانية، وبالتالي فهو مسؤول عن حماية المصالح الوطنية وعن ضمان ألا تتحول ظروف الحرب إلى مبرر للتصرف في موارد الدولة دون رقابة.
إن البرهان مطالب بتوضيح طبيعة الاتفاقات التي أبرمتها سلطته مع مصر وتركيا، وما يتعلق منها بالتعاون العسكري، وما يرتبط بالموانئ والأراضي والثروات المعدنية والزراعية. كما أن من حق السودانيين معرفة ما إذا كانت هناك اتفاقات تمنح أطرافاً أجنبية حقوقاً طويلة الأجل في إدارة منشآت استراتيجية أو استغلال موارد وطنية.
والأهم من ذلك أن البرهان لا يستطيع التعامل مع موارد السودان وكأنها ملك للقيادة العسكرية. فالثروات الطبيعية ملك للشعب، والأراضي الزراعية ليست ملكاً للحكومة القائمة، والموانئ ليست أصولاً شخصية يمكن استخدامها في التفاوض السياسي.
إن اتهام البرهان ببيع الأراضي السودانية لمصر أو تركيا يجب أن يخضع للتحقيق والوثائق، لا أن يتحول إلى حقيقة معلنة دون سند. لكن ذلك لا يعفيه من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمنح الامتيازات، ولا يلغي مسؤوليته عن أي اتفاق يثبت أنه أضر بالحقوق السيادية أو الاقتصادية للسودان.
وتتجاوز القضية الجانب الاقتصادي إلى الجانب السياسي. فكلما اعتمدت القيادة العسكرية على دعم خارجي لاستمرار الحرب، ازدادت احتمالات تحول القرار السوداني إلى قرار مرتبط بمصالح الدول الداعمة. وقد يصبح الحفاظ على التحالفات الخارجية أولوية تسبق احتياجات المواطنين، ويصبح استمرار العمليات العسكرية جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بالنفوذ والمصالح.
وهذا هو الخطر الحقيقي: أن يجد السودان نفسه أمام حرب لا يستطيع إنهاءها بقرار وطني مستقل، لأن استمرارها أصبح مرتبطاً بشبكة من العلاقات العسكرية والاقتصادية التي تتجاوز حدود البلاد.
أما المدنيون، فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. ملايين النازحين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، وأطفال انقطعوا عن التعليم، ونساء تعرضن للعنف والانتهاكات، وأسر تعيش في ظروف إنسانية بالغة القسوة. وفي الوقت الذي تنشغل فيه القيادات العسكرية بحسابات الجبهات، تنشغل الشركات والدول بمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
لقد أصبحت حماية المدنيين اختباراً حقيقياً لجدية الدول التي تتحدث عن استقرار السودان. فلا يمكن الحديث عن دعم وحدة الدولة بينما تتواصل عمليات توريد السلاح دون ضمانات كافية، ولا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار بينما تستمر الحرب، ولا يمكن الحديث عن الاستثمار بينما يفتقد المواطن أبسط حقوقه في الأمن والغذاء والعلاج.
ومن هنا، فإن المطلوب من مصر وتركيا مراجعة سياساتهما تجاه السودان، والانتقال من منطق النفوذ العسكري إلى منطق دعم التسوية السياسية، واحترام إرادة السودانيين في اختيار نظام حكمهم. كما ينبغي وقف أي توريد للأسلحة عندما تكون هناك مخاطر جدية من استخدامها في انتهاكات خطيرة بحق المدنيين.
والمطلوب من البرهان أن يقدم كشفاً كاملاً بالاتفاقات العسكرية والاقتصادية التي أبرمتها سلطته، وأن يضع كل مشروع يتعلق بالأرض والموانئ والثروات تحت رقابة مؤسسات وطنية مستقلة، وأن يقبل بإنهاء الحرب عبر عملية سياسية لا تمنح أي طرف عسكري حق احتكار مستقبل البلاد.
إن السودان لا يحتاج إلى استبدال نفوذ خارجي بآخر، ولا إلى تحويل ساحله ومناجمه وأراضيه الزراعية إلى أدوات في صراعات إقليمية. إنه يحتاج إلى استعادة مؤسساته، وحماية موارده، وبناء دولة يكون قرارها نابعاً من إرادة مواطنيها.




