اصطفاف محفوف بالمخاطر: دلالات إعلان إسلاميين سودانيين الاستعداد للقتال إلى جانب إيران
لم يكن الإعلان المنسوب إلى قيادي في التيار الإسلامي المقاتل ضمن صفوف الجيش السوداني عن دعم إيران والاستعداد للقتال إلى جانبها مجرد موقف تضامني عابر، بل رسالة سياسية متعددة الطبقات تكشف تحولات أعمق في بنية الصراع السوداني وموقعه ضمن شبكة الاستقطابات الإقليمية. القراءة التحليلية لهذا التطور تقتضي تفكيك مستوياته الداخلية، وفهم أبعاده الإقليمية، واستشراف ما يمكن أن يترتب عليه من إعادة تموضع في ميزان القوى.
-
الخرطوم تحت المجهر.. البرهان يواجه انتقادات بسبب الإسلاميين
-
حميدتي يعلن أولويات المرحلة المقبلة: وحدة السودان ومواجهة الإسلاميين
أولاً، على المستوى الداخلي، يأتي هذا الخطاب في لحظة إعادة تشكّل داخل المؤسسة العسكرية السودانية. الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع أعادت ترتيب التحالفات، ودفعت أطرافاً كانت مهمشة بعد سقوط نظام عمر البشير إلى العودة تدريجياً إلى المشهد. التيار الإسلامي، الذي شكّل العمود الفقري لنظام البشير لثلاثة عقود، لم يختفِ بعد 2019، بل احتفظ بشبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، بينها الجيش والأجهزة الأمنية. ومع اندلاع الحرب، برزت مؤشرات على إعادة تعبئة هذه الشبكات تحت شعار “الدفاع عن الدولة”.
إعلان الاستعداد للقتال إلى جانب إيران يمكن فهمه هنا كجزء من محاولة التيار الإسلامي تثبيت موقعه داخل المعادلة العسكرية، عبر تقديم نفسه كقوة عقائدية منضبطة، تمتلك امتدادات خارجية، وقادرة على تأمين دعم سياسي أو لوجستي. في سياقات الحروب الأهلية، تميل التيارات الأيديولوجية إلى استثمار اللحظة لإعادة صياغة شرعيتها. الخطاب العابر للحدود يمنحها بعداً رمزياً يتجاوز حدود النزاع المحلي.
-
صورة واحدة.. واتهام مفتوح: البرهان في مواجهة غضب السودانيين
-
من دعمٍ إلى ارتياب: كيف خسر البرهان حلفاءه الإسلاميين؟
لكن هذا المسار يطرح إشكالية مزدوجة للجيش السوداني. فمن جهة، قد يوفر الانفتاح على طهران دعماً عسكرياً في ظل الحصار السياسي والضغوط الإقليمية. ومن جهة أخرى، يهدد هذا الانفتاح بإعادة لصق صورة “الجيش المؤدلج” بالمؤسسة العسكرية، ما يقوض محاولات تقديمها ككيان وطني جامع. هذا التناقض بين البراغماتية العسكرية والخطاب الأيديولوجي قد يخلق توترات داخلية بين ضباط مهنيين وآخرين محسوبين على تيارات إسلامية.
إقليمياً، يحمل الاصطفاف المعلن دلالات أبعد من السودان نفسه. إيران تسعى منذ سنوات إلى توسيع شبكة تحالفاتها عبر دعم فاعلين غير دولتيين أو قوى عسكرية محلية في بيئات مضطربة. دخول السودان – أو جزء من مكوناته العسكرية – ضمن هذا المدار سيعني إضافة ساحة جديدة إلى خريطة النفوذ الإيراني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. هذا الموقع الجغرافي الحساس يمنح الخطوة وزناً استراتيجياً يتجاوز رمزية التصريحات.
-
تحذير أمريكي من عودة الإسلاميين في السودان: واشنطن تراقب الخط الأحمر
-
عقوبات أمريكية تطال جبريل إبراهيم.. ضربة جديدة للقيادات المحسوبة على الإسلاميين في السودان
في المقابل، تنظر دول عربية عدة إلى التمدد الإيراني باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي. السودان، الذي سبق أن تنقل بين محاور متعارضة. قد يجد نفسه مجدداً في قلب تنافس إقليمي محتدم. أي اصطفاف واضح إلى جانب طهران قد يعرّضه لخسارة دعم اقتصادي وسياسي من أطراف أخرى، في وقت يعاني فيه من انهيار اقتصادي حاد وأزمة إنسانية واسعة النطاق.
من زاوية أخرى، يوفّر هذا الإعلان مادة دعائية لخصوم الجيش في الداخل والخارج. قوات الدعم السريع التي تسعى إلى كسب اعتراف سياسي أو دعم إقليمي، قد تستخدم خطاب “الاصطفاف الإيراني” لتقديم نفسها كطرف أقل ارتباطاً بمحاور أيديولوجية. حتى وإن كانت هي الأخرى منخرطة في علاقات خارجية معقدة. هكذا يتحول السودان إلى ساحة تنافس بين شبكات دعم خارجية متضادة، ما يطيل أمد الصراع ويصعّب أي تسوية.
-
عودة الإسلاميين في السودان: دعم عسكري وتحالفات إقليمية تُربك مسار الانتقال السياسي
-
الضربات الدقيقة تفضح تحالفات الظل: سقوط الخبراء الأجانب وانكشاف واجهة الإسلاميين في بورتسودان
التحليل لا يكتمل دون النظر إلى البعد الرمزي في الخطاب. الحديث عن “القتال إلى جانب إيران” يستدعي سردية “محور المقاومة” التي تركز على المواجهة مع إسرائيل وحلفائها. إدراج السودان في هذه السردية قد يلقى صدى لدى قواعد إسلامية أو شعبية متعاطفة مع هذا الطرح، لكنه في الوقت ذاته يضع البلاد في مواجهة غير مباشرة مع قوى دولية وإقليمية فاعلة. وهنا تكمن المفارقة: تحويل نزاع داخلي على السلطة إلى جزء من صراع جيوسياسي أوسع قد يمنح زخماً تعبوياً قصير الأمد، لكنه يضاعف الكلفة الاستراتيجية على المدى الطويل.
كما أن أي انخراط عسكري خارج الحدود، سواء تم فعلياً أو بقي في إطار التصريحات، يثير تساؤلات قانونية ودستورية. السودان يعيش فراغاً مؤسسياً منذ تعثر الانتقال السياسي، ولا توجد مؤسسات منتخبة تمنح تفويضاً واضحاً لقرارات مصيرية من هذا النوع. هذا الغياب يفتح الباب أمام قرارات تتخذها دوائر ضيقة دون مساءلة عامة، ما يعمق أزمة الشرعية.
-
تحركات البرهان في أنقرة: هل يسعى لإعادة الإسلاميين إلى السلطة؟
-
تغيير العملة يزيد أعباء السودانيين في مناطق الجيش
اقتصادياً، يحتاج السودان إلى انفتاح على مؤسسات مالية دولية وإلى استثمارات لإعادة الإعمار. الاصطفاف ضمن محور مثير للجدل قد يعقد هذه المسارات. التجارب المقارنة تشير إلى أن الدول الخارجة من نزاعات أهلية تحتاج إلى بيئة إقليمية داعمة، لا إلى انخراط في صراعات إضافية. كلما اتسعت دائرة الخصوم المحتملين، تقلصت فرص التعافي.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الخطوة في بعدها الأيديولوجي فقط. قد تكون الرسالة أيضاً ورقة ضغط تفاوضية. في بيئات الصراع، تستخدم الأطراف إشارات الاصطفاف الخارجي لتحسين شروطها في أي مفاوضات مستقبلية. الإيحاء بامتلاك دعم من قوة إقليمية مؤثرة قد يُستخدم لتعزيز الموقع التفاوضي، حتى لو لم يتحول إلى تحالف استراتيجي كامل.
-
جريدة بريطانية: هل تفتح انقسامات الإسلاميين في السودان الباب أمام تغيير سياسي؟
-
منصة للعداء والعزلة: كيف أثرت سياسات الإسلاميين على دبلوماسية السودان؟
في المحصلة، إعلان إسلاميين سودانيين الاستعداد للقتال إلى جانب إيران يعكس لحظة مفصلية في مسار الحرب السودانية. هو مؤشر على عودة الخطاب الأيديولوجي إلى الواجهة، وعلى تزايد التشابك بين الداخل والخارج. لكن هذه العودة ليست بلا ثمن. فهي تضع السودان أمام معادلة صعبة: بين الحاجة إلى دعم خارجي في حرب داخلية شرسة، وبين مخاطر الانخراط في محاور قد تعمق عزلة البلاد وتطيل أمد أزمتها.
المستقبل سيتحدد بمدى قدرة الفاعلين السودانيين على الفصل بين ضرورات البقاء في معركة راهنة، ومتطلبات بناء دولة مستقرة على المدى البعيد. الاصطفاف الحاد قد يبدو خياراً مغرياً في زمن الحرب، لكنه قد يتحول إلى عبء ثقيل عندما يحين وقت التسوية وإعادة الإعمار. السودان يقف اليوم على تقاطع طرق، وأي خطوة نحو محور إقليمي ستعيد رسم مساره لسنوات، وربما لعقود.




