تحقيقات

اقتصاد الحرب.. كيف يدير الإخوان شبكات التمويل والتهريب في السودان؟


قالت مصادر سودانية مطلعة إن الحرب في السودان تحولت إلى اقتصاد قائم على شبكات التمويل والتهريب والسيطرة على الموارد والموانئ، ما يجعل أي تسوية سياسية مهددة بالفشل ما لم تترافق مع خطوات حقيقية لتفكيك اقتصاد الحرب وتجفيف منابع تمويل الحركة الإسلامية وشبكات الإسلاميين.

وأضافت المصادر أن إنهاء الأزمة يتطلب إنشاء منظومات دولية مضادة لتتبع الأموال غير المشروعة، وملاحقة شبكات غسل الأموال والتهريب، وشبكات التمويل الخارجي، وعقود التوريد العسكري، لضمان نجاح أي تسوية مقبلة.

مستقبل السلام
وتشير المعطيات إلى أن مستقبل السلام في السودان لا تحدده الاتفاقات السياسية وحدها، بل القدرة على قطع الشريان الاقتصادي لبورتسودان، وإعادة توجيه موارد البلاد نحو بناء مؤسسات الدولة.

وأكدت المصادر أن الحرب السودانية تحولت إلى اقتصاد قائم بذاته، يعتمد على تهريب الذهب، والسيطرة على المعابر والموانئ، وعقود التوريد العسكري، وشبكات التمويل الخارجي، الأمر الذي يعرقل إمكانية الوصول إلى تسوية حقيقية، حتى في حال توقيع اتفاق سياسي على الورق. 

ولفتت إلى أن تحقيق أي تسوية سياسية يتطلب تفكيك الاقتصاد الموازي عبر فرض العقوبات، وتتبع مصادر التمويل، وملاحقة شبكات التهريب، إلى جانب معالجة سياسية حقيقية لجذور الأزمة، خصوصًا أن جزءًا واسعًا من الإسلاميين يقاتل أيضًا بدوافع أيديولوجية.

وأوضحت المصادر أنه، رغم وضوح هذه الخطوات، فإن تنفيذها معقد للغاية، بسبب التداخل العميق والمتراكم بين الإسلاميين والدولة العميقة، والقائم على شبكة واسعة من المصالح السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وأضافت أن الإسلاميين تمكنوا خلال فترة حكمهم من بناء منظومات لاقتصاد الظل، وشبكات المافيا والعصابات، وغسل الأموال، إلى جانب اقتصاد غير مهيكل يصعب تتبع حركته والتحكم فيه.

وأشارت إلى أن الارتباط التاريخي بين الحركة الإسلامية السودانية والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين يقوم على منظومة الولاء والتمكين، إلى جانب امتلاك الحركة أصولًا متعددة الواجهات وتراكمًا رأسماليًا ضخمًا بالعملات الأجنبية، تمكنت من بنائه خلال ثلاثة عقود من حكمها للسودان.

إخفاء أصول وغسل أموال
وبيّنت المصادر، أن الحركة الإسلامية استطاعت إخفاء أصولها وتراكمها الرأسمالي في دول الملاذات الآمنة، كما اكتسبت خبرات واسعة في إدارة الأموال وتحريكها عبر شبكات المافيا الدولية والإقليمية والمحلية المرتبطة بغسل الأموال وتهريبها، مستفيدة من علاقات معقدة نشأت خلال سنوات العقوبات المصرفية الدولية المفروضة على السودان، بما في ذلك القيود المرتبطة بنظام التحويلات المالية العالمي “سويفت” منذ عام 2011.

وأضافت أن ظهور منظومات جديدة متخصصة في غسل الأموال، ومافيات التجارة الدولية، وشبكات الصادرات غير المشروعة التي أفرزتها الحرب الحالية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، بات يخدم مصالح الحركة الإسلامية، فضلًا عن سيطرتها على تجارة الذهب إنتاجًا وتصديرًا، ولا سيما ذهب شمال وشرق السودان، اللذين يشهدان إنتاجًا مرتفعًا.

وأكدت المصادر أن تجفيف هذه المنابع من قبل الجهات المختصة بمكافحة الإرهاب على المستويين الدولي والإقليمي يتطلب بناء منظومات ومصفوفات مضادة متكاملة، قادرة على تتبع حركة الأموال وتجفيف قنوات التمويل.

الهدن الإنسانية
وفي هذا السياق، قال الكاتب والخبير الاقتصادي الدكتور حافظ الزين إن حكومة السلام الانتقالية، التي قد تنبثق عن أي تسوية توقف الحرب في السودان وتؤسس لحكم مدني ديمقراطي، ينبغي أن تبدأ بالهدن الإنسانية، شريطة إبقاء قوات الدعم السريع وقوات الجيش الوطني التأسيسي في مواقع انتشارها الحالية، التي تسيطر على نحو 75% من الأراضي السودانية، دون العودة إلى الوراء.

وأضاف الزين أن أي صيغة للحكم المدني يدعو المجتمع الدولي إلى ترسيخها في السودان يجب أن تستند إلى مرتكزات قانونية ودستورية واضحة، تشمل ميثاق السودان التأسيسي لعام 2025، ودستور السودان الانتقالي لعام 2025، وقانون الحكم اللامركزي لعام 2025، وقانون مراقبة وتخصيص وتقسيم الإيرادات العامة لعام 2025، وقانون الهيئة الاتحادية لحوكمة الإيرادات لعام 2025، وقانون الحكم المحلي لعام 2025.

واختتم الزين حديثه بالتأكيد على أن البديل يتمثل إما في تنفيذ هذه المرتكزات كاملة، أو اللجوء إلى تطبيق المادة الثانية من دستور السودان الانتقالي لعام 2025 المتعلقة بحق تقرير المصير. 

“اقتصاد حرب”
من جانبه، قال مؤسس ورئيس هيئة محامي كردفان، محمود قطية، إن الأزمة السودانية تحولت تدريجيًا إلى اقتصاد حرب متكامل، تُنتج فيه الحرب موارد مالية، وشبكات نفوذ، ومصالح اقتصادية تدفع بعض الفاعلين إلى إطالة أمدها، مشيرًا إلى أن أي عملية سلام لا تتضمن معالجة البنية الاقتصادية للحرب ستظل معرضة للانهيار، مهما بلغت قوتها السياسية.

وأضاف قطية أن تقارير دولية حديثة أشارت إلى اعتماد “جيش الحركة الإسلامية” بصورة متزايدة على السيطرة على الموارد الطبيعية، وطرق التجارة، والأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، لتمويل عملياته العسكرية.

وأوضح قطية أن تجارة الذهب والصمغ العربي برزتا بوصفهما من أبرز موارد اقتصاد الحرب، مؤكدًا أن السلام الحقيقي في السودان لن يتحقق إلا من خلال استراتيجية متكاملة لتفكيك اقتصاد الحرب، تشمل تجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وإخضاع تجارة الموارد الطبيعية للرقابة والشفافية، واستعادة مؤسسات الدولة الاقتصادية، وملاحقة شبكات الفساد وغسل الأموال، إلى جانب إطلاق برامج لإعادة الإعمار والتنمية.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى