تسريبات

استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.. ماذا يقول القانون الدولي؟


لا تتوقف خطورة الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية عند حدود الحرب الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فإذا ثبت أن مواد كيميائية سامة استخدمت كسلاح، فإن الأمر يتحول إلى قضية تتعلق مباشرة بالقانون الدولي الإنساني واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والمسؤولية الجنائية عن الانتهاكات الجسيمة.وتزداد حساسية الملف لأن السودان ليس دولة خارج منظومة حظر الأسلحة الكيميائية، بل هو طرف في الاتفاقية منذ عام 1999، وبالتالي فإن التزاماته القانونية واضحة: عدم تطوير الأسلحة الكيميائية أو إنتاجها أو تخزينها أو استخدامها.

اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية

تعتبر اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية واحدة من أهم اتفاقيات نزع السلاح في العالم، وتضم 193 دولة طرفاً.وتلزم الاتفاقية الدول الأطراف بالتخلي عن تطوير وإنتاج وحيازة وتخزين ونقل الأسلحة الكيميائية واستخدامها، إضافة إلى تدمير المخزونات المعلنة.وتشرف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على تنفيذ الاتفاقية من خلال نظام معقد يشمل التصريحات الرسمية، والتفتيش، والتحقق، ومراقبة المنشآت والمواد الكيميائية ذات الصلة.

وأكدت المنظمة أن الدول الأطراف تعهدت بعدم تطوير أو إنتاج أو تخزين أو استخدام الأسلحة الكيميائية.وبالتالي، فإن أي إثبات لاستخدام مادة كيميائية كسلاح في السودان يضع الحكومة أمام سؤال قانوني مباشر حول مدى امتثالها للاتفاقية.

الكلور ليس محظوراً في ذاته

من أكثر النقاط التي تسبب التباساً في النقاش العام أن الكلور مادة صناعية مشروعة.فالكلور يستخدم في معالجة المياه والتعقيم والصناعة، ووجوده في السودان ليس بحد ذاته دليلاً على وجود سلاح كيميائي.

لكن القانون الدولي لا يتعامل مع المواد الكيميائية فقط من زاوية اسمها أو استخدامها المدني. إذا جرى تحويل مادة كيميائية إلى وسيلة لإحداث تأثير سام أو خانق ضد البشر، فإنها قد تصبح سلاحاً كيميائياً.وهذا هو جوهر الاتهامات الحالية ضد الجيش السوداني.

فالولايات المتحدة تقول إن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في 2024، بينما قالت التحقيقات الصحفية إن الكلور كان المادة الأساسية في بعض الذخائر المشتبه بها.

ماذا يعني استخدام الكلور كسلاح؟

الكلور يمكن أن يؤدي عند استنشاقه بتركيزات مرتفعة إلى أضرار شديدة في الجهاز التنفسي، وقد يؤدي إلى الوفاة.

وفي النزاعات المسلحة، فإن استخدام مادة خانقة بطريقة متعمدة ضد قوات الخصم أو المدنيين يختلف جذرياً عن التعرض العرضي لمادة كيميائية.لهذا السبب اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن استخدام الكلور كسلاح يمكن أن يشكل انتهاكاً خطيراً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، كما يمكن أن يشكل جريمة حرب في ظروف معينة بموجب القانون الجنائي الدولي.

هل كل استخدام مزعوم يشكل جريمة حرب؟

من الناحية القانونية، لا يكفي إثبات وجود مادة كيميائية.يجب تحديد السياق، والهدف، وطبيعة الهجوم، والجهة التي قامت به، والنية أو العلم المطلوبين للجريمة محل التحقيق.وفي القانون الدولي الإنساني، يخضع استخدام الأسلحة لقواعد أساسية، من بينها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، والاحتياطات اللازمة أثناء الهجوم.

أما استخدام الأسلحة الكيميائية فهو محظور بصورة خاصة، ولا يصبح مقبولاً لمجرد أن الهدف العسكري كان مشروعاً.لذلك فإن إثبات استخدام سلاح كيميائي يمكن أن يفتح الباب أمام تحقيقات جنائية فردية، وليس فقط عقوبات سياسية ضد الدولة.

مسؤولية القادة

واحدة من أهم القضايا التي ستظهر إذا تطورت التحقيقات هي مسألة سلسلة القيادة.إذا ثبت استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن السؤال لن يكون فقط: “هل استُخدم الكلور؟”بل ستظهر أسئلة أكثر تعقيداً:من أنتج الذخائر؟

من أصدر أوامر استخدامها؟من سمح بتخزينها؟من شارك في التخطيط؟ومن كان يعلم باستخدامها ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لمنع ذلك؟وهنا يصبح الوصول إلى الوثائق العسكرية والاتصالات والأوامر وسجلات الإمداد أمراً بالغ الأهمية.وتأتي التقارير التي نشرتها واشنطن بوست في سبتمبر 2026 لتزيد من أهمية هذا الجانب، لأنها تحدثت عن وثائق ورسائل عسكرية تتعلق بتصميم الذخائر وتخزينها واستخدامها.

لماذا لا تكفي العقوبات الأميركية؟

الولايات المتحدة تمتلك قانوناً داخلياً يتيح لها فرض إجراءات على الدول التي ترى أنها استخدمت أسلحة كيميائية.

وقد فعلت ذلك بالفعل في حالة السودان.في يونيو 2025، فرضت واشنطن مجموعة من العقوبات التي شملت إنهاء بعض أشكال المساعدات، ووقف مبيعات الأسلحة، وقيوداً على بعض الصادرات والتمويل الحكومي.

ثم في يونيو 2026 قررت الولايات المتحدة فرض إجراءات إضافية، بعد أن خلصت إلى أن السودان لم يستوف الشروط المطلوبة لرفع أو تخفيف التدابير.ومن بين الإجراءات الإضافية معارضة الولايات المتحدة تقديم مساعدات مالية أو تقنية للسودان من المؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف.لكن هذه العقوبات تظل إجراءات أميركية أحادية الجانب، ولا تعادل حكماً قضائياً دولياً.

دور منظمة حظر الأسلحة الكيميائية

هنا تأتي أهمية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.فالمنظمة تمتلك الآليات الفنية الأكثر تخصصاً في العالم لتحديد ما إذا كانت مادة كيميائية قد استخدمت كسلاح.

وفي يوليو 2026، أكدت المنظمة أهمية الأدلة الجنائية الكيميائية في تحديد المادة المستخدمة، وطريقة إنتاجها، وعلاقتها بحوادث أخرى.لكن المنظمة لا تستطيع ببساطة دخول السودان وإجراء تحقيق من تلقاء نفسها في أي ادعاء.

وقد أوضح المدير العام للمنظمة في 2025 أن الأمانة الفنية تتابع الادعاءات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، لكنها لا تملك صلاحية تولي القضية من تلقاء نفسها، وأن الملف يبقى ضمن صلاحيات الدول الأطراف والأجهزة المختصة.

هل يمكن أن يتحول الملف إلى مجلس الأمن؟

نظرياً، يمكن أن يصبح الملف جزءاً من نقاش أوسع داخل الأمم المتحدة، خاصة إذا ثبت وجود استخدام ممنهج أو متكرر للأسلحة الكيميائية.لكن مجلس الأمن تحكمه الحسابات السياسية، وقد تواجه أي محاولة لإصدار قرار صعوبة بسبب مواقف الدول دائمة العضوية.ولهذا قد يكون المسار الفني لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أكثر أهمية في مرحلة إثبات الوقائع، بينما يبقى مجلس الأمن مساراً محتملاً في مرحلة التعامل السياسي والأمني مع النتائج.

ماذا عن المحكمة الجنائية الدولية؟

الوضع القانوني أكثر تعقيداً هنا.السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، لكن المحكمة الجنائية الدولية لديها ولاية على الجرائم المرتكبة في دارفور بناءً على إحالة سابقة من مجلس الأمن.وهذا يعني أن نطاق اختصاص المحكمة ليس ببساطة كل الجرائم التي تقع في السودان منذ اندلاع الحرب الحالية.

لكن إذا ارتبطت جرائم مزعومة بأوضاع تقع ضمن الاختصاص القضائي للمحكمة، فقد تصبح الأدلة المتعلقة باستخدام الأسلحة المحظورة ذات أهمية في ملفات المسؤولية الفردية.

الأسلحة الكيميائية ليست مجرد سلاح آخر في ترسانة الحرب.استخدامها محظور بصورة شبه مطلقة بموجب اتفاقية دولية واسعة العضوية، ويشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي.وفي الحالة السودانية، لم تصل القضية بعد إلى مرحلة الحكم الدولي النهائي، لكن الولايات المتحدة أصدرت تحديداً رسمياً بأن الحكومة استخدمت الأسلحة الكيميائية، بينما قدمت التحقيقات الصحفية والحقوقية اللاحقة أدلة جديدة قالت إنها تعزز الاتهامات.

ويبقى الاختبار الحقيقي هو قدرة المجتمع الدولي على تحويل هذه الادعاءات إلى ملف إثبات مستقل، قابل للتدقيق، ويمكن أن يقود إلى تحديد المسؤولين ومحاسبتهم.

فإذا ثبت الاستخدام، فلن يكون السؤال عندها مجرد: “هل استُخدم الكلور؟”، وإنما: من قرر استخدامه، ومن نفذ الأمر، ومن يتحمل المسؤولية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى