تسريبات

الحراك المدني ومطالب التغيير: لماذا يرفع السودانيون شعار “ارحل يا برهان”؟


رغم ضجيج المدافع وهدير الطائرات الذي يملأ سماء السودان، لم ينقطع صوت الشارع المدني السوداني الذي ظل يكافح من أجل الحرية والسلام والعدالة منذ ثورة ديسمبر المجيدة 2018. ومع تحول الصراع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حرب استنزاف شاملة قضت على الأخضر واليابس، تبلور موقف مدني وحقوقي صلب يرفض استمرار هذه المحرقة ويحمل القيادة العسكرية برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان المسؤولية السياسية والتاريخية عن الانهيار الذي آلت إليه البلاد. إن شعار “ارحل يا برهان” الذي يتردد في منصات الحراك المدني وحملات التوعية ليس مجرد هتاف سياسي عابر، بل هو تلخيص لمطالب شعبية عريضة بإنهاء عهد العسكرة، ووقف الحرب فوراً، واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي.

 جذور الحراك المدني المعاصر وشعار “لا للحرب”

لم يكن الحراك المدني المناهض للحرب وليد الصدفة، بل هو امتداد طبيعي للحركة الجماهيرية ولجان المقاومة والأجسام النقابية التي قاومت انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021. منذ اليوم الأول لاندلاع الرصاص في الخرطوم، رفضت القوى المدنية الحية والفاعلة الانجرار وراء خطاب التحشيد العسكري والاصطفاف القبلي أو الجهوي الذي حاول الطرفان فرضه. وتأسست جبهات وتحالفات واسعة تحت شعار مركزي واحد هو “لا للحرب”، مؤكدة أن هذا الصراع ليس حرباً وطنية بل هو صراع صفري على السلطة والامتيازات بين جنرالات يفتقرون للشرعية.
تجلت هذه المقاومة المدنية في شقين: الشق السياسي المتمثل في الضغط الدبلوماسي والمشاركة في صياغة رؤى سياسية لإنهاء النزاع عبر الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية (تقدم) وغيرها من الكتل الوطنية، والشق الميداني الإنساني الذي قادته “غرف الطوارئ” واللجان الشبابية التطوعية. هذه الغرف تحولت إلى شبكات أمان اجتماعي بديلة تحت النيران، تدير مطابخ التكافل، وتنقذ الجرحى، وتوفر الأدوية الشحيحة، في وقت غابت فيه مؤسسات الدولة الرسمية وتخلت عن مسؤوليتها تجاه المواطن، مما جعل الحراك المدني يكتسب مشروعية أخلاقية وسياسية فائقة على الأرض.

مطالب التغيير: التنحي الفوري ونقل السلطة للمدنيين

تتمحور المطالب الرئيسية للحراك المدني والسياسي السوداني حول ضرورة إنهاء السيطرة العسكرية على مقاليد الحكم، وتتلخص هذه المطالب في النقاط الجوهرية التالية:
  • التنحي الفوري للقيادة العسكرية الحالية: يرى الشارع السوداني أن عبد الفتاح البرهان وطاقمه العسكري قد استنفدوا كافة فرص القيادة الرشيدة، وأن استمرارهم في السلطة يمثل العقبة الكبرى أمام أي تسوية سلمية أو استقرار سياسي، نظراً للارتباط الوثيق بين قراراتهم وانفجار الحرب وفشلهم في حماية أرواح وممتلكات المواطنين.
  • تأسيس سلطة مدنية انتقالية كاملة: يطالب الحراك بنقل السلطة السياسية والسيادية فوراً إلى حكومة مدنية انتقالية تتشكل من كفاءات وطنية غير حزبية، تتولى إدارة شؤون البلاد، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، والتحضير لانتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب ممثليه بحرية.
  • حظر تدخل الجيش في السياسة والاقتصاد: يشدد المدنيون على ضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية تماماً عن ممارسة العمل السياسي، وحل أو دمج كافة الشركات الاقتصادية والاستثمارية التابعة للجيش والأجهزة الأمنية في ولاية وزارة المالية، لضمان توجيه موارد الدولة لصالح التنمية والخدمات الأساسية بدلاً من تمويل النزاعات وعسكرة الدولة.

الإصلاح الأمني والعسكري الشامل وتفكيك الميليشيات

يمثل ملف الإصلاح الأمني والعسكري حجر الزاوية في كافة الرؤى المدنية لبناء سودان المستقبل، حيث يرى الحقوقيون والسياسيون أن تكرار الحروب والأزمات في السودان يعود بالأساس إلى خلل بنيوي في العقيدة العسكرية وتعدد الجيوش المسلحة.
وتشمل المطالب في هذا المحور:
  • بناء جيش وطني ومحترف واحد: حل كافة التشكيلات العسكرية الموازية، والميليشيات، وقوات الدعم السريع، والحركات المسلحة، وإعادة دمج العناصر المؤهلة منها وفق معايير وطنية ودولية صارمة داخل جيش وطني واحد، يلتزم بعقيدة دفاعية لحماية حدود الوطن والدستور فقط، دون التدخل في الشؤون السياسية.
  • إصلاح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية: إعادة هيكلة جهاز المخابرات العامة والأجهزة الشرطية لتكون أدوات لحفظ الأمن الداخلي وسيادة القانون، وحظر ممارسات الاعتقال السياسي، والتعذيب، والملاحقات التعسفية بحق الناشطين والصحفيين والمتطوعين، والتي تزايدت وتيرتها بشكل مرعب خلال فترة الحرب الحالية.

المحاسبة، العدالة الانتقالية، وضمانات عدم الإفلات من العقاب

لا يمكن بناء سلام مستدام في السودان دون فتح ملفات المحاسبة والعدالة؛ لذا يضع الحراك المدني هذا المحور في مقدمة أولوياته لتجاوز مرارات الماضي وإنصاف الضحايا. يطالب الشارع السوداني بإنشاء آليات وطنية ودولية مستقلة للتحقيق في كافة الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت منذ اندلاع الحرب، وما سبقها من انتهاكات مثل مجزرة فض الاعتصام في يونيو 2019 وقمع تظاهرات ما بعد انقلاب أكتوبر 2021.
وتتضمن هذه المطالب ملاحقة ومحاسبة قادة الطرفين (الجيش والدعم السريع) المسؤولين عن إصدار الأوامر بالقصف العشوائي للمدنيين، والاعتقالات التعسفية، وعرقلة المساعدات الإنسانية، والتدمير الممنهج للبنية التحتية. ويصر الناشطون الحقوقيون على أن العدالة لا يمكن أن تكون محلاً للمساومة السياسية أو العفو في مقابل التوقيع على اتفاقيات سلام هشّة، بل يجب أن تشمل آليات العدالة الانتقالية التعويض المادي والمعنوي للمتضررين، وتأمين عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، وضمان تسليم المطلوبين للمحاكم الوطنية والدولية، ليكون ذلك رادعاً حقيقياً يمنع تكرار الانقلابات والحروب في تاريخ السودان.
ختاماً، إن حملة الشارع المدني ومطالب التغيير المرفوعة تجسد رغبة عارمة في الانعتاق من حلقة الحكم العسكري المفرغة التي أدخلت السودان في دوامة التخلف والنزاعات المسلحة منذ استقلاله. وإن الالتفاف حول مطالب السلام والتحول المدني الديمقراطي والمحاسبة يمثل المخرج الوحيد المتبقي لإنقاذ الدولة السودانية من شبك الانهيار الشامل والتشظي، وإعادة بناء مجتمع ديمقراطي تسوده قيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى