تحقيقات

أزمة الكلور في السودان تفتح ملف صفقات المياه وتثير الجدل حول أطراف مؤثرة


تحوّلت صفقة تبدو في ظاهرها تقنية مرتبطة بمعالجة مياه الشرب في السودان إلى قضية سياسية وأمنية معقدة، بعد أن أثارت طريقة إدارتها تساؤلات حول خلفياتها الحقيقية، خاصة مع تصاعد الحديث عن توظيف مثل هذه الملفات ضمن شبكات نفوذ أوسع، يُشتبه في ارتباطها بتيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان.

ويأتي هذا التطور في سياق حرب مستمرة وتعقيدات داخلية متصاعدة، ما يجعل أي تحرك يتعلق بمواد حساسة محل تدقيق واسع، إذ إن المواد ذات الاستخدام المزدوج، مثل غاز الكلور، لا تُقرأ فقط من زاوية تقنية، بل ضمن توازنات نفوذ، حيث تحاول بعض الشبكات، وفق تقديرات مراقبين، توظيفها لتعزيز مواقعها داخل مفاصل الدولة أو في محيطها.

وبحسب ما كشفه تقرير “العين الإخبارية”، فإن القصة بدأت بمناقصة رسمية طرحتها هيئة مياه ولاية الخرطوم لتوريد مواد تنقية المياه، من بينها غاز الكلور المسال، حيث تقدمت عدة شركات واستوفت الشروط القانونية، قبل أن يتغير مسار العملية بشكل مفاجئ، في خطوة اعتبرها البعض مؤشرًا على تدخلات تتجاوز الإطار الإداري البحت.

وتشير المعطيات إلى أن قرارًا مباشرًا أدى إلى إلغاء المنافسة المفتوحة، وحصر استيراد الكلور في جهة واحدة تابعة للجيش، ما أثار موجة انتقادات وفتح الباب أمام تساؤلات حول أسباب هذا الاحتكار، غير أن زاوية أخرى من النقاش ركّزت على احتمال وجود صراع نفوذ خفي، خاصة في ظل تاريخ طويل من محاولات اختراق مؤسسات الدولة من قبل شبكات مرتبطة بالإخوان.

وتكمن حساسية الملف في أن الكلور، رغم أهميته في تنقية المياه، يمكن تحويله إلى سلاح كيميائي خانق، وهو ما يجعل أي تحكم غير شفاف في استيراده أو توزيعه مصدر قلق، خصوصًا إذا ما وُضع ضمن سياق أوسع يتعلق باستخدام الموارد الحيوية كورقة ضغط أو نفوذ في بيئة سياسية مضطربة.

وقد حذرت تقارير حقوقية من أن احتكار هذه المادة قد يضع السودان أمام مخاطر إضافية، في حين يرى بعض المراقبين أن الجماعات ذات الخلفيات الأيديولوجية، ومنها الإخوان، لطالما سعت إلى التموقع داخل قطاعات استراتيجية، بما فيها الخدمات الأساسية، لما توفره من قدرة على التأثير غير المباشر.

وتزداد الشكوك بالنظر إلى تقارير سابقة تحدثت عن استخدام غاز الكلور في النزاع الدائر، حيث أشارت تحقيقات إعلامية إلى وقوع هجمات بهذه المادة في مناطق مختلفة خلال العامين الماضيين، وهو ما نفته السلطات السودانية، لكنه ظل محل جدل دولي واسع، ويُستخدم اليوم كخلفية لتضخيم المخاوف المرتبطة بأي تحرك في هذا المجال.

في المقابل، يرى مراقبون أن توقيت هذه الخطوة، وطبيعة الجهة التي حصلت على حق الاستيراد، يعكسان تحوّلًا في إدارة الموارد الحساسة داخل البلاد، غير أن إدخال فرضية دور الإخوان في هذا السياق يعكس أيضًا تصاعد القلق من عودة التنظيم إلى واجهات غير تقليدية، مستفيدًا من الفوضى والتداخل بين المدني والعسكري.

هذا وتكشف هذه القضية كيف يمكن لملف تقني بسيط أن يتحول إلى ساحة صراع نفوذ معقدة، حيث لا يقتصر الجدل على صفقة أو إجراء إداري، بل يمتد إلى شبكات التأثير الخفي، وفي مقدمتها الإخوان، التي يُعتقد أنها تراهن على الأزمات لإعادة التموضع داخل مشهد إقليمي مضطرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى