تسريبات

أين غاب ذهب السودان؟ فساد منظومة التعدين وتهريب الثروة الوطنية خارج خزينة الدولة


يبدو السودان، في مفارقة اقتصادية مؤلمة، كأنه بلد ينتج الثروة لكنه لا يستطيع تحويلها إلى تنمية. فالذهب يخرج من الأرض بكميات كبيرة، وتعمل شركات محلية وأجنبية في قطاع التعدين، وتنتشر أنشطة التعدين التقليدي في مناطق متعددة، ومع ذلك يعيش ملايين السودانيين تحت ضغط الفقر والجوع وانهيار الخدمات. وبين حجم الثروة المعدنية وحجم المعاناة الاجتماعية، تبرز أسئلة حول مصير عائدات الذهب، والجهات التي تتحكم في الإنتاج والتجارة والتصدير، ومدى استفادة الخزينة العامة من هذا المورد الاستراتيجي.

إن ملف الذهب من أكثر الملفات التي تستحق التحقيق في السودان، ليس فقط بسبب قيمته المالية، وإنما بسبب ارتباطه المباشر بالاقتصاد السياسي للحرب. فقد تحول المعدن النفيس إلى مصدر مهم للنقد الأجنبي، لكنه أصبح أيضاً مجالاً تتداخل فيه مصالح الشركات والوسطاء والجهات المسلحة وشبكات التهريب.

وتشير تقارير دولية إلى أن ضعف الرقابة على قطاع التعدين ساهم في توسع التجارة غير الرسمية. فقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة في تقريره لعام 2024 وجود شبكات تهريب واسعة، وأشار إلى أن أكثر من نصف الذهب المستخرج في السودان كان، وفق المعلومات التي جمعها الفريق، لا يمر عبر القنوات الرسمية.

هذه النسبة تطرح سؤالاً خطيراً: إذا كانت كميات كبيرة من الذهب لا تدخل عبر القنوات الرسمية، فمن يحصل على قيمتها؟ وكيف يمكن للدولة أن تخطط لميزانيتها في ظل عدم قدرتها على تحديد حجم صادراتها الفعلية؟ وما جدوى وجود وزارة للمعادن وهيئات تنظيمية إذا كانت حركة المعدن الثمين يمكن أن تتم بعيداً عن الرقابة؟

إن مسؤولية سلطة بورتسودان تبدأ من ضرورة الكشف عن الأرقام الحقيقية للإنتاج والتصدير. فلا يكفي الإعلان عن زيادة الإنتاج أو توقيع اتفاقات استثمارية، بل يجب نشر بيانات دقيقة توضح الكميات المستخرجة من كل ولاية، ونسبة التعدين التقليدي والصناعي، وحجم المبيعات المحلية، والكميات المصدرة، والقيمة التي دخلت الخزينة.

كما أن غياب الشفافية بشأن الشركات العاملة في التعدين يجعل من الصعب معرفة المستفيدين الحقيقيين من الامتيازات. فليس كل من يحمل ترخيصاً استثمارياً هو بالضرورة المستثمر الفعلي، وقد تكون وراء بعض الشركات شبكات مساهمين أو وسطاء لا تظهر أسماؤهم في الوثائق المتاحة للجمهور. ولذلك يجب إعلان الملكية المستفيدة للشركات، ونشر العقود، وتحديد الالتزامات المالية والبيئية لكل شركة.

وتتضاعف المخاطر عندما تتداخل المصالح الاقتصادية مع المؤسسات العسكرية. فقد أشارت تقارير مركز مكافحة الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية إلى النفوذ الواسع للمؤسسات العسكرية وشبه العسكرية في قطاعات اقتصادية سودانية مهمة، ومنها التعدين، وإلى ضعف الرقابة على بعض الشركات المرتبطة بها.

إن المشكلة ليست في دخول المؤسسة العسكرية إلى النشاط الاقتصادي من حيث المبدأ فحسب، بل في غياب المساواة والرقابة عندما تحصل شركات مرتبطة بمراكز السلطة على امتيازات أو إعفاءات أو تسهيلات لا تتاح لبقية المستثمرين. ففي اقتصاد طبيعي، يجب أن يخضع الجميع للقواعد نفسها، وأن تدخل الإيرادات العامة في الحسابات الرسمية، وأن تكون المنافسة قائمة على الكفاءة والقدرة الاستثمارية.

أما التعدين التقليدي، فهو ملف آخر لا يمكن تجاهله. فآلاف السودانيين يعتمدون على التنقيب الأهلي باعتباره مصدر دخل، خصوصاً بعد فقدان الوظائف وتراجع النشاط الزراعي والصناعي. لكن هذا القطاع يعمل في كثير من المناطق في ظروف شديدة الخطورة، مع ضعف إجراءات السلامة واستخدام مواد كيميائية سامة وتكرار حوادث انهيار المناجم.

وقد تناولت وكالة أسوشيتد برس في تحقيق نشرته عام 2026 المخاطر التي يتعرض لها عمال التعدين التقليدي، ومن بينها استخدام الزئبق ونقص معدات الوقاية والحوادث المرتبطة بانهيار المناجم. كما أشارت إلى أن الذهب يوفر دخلاً لمجموعات من النازحين والعمال، لكنه في الوقت نفسه قد يسهم في تمويل أطراف مسلحة عبر شبكات التجارة غير الرسمية.

وهنا تتجلى المفارقة: المواطن السوداني يخاطر بحياته داخل منجم غير آمن للحصول على كمية محدودة من الذهب، بينما تظل الأسئلة قائمة حول الجهات التي تستفيد من التجارة والتصدير والعقود الكبيرة. وإذا كانت الدولة تريد حماية هذا القطاع، فعليها أن توفر للعمال إجراءات السلامة والتأمين الصحي، وتراقب استخدام المواد الكيميائية، وتضمن حصول المجتمعات المحلية على نصيب عادل من عائدات التعدين.

ولا يجوز أن تتحول حماية البيئة إلى مسألة ثانوية. فاستخدام الزئبق والسيانيد بصورة غير منضبطة قد يؤدي إلى تلويث المياه والتربة والإضرار بصحة السكان والحيوانات. ولذلك فإن أي اتفاق مع شركة أجنبية يجب أن يتضمن التزامات واضحة بشأن معالجة المخلفات وإعادة تأهيل الأراضي وحماية مصادر المياه، مع فرض عقوبات على المخالفات.

أما البرهان وسلطة بورتسودان، فهما مطالبان بتقديم إجابات عن كيفية إدارة قطاع الذهب خلال الحرب. فهل توجد قاعدة بيانات موحدة للإنتاج؟ وهل تخضع الشركات المرتبطة بالمؤسسات العامة للمراجعة؟ وهل تراجع الحكومة مسارات التصدير والتحويلات المالية؟ وما حجم الأموال التي فقدتها الدولة نتيجة التهريب؟

إن هذه الأسئلة ليست دعوة إلى تعطيل الاستثمار، وإنما إلى حماية الاستثمار نفسه من الفساد والاحتكار. فالمستثمر الجاد يحتاج إلى قوانين واضحة، ومؤسسات مستقرة، ونظام ضريبي معروف، وبيئة تنافسية عادلة. أما العقود الغامضة والامتيازات غير المعلنة فتخلق بيئة طاردة للاستثمار المسؤول.

ويجب أن تبدأ المعالجة بإجراء مراجعة وطنية مستقلة لقطاع الذهب منذ اندلاع الحرب، تشمل عقود الامتياز والإنتاج والصادرات والإعفاءات، وتحديد الجهات التي استفادت من التسهيلات الحكومية. كما يجب نشر تقارير دورية عن الإيرادات التي تدخل الخزينة، وربط تراخيص التعدين بالتزامات إنتاجية وبيئية واضحة.

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات حول امتلاكه ثروات معدنية ضخمة، بل يحتاج إلى نظام يضمن أن تتحول هذه الثروات إلى أموال تدخل الميزانية العامة وتعود بالنفع على المواطنين. فالذهب الذي لا يساهم في تمويل المستشفيات والمدارس والمياه والكهرباء، ولا ينعكس على مستوى معيشة السكان، يظل ثروة غير مستثمرة في مستقبل البلاد.

والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه المسؤولون هو: أين ذهب ذهب السودان؟ ومن يملك حق التصرف فيه؟ ولماذا لا تظهر عائداته بصورة شفافة في حسابات الدولة؟ إن كشف هذه الملفات هو الخطوة الأولى لاستعادة الثقة وحماية الموارد الوطنية من الضياع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى