من السياسة إلى المؤسسة العسكرية.. العطا يمنح إخوان السودان مساحة نفوذ جديدة
تعكس تعيينات أجراها ياسر العطا، داخل المؤسسة العسكرية، مساراً متدرجاً لإعادة تشكيل مراكز القوة في معسكر بورتسودان، وفق ما ذكرت مصادر سودانية مطلعة.
ومن بوابة التعيينات، عمل العطا على الدفع بضباط تربطهم به علاقات قديمة، إلى جانب شخصيات عسكرية تُعرف بقربها من الإخوان المسلمين، بما يعزز نفوذ الإخوان داخل بينة القرار العسكري.
وأضافت المصادر أن علاقة عطا المعلنة مع الإسلاميين تعكس تقاطعاً بين حسابات عبد الفتاح البرهان العسكرية وحاجته إلى تحالفات داخلية تضمن استمرار الحرب، في ظل الضغوط الدولية المطالبة بإبعاد الإسلاميين، ومراجعة طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات السياسية.
إعادة إنتاج النفوذ
وتعكس هذه التحركات مساعي الإسلاميين المستمرة لإعادة إنتاج نفوذهم داخل السلطة، والالتفاف على المشهد العام من خلال التنقل من البوابة السياسية إلى العسكرية وتمكين أنفسهم داخل السلطة، انطلاقاً من أن أي صيغة مستقبلية للدولة السودانية المقبلة تستبعدهم من المشهد ككل.
وأوضحت المصادر أن هذه التعيينات يصعب فصلها عن المسار، الذي بدأ منذ تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة في شهر أبريل/ نيسان الماضي، وعن الضغوط الأمريكية المتصاعدة على الإسلاميين والكتائب المرتبطة بهم.
واعتبرت أن ما يجري يحمل سمات إعادة تشكيل لمركز القوة داخل المؤسسة العسكرية، عبر الدفع بضباط موثوقين شخصياً وسياسياً إلى مواقع مؤثرة وأكثر تشدداً داخل معسكر بورتسودان.
وأكدت المصادر أن ياسر العطا ربط مستقبله السياسي والعسكري، بمصير شبكات الحركة الإسلامية داخل “التنظيم الخاص” والكتائب العقائدية التي تقاتل إلى جانبها، ليصبح الراعي العسكري الأبرز لهذه التكوينات.
ولفتت إلى أن جذور هذا الارتباط تعود إلى فترة قيادته للعمليات من سلاح المهندسين في بدايات الحرب، حيث توسعت حوله دوائر ضباط ينتمون إلى مدرسة الإنقاذ العسكرية، واستفادت تشكيلات جهادية وإسلامية من الحماية والتنسيق داخل المجال العملياتي لقوات بورتسودان.
ونوّهت المصادر إلى أن هذه التعيينات تمثل محاولة لإنتاج قيادة عسكرية ذات طبقة داخلية صلبة، تجمعها علاقات ثقة قديمة وولاءات سياسية وتوافق حول استمرار الحرب.
وبيّنت أن العطا يدرك أن أي تسوية دولية ستضع ملفات دمج الكتائب، وتوحيد القوات العسكرية، وإبعاد العناصر الحزبية، ومراجعة اقتصاد الحرب على الطاولة، لذلك يسابق الضغوط الخارجية عبر بناء مواقع نفوذ يصعب تفكيكها بقرار واحد، وهو تكتيك اتبعته اللجنة الأمنية إبان فترة الرئيس المخلوع عمر البشير.
وأضافت المصادر أن التعيينات والإقالات التي يجريها العطا، تؤدي وظيفة وقائية، تتمثل في إبعاد الضباط المترددين، وتحجيم مراكز المنافسة، وتأمين خطوط القيادة، وحماية التكوينات التي أصبحت تمثل الذراع القتالية والسياسية للإسلاميين داخل الحرب.
وذكرت أن مقاربة العطا تقوم على فرض واقع عسكري يسبق أي تفاوض، من خلال قيادة تدين له بالولاء، وكتائب عقائدية يصعب حلها، وشبكة مصالح تربط الضباط بملفات التسليح والتمويل، إلى جانب خطاب يصور أي إصلاح للمؤسسة العسكرية باعتباره استهدافاً لها وتهديداً وجودياً، كما يردد عدد من المتقاعدين العسكريين، ما يجعل التفريق بين قوات بورتسودان والتنظيم أكثر تعقيداً.
كما المصادر أن نتيجة هذه التعيينات تتمثل في تعميق الانقسام الداخلي، إلى جانب احتمالات فرض عقوبات شخصية إضافية، لأنها تمنح واشنطن وحلفاءها مؤشرات سياسية على استمرار نفوذ الكتائب الإسلامية داخل بنية القرار العسكري.
إعادة تموضع
من جهته، قال مصدر سياسي سوداني مقرب من حكومة تأسيس، إن المسار بدأ مع تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان، وظهوره المتكرر إلى جانب عناصر من كتيبة البراء بن مالك، وإعلانه نية دمجها لدى قوات بورتسودان، وهو ما لا يمكن تفسيره على أنه “إعادة تنظيم إداري عادي”، وإنما محاولة لإعادة تشكيل مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية.
وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته أن شخصية مثل العطا، المعروفة بعلاقتها العلنية بالتيار الإخواني، ووجودها في أعلى منصب عسكري، في وقت صًنّف فيه التنظيم ضمن قوائم الإرهاب، يحمل دلالة سياسية واضحة تتجاوز الجانب الإداري.
وأكد المصدر أن هذه التعيينات تشكل إعادة تموضع للتيار الإخواني داخل المؤسسة العسكرية، لا “تدوير مناصب”، مشيراً إلى أن الحرب الحالية منحت الإسلاميين فرصة للعودة من البوابة العسكرية بعد تراجع حضورهم السياسية خلال فترة عهد البشير، تحت غطاء “المقاومة الشعبية”، بهدف تحقيق مكاسب ميدانية.
وبيّن أن للبرهان حساباته الخاصة في هذا المسار، مؤكداً حاجته إلى شخصية مثل ياسر العطا وقاعدته العسكرية والشعبية خلال هذه المرحلة من الحرب، بهدف تشكيل تحالفات عسكرية آنية يستطيع من خلال العطا ونفوذه الإسلامي إمكانية تغيير قواعد الاشتباك لصالح بورتسودان.
واختتم المصدر حديثه بالتأكيد على أن النتيجة واحدة، بغض النظر عن الدوافع، تتمثل في تصاعد تمكين إخواني متزايد داخل بنية السلطة العسكرية فرضته الحرب وحسابات النفوذ.




