الجيلي.. لغز هجوم البرهان للكيميائي على المدنيين
لم تكن مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، في سبتمبر/أيلول 2024، مجرد موقع آخر على خريطة المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع؛ فقد تحولت الواقعة التي شهدتها المنطقة إلى إحدى أكثر الحلقات إثارة للجدل في ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.
فوفق شهادات نقلتها تحقيقات صحفية لاحقة، كان نحو عشرين عاملًا بحاجة إلى تلقي العلاج بعد ظهور أعراض شملت حرقة في العينين وضيقًا في التنفس، وذلك عقب مرور طائرة عسكرية وسقوط أجسام في المنطقة أعقبتها روائح غير مألوفة. وبعد مرور نحو عامين، أعادت وثائق ومراسلات مسربة نشرها تحقيقان لـ«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» فتح الملف، مع ورود إشارات إلى استخدام الكلور في عمليات عسكرية ضد مواقع كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وبين الشهادات التي تتحدث عن أعراض مفاجئة والوثائق التي تصف برنامجًا لتطوير ذخائر كيميائية، تتشكل قضية تحتاج إلى تحقيق مستقل يحدد ما الذي حدث بالفعل، وما المادة التي انتشرت في الهواء، ومن المسؤول عن الحادثة، وما إذا كان المدنيون والعمال قد تعرضوا عمدًا لخطر كان بالإمكان تجنبه.
تنبع أهمية شهادة العاملين من أنها تقدم وصفًا لما حدث في المكان والوقت اللذين تركزت عليهما الاتهامات. فقد تحدث شاهدان، وفق تقرير «يورونيوز» عن تحقيق أجراه فريق يضم مسؤولين سابقين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، عن طائرة عسكرية ظهرت قبل سقوط أجسام تشبه البراميل، ثم انبعاثات غير مألوفة وأعراض تنفسية أصابت أشخاصًا في محيط الواقعة. وأشار التقرير إلى أن الشهادات تضمنت أيضًا ملاحظات عن تغيرات طرأت على النباتات القريبة من مواقع سقوط الأجسام. وهذه العناصر مجتمعة تبرر فحص الحادثة، لكنها لا تكفي منفردة لتحديد نوع المادة أو تركيزها أو الجهة التي أطلقتها. فالأعراض التنفسية وحرقة العينين قد تنتج عن التعرض لمواد مهيجة مختلفة، كما أن وصف لون الأبخرة أو رائحتها لا يمثل تحليلًا كيميائيًا. ولهذا شدد التحقيق على وجود مؤشرات ذات مصداقية تستحق المتابعة، مع الإقرار بأن الخبراء لم يتمكنوا من تأكيد جميع تفاصيل الواقعة بصورة قاطعة.
غير أن ما منح الواقعة بُعدًا جديدًا هو ظهور وثائق تتحدث عن مشروع عسكري لتطوير ذخائر تحتوي على الكلور خلال عام 2024. وبحسب «نيويورك تايمز»، تضمنت المواد المسربة صورًا وتصميمات ورسائل منسوبة إلى ضباط عسكريين، من بينها رسالة تعود إلى سبتمبر/أيلول من ذلك العام تحدث فيها ضابط مرتبط بالمشروع عن مقاتلين تعرضوا للغاز مستخدمًا عبارة «شربوا الغاز»، مع تحديد مصفاة الجيلي موقعًا للهجوم. وتزامن ذلك مع اتهامات أطلقتها قوات الدعم السريع بشأن استخدام مواد سامة في المنطقة، وتداول صور لأشخاص يرتدون أقنعة أكسجين. هذا التقاطع بين الرواية الميدانية والمراسلات المسربة يمثل عنصرًا مهمًا في التحقيق، لكنه يحتاج إلى تدقيق في التوقيت والهوية وسياق الرسائل، إضافة إلى التحقق من العلاقة بين الذخائر المصورة والمواد التي قيل إنها سقطت في الجيلي. فالتوافق الزمني أو التشابه في الأوصاف قد يدعم فرضية معينة، لكنه لا يحسم وحده سلسلة السببية بين قرار التصنيع والذخيرة المستخدمة والضرر الذي أصاب الأشخاص في المكان.
وتبرز هنا إحدى المشكلات الفنية التي لا تزال بحاجة إلى تفسير. فقد أشار تحقيق «فرانس 24» بشأن الحادثة إلى ذخائر بدت على هيئة أسطوانات غاز كبيرة، بينما أظهرت الصور الواردة في ملف البرنامج المزعوم نماذج أصغر جرى تعديلها لتصبح قنابل قابلة للإسقاط من الطائرات. ونقلت «واشنطن بوست» أن صورًا لأسطوانات ظهرت في مواقع الحوادث ساعدت باحثين على تتبعها إلى مورد في الهند، مع الإشارة إلى أن هذه الأسطوانات كانت مخصصة، وفق المعلومات المتاحة، لمعالجة المياه. كما أورد التحقيق أن بعض الصور بدت أقرب إلى خزانات انفجرت عند الاصطدام، وليس إلى الذخائر الصغيرة ذات الصواعق والزعانف الظاهرة في صور المشروع. وهذا الاختلاف لا ينفي تلقائيًا احتمال وقوع هجوم كيميائي، لكنه يفرض ضرورة تحديد ما إذا كانت هناك منظومات متعددة، أو ما إذا كانت الصور تتعلق بحوادث مختلفة، أو ما إذا كانت الفرضيات الأولية بحاجة إلى مراجعة.
وتتجاوز تداعيات القضية حدود مصفاة النفط، بالنظر إلى أن أي انبعاث كيميائي في منطقة مأهولة أو قريبة من العاملين قد يخلق مخاطر تتجاوز الهدف العسكري المعلن. فالعمال الذين كانوا في الجيلي، بحسب الروايات المنشورة، لم يكونوا جميعًا بالضرورة مقاتلين، ولا يمكن افتراض أن كل من تعرض للأعراض كان جزءًا من قوة مسلحة. كما أن طبيعة المنشآت الصناعية قد تزيد من صعوبة تقييم الأضرار، بسبب وجود مواد وغازات ومصادر تلوث أخرى محتملة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحديد مواقع سقوط الأجسام بدقة، وحصر العاملين الموجودين آنذاك، وجمع السجلات الطبية المتاحة، ومقارنة توقيت الأعراض بتوقيت الحادثة، وفحص أي عينات أو بقايا محفوظة. ومن دون هذه البيانات، سيظل من الصعب تقدير عدد الأشخاص الذين تعرضوا للمادة، أو تحديد ما إذا كانت الأعراض قصيرة الأجل أم ترتبت عليها آثار صحية مستمرة.
أما علاقة الحادثة بقيادة البرهان، فتحتاج بدورها إلى فصل الأسئلة بعضها عن بعض. فالوثائق المنشورة تنسب إلى البرنامج المزعوم اتصالات مع مسؤولين عسكريين كبار، بينهم البرهان، وتثير تساؤلات عن مدى علم القيادة بالتصنيع والاستخدام المحتمل للذخائر. لكن تحديد المسؤولية عن حادثة الجيلي تحديدًا يستلزم إثبات من أصدر الأمر العملياتي، ومن خطط للطلعة الجوية، ومن اختار الهدف، وما المعلومات التي كانت متاحة عن وجود عمال أو مدنيين في الموقع. ولا يجوز الانتقال مباشرة من وجود برنامج مزعوم إلى استنتاج أن القائد الأعلى أمر شخصيًا بإلقاء مادة كيميائية على السودانيين؛ فهذه مسألة تحتاج إلى دليل مباشر أو مجموعة أدلة متماسكة تخضع للتقييم القانوني. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي غياب أمر منشور أو توقيع مباشر إلى إغلاق التحقيق في المسؤولية القيادية، إذا كانت هناك قرائن أخرى قابلة للتحقق.
وتتصل المسألة أيضًا بمصدر الكلور الذي تحدثت عنه الوثائق. فقد أشار تحقيق «واشنطن بوست» إلى مراسلات تتناول أسطوانات جرى الحصول عليها عبر الحدود، وإلى إشارات أخرى لأسطوانات موجودة في محطة المنارة لمعالجة المياه بأم درمان. ونقل التقرير عن اليونيسف أنها زودت ست محطات لمعالجة المياه في الخرطوم بالكلور بين عامي 2023 و2025، بينها محطة المنارة، لكنها قالت إنها لا تملك سجلًا يثبت تحويل أي من إمداداتها إلى استخدام غير مشروع. وهذه نقطة أساسية، لأن الكلور مادة ضرورية لتطهير المياه والحد من انتشار الأمراض، وتحويله إلى ذخيرة عسكرية، إن ثبت، يثير مخاوف تتعلق بأمن المنشآت المدنية واستمرار الخدمات الأساسية. ومع ذلك، فإن وجود أسطوانات في محطة مدنية وورود ذكرها في مراسلات عسكرية لا يثبت وحده أن شحنة بعينها سُرقت أو استُخدمت في الحادثة، بل يستدعي تتبع سجلات التسليم والتخزين والجرد والنقل.
ولن يكون التحقيق في الجيلي مكتملًا إذا اقتصر على تحديد المادة التي ربما انتشرت في الهواء، إذ ينبغي أن يشمل كذلك تقييم الاستجابة الطبية وحماية العاملين، ومعرفة ما إذا أُبلغت الجهات المختصة بالحادثة في وقتها، وما إذا حُفظت الأدلة بطريقة تسمح بفحصها لاحقًا. كما يجب توثيق أي أضرار بيئية، وتحديد ما إذا كانت النباتات التي قيل إنها تغيرت قد تعرضت للكلور أو لمادة أخرى أو لعوامل مختلفة. وتكتسب هذه الخطوات أهمية إضافية لأن مرور الوقت قد يجعل جمع العينات الأصلية أكثر صعوبة، بينما تظل الشهادات والمواد الرقمية والسجلات الطبية مصادر محتملة لإعادة بناء ما حدث. ويحتاج المحققون أيضًا إلى مقارنة صور الحادثة بمقاطع الاختبارات المنسوبة إلى البرنامج العسكري، مع التأكد من تاريخ كل صورة ومكانها وعدم الاكتفاء بالتشابه البصري.
وفي ظل استمرار النزاع، لا ينبغي تحويل العمال الذين تحدثوا عن الواقعة إلى أدوات في السجال بين الطرفين؛ بل يجب التعامل معهم بوصفهم شهودًا محتملين يستحقون الحماية والاستماع المستقل، مع احترام حقهم في عدم الكشف عن هوياتهم إذا كان ذلك ضروريًا لسلامتهم. كما أن المسؤولية عن أي استخدام غير مشروع للأسلحة لا تُحدد بالانتماء السياسي أو العسكري، بل بالأدلة على الفعل والجهة المنفذة والأوامر والنتائج. وفي حال ثبت استخدام الكلور كسلاح، فإن ذلك يثير مسائل خطيرة بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والقواعد المنطبقة على النزاعات المسلحة. أما إذا لم تسمح الأدلة الحالية بالجزم، فيجب إعلان ذلك بوضوح دون تجاهل المؤشرات التي تستحق التحقيق.
وتبقى مصفاة الجيلي نقطة محورية في ملف لا تزال أجزاء أساسية منه مجهولة. فالشهادات المنشورة، والمراسلات المسربة، والاتهامات المتبادلة، كلها تضع الحادثة أمام ضرورة فحص دولي مستقل قادر على الوصول إلى الأدلة الأصلية ومراجعتها. ولا يكفي أن تقول جهة إن الهجوم وقع، أو أن تنفي جهة أخرى مسؤوليته؛ المطلوب معرفة نوع المادة، ومصدرها، وكيفية وصولها إلى الموقع، وهوية من أمر باستخدامها إن ثبت ذلك، وحجم الأضرار التي ترتبت عليها. وفي بلد أنهكته الحرب، قد يصبح الكشف عن الحقيقة خطوة ضرورية لحماية العاملين والمدنيين ومنع تكرار الحوادث، كما يشكل أساسًا لأي مساءلة قانونية عادلة. وبينما لا تزال هذه الأسئلة معلقة، تظل الجيلي اختبارًا لقدرة التحقيق المستقل على الفصل بين الادعاء والدليل، وبين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية، وبين رواية الحرب والحقيقة التي يمكن إثباتها.




